الثلاثاء 26 أكتوبر 2021
كتاب الرأي

محمد بوبكري: في التعاون الأمني بين المغرب وموريتانيا

محمد بوبكري: في التعاون الأمني بين المغرب وموريتانيا محمد بوبكري
لقد مرت العلاقات المغربية الموريتانية، عبر تاريخها، بأزمات وتوترات عديدة. ورغم أنها تحسنت في الآونة الأخيرة بعد وصول الرئيس "محمد ولد الشيخ الغزواني"، فإن الظروف قد جعلت مواقف موريتانيا تجاه المغرب يلفها التذبذب والغموض من حين لآخر، ما جعل بعض المتتبعين يصفون مواقف موريتانيا بكونها تعبيرا عن انتهازيتها، حيث فسروا ذلك بأن موريتانيا تستفيد من المغرب ومن جنرالات الجزائر معا. 
وبذلك، فإنها أرادت أن تكون الرابح الوحيد من الصراع بين الجزائر والمغرب. ويبدو لي أن هذا التفسير يطغى عليه التبسيط، وأنه لا ينهض على معرفة بالواقع الموريتاني المعقد. ورغم تحسن العلاقات المغربية - الموريتانية في عهد الرئيس الحالي "محمد ولد الشيخ الغزواني"، فإن هناك مخلفات لتركة الرؤساء الموريتانيين السابقين، حيث إن "هواري بومدين" قد فرض عليهم الاعتراف بوهم ما يسمى بـ."جمهورية مليشيات البوليساريو"، إذ لا تزال فلول العهود السابقة مستمرة في أجهزة الدولة الموريتانية، كما أن فلول الرئيس السابق "محمد ولد عبد العزيز" لا تزال مؤثرة في الإدارة الموريتانية، حيث إن العلاقات المغربية ـ الموريتانية قد عرفت في عهد هذا "الرئيس" توترات كبيرة، علما أن هذا الأخير درس في المغرب، وتزوج من سيدة مغربية، وله أصدقاء كثر في المغرب، ما يعني أنه لا يمتلك قيم الاعتراف بالجميل تجاه من أسدى له خدمات. لذلك، فإنه يصعب على حكام موريتانيا ممارسة قطيعة جذرية مع تركة الرؤساء الموريتانيين السابقين الذين كانوا يخضعون لضغوط جنرالات الجزائر، لأنهم يهددونهم بإسقاطهم أنظمتهم، كما فعلوا مع "المختار ولد دادة". هكذا، فقد ظل شبح ما حصل لهذا الأخير يطارد كل الرؤساء الذين جاؤوا بعده.
واليوم هناك أزمة سياسية بين المغرب وموريتانيا، لأن حكام موريتانيا يستفزون المغرب باستقبالهم لعصابة زعماء الانفصاليين، الأمر الذي يرفضه المغرب، لأن القطيعة مع تركة الرؤساء السابقين تتطلب وقتا، ما يعني أن المسألة في حاجة إلى إنضاج الظروف لتسحب موريتانيا اعترافها بـ "جمهورية الوهم" التي هي صنيعة جنرالات الجزائر، ما جعلها لا تتوفر على أرض، بل إنها توجد على التراب الجزائري، الذي هو أصلا أرض مغربية تشكل جزءا من الصحراء المغربية الشرقية، التي اقتطعها الاستعمار الفرنسي من المغرب، وألحقها بالجزائر، والتي سيعمل المغرب مستقبلا على استرجاعها، كما أن هذا الكيان الوهمي لا يتوفر على شعب، وإنما يتشكل من مليشيات محتجزة في " تنوف"، ويتكون من جماعات إرهابية، يوظفها جنرالات الجزائر في سعيهم إلى زعزعة استقرار دول الجوار بهدف الهيمنة عليها، وإضعافها من اجل التوسع على حسابها، كما أن هذا الكيان الوهمي لا يتوفر على عاصمة، ولا على أي شروط من شروط وجود الدولة...
وجدير بالذكر أنه قد سبق أن كتبت سلسلة من المقالات، حاولت أن أتطرق فيها للأوراق التي يمتلكها المغرب، ويمكنه استعمالها للضغط على المسؤولين الموريتانيين. وقد نشرت مقالا حاولت أن أبرز فيه بالتفصيل أن المغرب يشكل عماد الأمن الغذائي الموريتاني، لكنه، ولاحترام الجوار، لم يستعمل هذه الورقة لحد الآن ضد موريتانيا.
