الأحد 19 سبتمبر 2021
سياسة

رشيد لبكر: على رئيس الحكومة القطع نهائيا مع منطق الترضيات واقتسام الغنيمة

رشيد لبكر: على رئيس الحكومة القطع نهائيا مع منطق الترضيات واقتسام الغنيمة رشيد لبكر

ما أن كلف الملك محمد السادس الأمين العام لحزب الحمامة عزيز أخنوش بتشكيل الحكومة الجديدة، حتى سارعت جل الأحزاب في التهافت على الصعود إلى المنصة واللهث وراء الظفر بموطئ قدم لها في حكومة أخنوش، بعيدا عن روح الدستور.

ولتحليل هذه الظاهرة وتداعياتها أجرت "أنفاس بريس" مع رشيد لبكر، أستاذ القانون العام بكلية شعيب الدكالي، الحوار التالي:

 

+ ما هي قراءتك لهذا المشهد السياسي الجديد؟

- أن تلهث شيء وأما الواقعية السياسية فشيء آخر، تتحكم فيه حسابات الظرفية الاقتصادية والاجتماعية وشعار "المعقول" الذي رفعه زعيم الحزب الحاصل على أغلبية المقاعد والمكلف بتشكيل الحكومة. وأعتقد بأن هذا الأخير، سيكون واعيا تمام الوعي، بحجم المسؤوليات الملقاة على عاتق حزبه وبالتحديات التي تنتظره، وينبغي ألا ننسى أن الفيروس القاتل مازال مخيما على بلادنا ويتحين أي فرصة للفتك بأرواحنا؛ ولابد من الإسراع ببلورة خطة استباقية بنفس جديد ومنهجية مبتكرة لمواجهته، والتقليل من الآثار الوخيمة التي تركها على ميزانية الأسر ودخل الأفراد والنسيج الاقتصادي عبر كل تمفصلاته. ثم هناك التطورات الحاسمة التي عرفتها قضية وحدتنا الترابية والتقدم الهام الذي حققته دبلوماسية المغرب على مستوى حشد مزيد من المعترفين بسيادته على الأقاليم الجنوبية والصحراوية مقابل سحب الاعتراف من جمهورية الوهم.. وهناك أيضا التنزيل الفوري لمضامين النموذج التنموي وميثاق التنمية اللذين تعلق عليهما الكثير من التطلعات، دون أن ننسى سقف الوعود المرتفع، الذي قدمت به الأحزاب الفائزة برنامجها لعموم المواطنين الذين ينتظرون تنفيذه بتطلع كبير.. والمطلوب منها إذن الإسراع بتنفيذ ما وعدت به ناخبيها، حرصا على مصداقيتها أولا، ومصداقية الشعارات التي رفعتها ثانيا...

لكل هذا، أعتقد أن رئيس الحكومة المعين سيكون واعيا بكل هذه التحديات وهو يجري مفاوضات التحالف، واضعا نصب عينه الإسراع في إخراج الحكومة إلى الوجود لمواجهة ما ينتظر حكومته، على اعتبار أن محطة تشكيل فريقها، كانت دائما الحاجز الأول الذي يمكن على ضوئه الحكم على قوة ونجاعة الحكومة، فإذا خرجت منسجمة ومتلائمة وكان هاجس النجاعة والفاعلية هو المتحكم فيها، أعطت الانطباع الإيجابي عنها، والعكس صحيح أيضا. لذا من المفروض على حزب "المعقول" أن يقطع نهائيا مع منطق الترضيات واقتسام الغنيمة السائد في الماضي، وبناء تحالفاته على الواقعية والبرغماتية والموضوعية، ولا يهم بعدها لهث اللاهثين، فالمهم إرضاء الناخبين ومنحهم شعلة أمل تبدأ مع الكيفية التي سيدبر بها أمر تشكيل الحكومة.. نحن أمام مسؤولية بحجم الجبال وليس على طاولة لاقتسام كعكة عيد الميلاد كل واحد يسعى الى كسب حصته منها... على العكس تماما...

ومن إيجابيات انتخابات هذه الولاية، أنها أفرزت كتلا صوتية حققت نسبة فوز هامة لعدد من الأحزاب، ستساعدها على تشكيل أغلبية بلا مشاكل ولا تمطيطات، بالإمكان أن تأذن بميلاد حكومة عمل وفعالية، بعدد قليل من الحقائب وبقطاعات وزارية ملتئمة ومنسجمة، كل قطاع فيها مشكل وفق قاعدة "من؟ يفعل ماذا؟"، حكومة حكامة وكفاءات...

