الأحد 28 نوفمبر 2021
فن وثقافة

الأديب المؤرخ الراحل عبد الوهاب بن منصور.. عاش بالعلم من أجل العلم

الأديب المؤرخ الراحل عبد الوهاب بن منصور.. عاش بالعلم من أجل العلم صورة للمؤرخ المرحوم عبدالوهاب بنمنصور، إلى جانب الملك المغفور له الحسن الثاني، وهو في سنواته الاولى في الملك

في حلقة جديدة من برنامجه الاذاعي الشيق "مدارات"، أذيعت على أمواج الاذاعة الوطنية، مساء الجمعة 3 شتنبر 2021، استحضر الزميل عبد الإله التهاني، لمحات من سيرة العلامة المؤرخ المرحوم عبد الوهاب بنمنصور، بصفته أحد أبرز أعلام الثقافة المغربية الحديثة، معرفا بمؤلفاته المتنوعة، وإسهاماته في مجال البحث التاريخي، وكذا جهوده العلمية في تحقيق وطبع عدد من المخطوطات النفيسة، من ذخائر التراث المغربي.

 

وهكذا استعرض الزميل عبد الإله التهاني، حصيلة الإنجازات التوثيقية للمؤرخ المرحوم عبد الوهاب بنمنصور، والتي انطلقت منذ 1956، بسلسلته الرائدة "انبعاث أمة"، البالغة إلى حين وفاته 53 مجلدا، مرورا بتدوينه للرحلات الملكية في الداخل وإلى الخارج، وصولا إلى إصداره لمجلة "الوثائق"، حيث جسدت هذه المجلة التاريخية الرائدة،  أحد مظاهر اهتمام المرحوم بنمنصور وعنايته بالوثيقة التاريخية.

كما استعرض الزميل التهاني،  مشاهد من الإبداع الشعري المبكر للمرحوم عبدالوهاب بمنصور.

 

وفي ورقته التقديمية لشخصية المرحوم عبد الوهاب بنمنصور،  الذي قضى أزيد  من 40 سنة مؤرخا للمملكة المغربية، قال الزميل عبد الإله التهاني:

"هو واحد من أبرز أعلام المغرب في مجال التأريخ والتحقيق والتراجم. اجتمع فيه ما تفرق في غيره من معارف"، مضيفا أن "مجال التاريخ جسد عشقه الدائم"، على اعتبار أن "التأريخ مهمة جسيمة لها شروط صارمة". واعتبر التهاني في حديثه عن المؤرخ الراحل، أنه "كان يعرف كيف يوافق بين التاريخ العام، وبين مسؤولياته في تدوين التاريخ الرسمي للدولة المغربية، وكل ما يصدر عن ملك البلاد، وتوجيهاته ومبادراته، بكل امتداداتها في السياسة العامة للدولة، وسير مختلف مرافقها ".

 

وأبرز معد البرنامج المواهب الأدبية المبكرة للراحل عبد الوهاب بنمنصور، "حيث كان ذلك من العلامات الدالة على نبوغه، مشيرا إلى  كتاباته الشعرية المبكرة ، وهو لا يتجاوز 15 سنة من عمره، وكذا شروعه في التأليف وهو في سن 18 سنة".

واستحضر معد البرنامج الجانب الوطني في شخصية المرحوم بنمنصور، حين اختار أن يكون في صف الحركة الوطنية بمواقفه المشرفة في الدفاع عن حق وطنه في نيل الاستقلال، فكان "نصيبه ممارسة الرقابة على مقالاته، علما أنه سبق أن سجن بسجن عين قادوس بفاس سنة 1936، وهو في سن السادسة من عمره"، مشيرا إلى أنه سيقرر لاحقا الرحيل عن مدينة فاس، نحو مدن الشمال (طنجة وتطوان). ولأنه لم يسلم من تناسل المضايقات التعسفية، سيلجأ في النهاية إلى الهجرة خارج المغرب، "محافظا على إسهامه في العمل الوطني".

 

أما بخصوص عمله التربوي بعد استقلال المغرب، فقد ذكر معد البرنامج، أن المرحوم  بنمنصور عمل "أستاذا بمدارس محمد الخامس، وهي جزء من المدارس التي أسستها الحركة الوطنية، بعدد من المدن المغربية لتكوين جيل متشبع بالقيم الوطنية، ومتطلع إلى تحقيق استقلال البلاد".

