الاثنين 18 أكتوبر 2021
سياسة

عبد القادر فلالي: ألمانيا و"بيكاسوس".. القصة الكاذبة والمفبركة أو قصة أحجية

عبد القادر فلالي: ألمانيا و"بيكاسوس".. القصة الكاذبة والمفبركة أو قصة أحجية عبد القادر فلالي وشعار بيكاسوس

السؤال الذي نود أن يُطرح علينا هو "لماذا كنتم جازمين منذ البداية بمصداقية وبراءة المغرب ومؤسساته من استعمال برنامج "بيكاسوس" الإسرائيلي؟ سنُجيب مُرتكزين على عنصرين أساسيين: أولهما الثقة في مؤسسات مغرب اليوم والمؤسسة الأمنية برجالاتها ونسائها بشكل خاص لأنها هي المعنية بهذا الأمر. ثانيهما استعنا بالزاد المعرفي والأدوات التفكيكية للغة والخطاب الذي نسجته الجهات في حملاتها المسعورة على المغرب. في المتوسط، تصل القصة "الكاذبة" و"المفبركة" إلى ألف وخمسمائة من الناس أسرع بست مرات من القصة الحقيقية.  هذا أمر صحيح بالنسبة للقصص الكاذبة والتلفيقية حول أي موضوع، ولكن القصص المتعلقة بالسياسة هي الأكثر احتمالية للانتشار الفيروسي.

 

مكنتنا هذه الحالة رصد نوعين من المهن المستقبلية هما: "مقاولو حقوق الإنسان" و"نشطاء للإيجار".

 

فهم الأحجية

- يوم الاثنين في 22 يونيو 2020 عُرض على مشاهدي ومُتتبعي محطة الأخبار الألمانية "دوتشه فيليه" المقربة من الحكومة خبر على النحو التالي:

"اتهمت منظمة العفو الدولية المغرب باستخدام برنامج طورته شركة إسرائيلية للتجسس على الصحفيين و"النشطاء السياسيين" داخل المغرب وفوق التراب الأوروبي".

 

- في نفس الأسبوع "تُخرج" نفس المحطة الإخبارية شريطا مرئيا تحاول فيه ضرب مصداقية المدير العام للأمن الوطني.

 

- يوم 20 يوليوز 2021 نشرت "دوتشه فيليه" خبرا تُؤكد فيه أن كل من "الواشنطن بوست" و"الغرديان" و"لوموند" "وقصص ممنوعة" ومنظمة العفو الدولية، اتهمت المغرب باستخدام برنامج "بيكاسوس" التابع للشركة الإسرائيلية "ن س أو" للتجسس على صحفيين وسياسيين.

 

- يوم الثلاثاء 7 شتنبر 2021 وفي خبر مفاجئ  تُبرز فيه جريدة "ديغ شبيكل" الألمانية وبلغة التأكيد أن جهاز الأمن الألماني اقتنى واستخدم سرا برنامج "بيغاسوس" الإسرائيلي للتجسس على الأفراد.

 

- نفس اليوم نشرت جريدة "لوموند" الفرنسية قصاصة على النحو التالي" كشفت الصحافة الألمانية أن جهاز الشرطة الفدرالي كان زبونا لبرنامج التجسس الإسرائيلي "بيكاسوس" من مجموعة "ن س أو".

 

نسأل أين هؤلاء الذين شنوا حملة إعلامية ضد المغرب؟ أين منظمة العفو الدولية، وأين هم مقاولو حقوق الإنسان"؟ أين هي "الواشنطن بوست" أين هي منظمة العفو الدولية؟ أين "قصص ممنوعة؟

 

لم تكن قصة هذه الحملة الزائفة سوى مثالا واحدا على المعلومات المضللة المدعومة من قبل الساسة الألمان في وقت يعرف فيه المغرب إقلاعا اقتصاديا وتنمويا صاعدا والتأثير إقليميًا (إفريقيا) ودوليًا (الولايات المتحدة وأوروبا).