 إضافة إلى ذلك، ونظرا للخبرة الكبيرة للمغرب في مجال الأمن، فإنه قد صار في إمكانه أن يقدم مساعدات لموريتانيا في مجالي الأمن الداخلي والأمن الخارجي، حيث عندما نقرأ ما ينشر في الصحف والمجلات الموريتانية، وما يتم نشره على صفحات "الفايسبوك" في موريتانيا، نستخلص أنه توجد، في شمال موريتانيا، في شوارع " نواذيبو" و"نواكشوط"، جماعات إجرامية، تنشط في مجال النهب والاغتصاب، ما يفيد أن هذه الجماعات تهدد امن الموريتانيين، الأمر الذي يؤكد انعدام الأمن والاستقرار. وكرد فعل على هذه الموضعية في موريتانيا، عرض المغرب على حكام موريتانيا مساعدات في المجال الأمني من أجل استتباب الأمن والاستقرار الداخليين. لذلك، على حكام موريتانيا أن يدركوا أن العلاقات الدولية تبنى على المصالح المتبادلة، ما يعني أن عليهم عدم اتخاذ مواقف تتعارض مع المصلحة العليا للمغرب…
فضلا عن ذلك، فإن موريتانيا توجد في منطقة حساسة، ما يشكل تهديدا لأمنها الخارجي. وللتدليل على ذلك، يكفي التأمل فيما حدث في جارتها مالي، التي تتسلل إليها عصابات إرهابية تهدف إلى زعزعة استقرارها بغية جعلها ترضخ لضغوط من خارجها. 
ونظرا لوجود موريتانيا في هذه المنطقة، فمن الممكن أن تكون عرضة لتهديدات خارجية. أضف إلى ذلك أن هناك رغبة جامحة لدى حكام الجزائر في احتلال شمال موريتانيا ليكون لها منفذ على المحيط الأطلسي، حيث قد يقوم هؤلاء الجنرالات بدعم الحركات الانفصالية التي تسعى إلى فصل شمال موريتانيا عن وسطها وجنوبها، ما يعني أن الجنرالات ينوون ضرب الوحدة الوطنية الموريتانية، ما سيسهل عليهم تفتيت الكيان الموريتاني. وهذا ما يفرض علينا طرح السؤال الآتي: لماذا يريد جنرالات الجزائر الحصول على منفذ على المحيط الأطلسي عبر احتلال الشمال الموريتاني؟ فهل يتوفرون على منشآت صناعية في الصحراء الجزائرية يريدون تصدير منتجاتها عبر المحيط الأطلسي؟ قد يقول قائل إنهم يريدون ذلك لتصدير الغاز والبترول. ويقول خبراء في هذا المجال إن آبار النفط والغاز الجزائرية معرضة، بين عشية وضحاها، للجفاف، حيث لن يكون في إمكان الجنرالات تحقيق الاكتفاء الذاتي للبلاد من هاتين المادتين. لذلك فإن حكام الجزائر لا يبحثون عن منفذ على المحيط الأطلسي للتمكن من تصير البترول والغاز، أو منتوجاتهم الصناعية، لأنهم لا يتوفرون على أي منتوجات مصنعة، كما أن أبار البترول والغاز في طريقها إلى النضوب. لذلك، يرى بعض الخبراء أن حكام الجزائر يسعون إلى التوسع على حساب موريتانيا بحثا عن أرض لميليشيات "البوليساريو"، ويطمعون في نهب الخيرات التي توجد في شمال موريتانيا، ومحاصرة المغرب جنوبا لفصله عن جذوره الإفريقية…
هكذا، فإن الأمن الخارجي الموريتاني مهدد من قبل جنرالات الجزائر… وما دام المغرب يتوفر على أقمار اصطناعية للرصد والمراقبة فإنه قادر على مراقبة التراب الموريتاني من أجل التدخل لصد أي احتلال لحدود الشمال الموريتاني…
وإذا كان المغرب مستعدا للدفاع عن الأمنين الداخلي والخارجي لموريتانيا الشقيقة، فعلى حكام موريتانيا أن يفهموا أن المغرب حريص على الأمن القومي لموريتانيا. وهذا ما يتطلب منهم أن يتخذوا مواقف واضحة تجاه القضية الوطنية العليا عبر إلغاء اعترافهم بـ "جمهورية الوهم الانفصالية".