وعلى اللاهثين أن يعووا هذا المعطى جيدا، ويتركوا الرئيس المعين يشكل أغلبيته بهدوء وبأقصى سرعة، ليفكروا بعدها في الأدوار التي يمكن أن يلعبوها في أي موقع وجدوا فيه.. إذا كان هاجس الجميع هو خدمة الوطن فعلا، فالأغلبية لا يمكنها أن تسع الجميع وللمعارضة وظيفة هامة لمن يدرك ذلك.

 

+ كيف يستقيم العمل السياسي دون أن تكون هنالك أغلبية ومعارضة كما ينص على ذلك الدستور وكما يؤكد على ذلك الملك الذي يحرص على أن تكون هنالك مؤسسات قوية؟

- هذه المسالة تعد من المغالطات التي يجب تصحيحها، إذ قبل النظر إلى البرلمان كأغلبية أو معارضة، يجب النظر إليه كمؤسسة دستورية لها مهامها المكفولة بمقتضى الدستور، وهي التشريع ومراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية.. وبهذا المنطق، فالبرلمان برمته سلطة لوقف سلطة الحكومة إن هي زاغت عن طريق النجاعة والقانون وفق الأليات الدستورية المعروفة... وهو بهذا المنطق، مؤسسة كبيرة لمعارضة الحكومة، معارضة نقد وتقويم وبناء.. لذا لا أفهم هذا التمثل السلبي لدور المعارضة في بلادنا، اللهم إن كانت غاية التنافس الانتخابي هي الاستوزار بذاته ولذاته فقط، وليس خدمة البلاد...

نعم، من الحقيقة القول بأن غاية أي حزب هو الوصول إلى السلطة وممارسة الحكم، ولكن قواعد الفعل السياسي انبنت على أساس أن الذي يمارس الحكم، هو من يحصل على أكبر المقاعد في البرلمان ويفلح في تشكيل الأغلبية التي سيريحه الاشتغال مع مكوناتها.. هذه هي القاعدة وابعادها واضحة..

وفي حالتنا المغربية الراهنة، أقول إن من حق الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، أن يعقد تحالفاته مع الأحزاب التي حصلت على عدد مهم من المقاعد، كي لا يرهقه مسلسل التفاوض، ويتجنب واقع التضخم القطاعي في الاستوزار، أي أن لا تتوزع التشكيلة بين عدة أحزاب فيسقط في مطب التمطيط والترضيات، ومن وجد نفسه، بمنطق الحساب خارج الحلف الحكومي، ما عليه إلا أن يتموقع بكل واقعية في صف المعارضة، كي يدافع عن الشعب بمنطق الحريص على المصلحة العامة، وكل طرف سيضرب موعده مع الشعب بعد ست سنوات، فالمعارض النجيب كما الحاكم الفعال، سيجازى في آخر المطاف عن فعله الجزاء الأوفى... إذن فليس في الأمر مفاضلة بين أغلبية ومعارضة، بقدر ما هو توزيع عادي للأدوار فرضته نتائج الاقتراع.

 

+ ألا يفسر تهافت الأحزاب على البحث عن مكان لها ضمن حكومة أخنوش بأن النخب الحزبية ما زالت بعيدة عن استيعاب روح الدستور؟

- الأمور تغيرت الآن.. اندحار حزب العدالة والتنمية درس يجب أن يستفيد منه الجميع... لم تعد ممارسة الحكم بعد اليوم نزهة في الدواوين الوزارية... وكما قلت، من المفروض أن يكون سي أخنوش على وعي بجسامة المسؤولية، وما سيهمه هو تشكيل حكومة كفاءة وفعالية وبأقل عدد من الحقائب لكسب تعاطف الشعب عند أول محطة في الطريق دون الالتفات إلى تهافت المتهافتين...

هناك مؤشرات إيجابية على أن تشكيل المجالس الترابية بكل أصنافها تمر في ظروف جيدة وانسجام واضح بين الأحزاب الثلاثة الفائزة في الانتخابات؛ وعلي السيد رئيس الحكومة المعين أن يستثمر هذا الانسجام لبناء تحالف حكم لن يكلفه الكثير، بقدر ما سيكسبه مصداقية أكبر لدى الشعب الذي بوأه مركز الصدارة... أما الأحزاب التي لم يسعفها الحظ، فمن مصلحتها حفظ ماء وجهها ووضع النفس في المكان الذي يناسبها، فقد عاش من عرف قدره، وقد تحقق في المعارضة ما لن تستطيع فعله في هامش ضيق جدا في الأغلبية لو كانت من العالمين...