 

استعانت ألمانيا “الديموقراطية"، في سعيها لتحقيق غايات جيوسياسية، بأدوات التضليل وشبكات التواصل الاجتماعي لنشر سردية لغرض وحيد أوحد: فرملة طموحات المغرب التنموية. لتحقيق ذلك، استخدمت ألمانيا التشويهات والأكاذيب لتشكيل التصورات العامة وتقويض الثقة في الحقيقة ضاربة عرض الحائط مؤسساتها وأبجديات معايير الاتحاد الأوروبي.

 

يأتي هذا في الوقت الذي رفع فيه المغرب شكايتين أمام "العدالة" الألمانية والفرنسية، متبعا بذلك السبل المؤسساتية.

 

على الرغم من وجود العديد من السمات المميزة للبلدان ذات الإرث الاستعماري مثل ألمانيا الحديثة، إلا أن ما تغير الآن هو السرعة التي يتم بها "فبركة" وصناعة التسريبات وصقل ونحت القصص والخبث في نشرها.

 

من خلال "دوتشه فيليه" باللغة العربية ومعاهد "فريديريك إيبرت ستيفتونغ" المنتشرة في بعض الدول العربية تحاول الأجهزة الألمانية التأثير على مجموعات التفكير، والجرائد الإلكترونية المحلية في المغرب.

 

"مقاولو حقوق الإنسان": "نشطاء للتأجير"

لفهم سبب تسميتنا لهم بـ "مقاولو حقوق الإنسان"، من المفيد تشريح العناصر المختلفة التي تشملها التسمية. بطبيعته، يسعى المقاول بيع منتجاته أحيانًا بأي وسيلة. يمكن أن يتضمن إطارات أصلية مستخدمة في سياق خاطئ عن عمد لتسريب معنى خاطئ ، مثل موقف أصيل ومنتظم يمكن أن يحدث في أي مكان في هذا العالم ويتم عرضه بتعليق مزيف باستخدام ذخيرة يسارية. يمكن أن يأخذ أيضًا شكل رسالة ومحتوى تم التلاعب بهما، حيث يتم تحريف العناصر المثيرة للجدل في سياقات تستحضر جانبا يوحي بـ "القمع".

 

كيف تُصبح "ناشطا للإيجار" في خمسة أيام!

ينجح "نشطاء للتأجير"، جزئيًا، بسبب نقاط الضعف النفسية لدى المتلقي في الطريقة التي يستهلك بها الناس معلوماتهم ويعالجونها. وهذا يشمل كيف يلعب "مقاولو حقوق الإنسان" في هندسة جينية للعواطف والتحيزات، وتبسيط الموضوعات المعقدة، والسماح للجمهور بالشعور وكأنهم يكشفون عن الحقائق، ويُحسون بالانتماء "لهوية".

 

الذخيرة اليسارية ممزوجة بخطاب إسلامي "مقهمور" إنهما الزواج والمتلازمة التي أصبحتا اليوم صكا تجاريا وتسويقيا لدى الصالونات والجامعات الغربية. إن كنت من أبناء الجنوب وأردت التموقع في الفضاء الإعلامي والأكاديمي الغربي اليوم ما عليك إلا أن ترقص على سمفونية رسم معالمها "الأكاديميون والإعلاميون" الغربيون، وقام بتلحينها معجم مفاهيمي "غرامشي وماركسي جديدين"، وبطريقة استعبادية تهرع شريحة من "أكاديميي الهجرة" لإرضاء الأسياد بغية دعوات هنا وهناك في ندوات، أو نشر لكتاب أو مقال في جرائد "محكمة بالتوصية"، شريطة أن تجلد بلدك وثقافتك، وعقيدتك، وعاداتك وأنت تظهر في النهاية أنك تُشكل الإستثناء. فتنهال عليك الدعوات للمشاركة في المحطات الإخبارية خاصة الناطقة باللغة العربية، وتتحول إلى "خبير" و"مفكر" و"ناشط". وحينما تُحدّث الأجانب فسوف تتحول فجأة إلى حمل وديع تُردد فيه عبارات "نعم سيدي"، "بطبيعة الحال إنها ثقافتهم.." وسرعان ما تتحول إلى "أسد" على بني جلدتك وبلدك.

 

عبد القادر فلالي، أستاذ العلوم السياسية ورئيس مجموعة تفكير بكندا