 

أما فترة التحول الكبير في مسار هذا الرجل، فقد ابتدأت حسب معد البرنامج، مع بزوغ فجر الاستقلال، حيث "تم إلحاقه للعمل في الديوان الملكي للمغفور له الملك محمد الخامس"، وبعد ذلك عينه "المرحوم الملك الحسن الثاني، رئيسا القسم السياسي بالديوان الملكي".

وفي سنة 1963 عين في مهمة  مؤرخ المملكة، ثم "مديرا عاما للإذاعة والتلفزة المغربية"، لتتوالى بعد ذلك المسؤوليات التي تولاها، حيث سيتم تعيينه سنة 1967 على رأس إدارة ضريح محمد الخامس، ثم تسميته سنة 1975 مديرا للوثائق الملكية، والمغرب وقتئذ في أوج معركة استرجاع الأقاليم الصحراوية المغربية".

 

وسجل معد البرنامج أن كل المسؤوليات والمهام، التي اضطلع بها المرحوم عبدالوهاب بنمنصور، جاءت على خلفية "كفاءته العالية، وثقافته الواسعة، وإلمامه الواسع بتاريخ المغرب، وحضارته، ونظمه، ورصيده الثقافي الزاخر"، مؤكدا أن الراحل قد "أثبت على امتداد مساره ، أنه كان أهلا لما اؤتمن عليه، لأنه كان يمارس مهامه، بدراية المثقف الموسوعي، وبذلك استطاع أن يؤسس لشخصيته مكانة متميزة، سواء من خلال مساره العلمي، أو بحكم المسؤوليات التي تحملها أمام ثلاثة ملوك، خدمهم بتفان وإخلاص، منذ عهد الملكين المغفور لهما، محمد الخامس والحسن الثاني، وصولا إلى عهد جلالة الملك محمد السادس .

 

وفي هذا السياق أورد معد البرنامج، شهادة الأستاذ عبد اللطيف الشاذلي، وهو يتحدث عن خصال المرحوم العلامة عبد الوهاب بن منصور، مشيرا إلى "علمه الواسع، حيث إذا كتب ساعدته ذاكرته، فيأتي بالأخبار والتفاصيل والنوادر، مبرزا اهتمامه بالوثيقة التاريخية، جمعا وتصنيفا وتبويبا ونشرا".

 

وعن الصفات التي طبعت شخصية المؤرخ عبد الوهاب بنمنصور، أورد الاعلامي عبد الإله التهاني، مقتطفات مما كان قد كتبه المرحوم البروفيسور عبد اللطيف بربيش، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة سابقا، بشأن الدور الكبير  للمؤرخ بنمنصور "في إعادة تكوين الرصيد الوثائقي"، حيث كان "من الأوائل الذين انتبهوا لأهمية الوثائق في كتابة التاريخ المغربي، إذ كان يقضي أياما طوالا بين أقبية المراكز، باحثا ومنقبا عن الوثائق في العواصم الاوروبية والأمريكية، ليضيفها إلى أرشيفنا الوطني"، مؤكدا على "علمه الغزير وكفاءته العالية، واطلاعه الواسع على المعارف".

 

وأورد الزميل التهاني، من شهادة عبد اللطيف بربيش، قوله بأن المؤرخ الراحل: "كان يتقبل من زملائه ما يعرضونه من اجتهادات في مختلف أصناف العلوم والآداب والفنون، متجنبا النقد المجاني، ومع حرصه على المواظبة في اجتماعات وأشغال الأكاديمية المغربية، والمشاركة في أبحاثها ودراساتها العلمية".

 

وفي حديثه عن تعدد مواهب المرحوم عبد الوهاب بنمنصور، قال الزميل عبد الإله التهاني:

"لقد غلبت صفة المؤرخ والمحقق علل شخصية الأستاذ عبد الوهاب بنمنصور، فغطت على صفة الشاعر الموهوب فيه، حيث كانت نفسه تميل إلى قول الشعر، وهو في سن الخامسة عشر من  عمره"، مستشهدا في هذا السياق، بما دونه عنه العلامة المرحوم  عبد الله الجراري، في رحلته الشهيرة المسماة: "نزهة الاقتباس من خمسة أيام في فاس"، وهي الرحلة التي قام بها إلى فاس سنة 1935، ونوه فيها "بنبوغ وفطنة  التلميذ بنمنصور" الذي استأذنه في قراءة قصيدة شعرية من إبداعه بين يديه حين زارهم في مدرسة العدوة بفاس،  وهو في سن الخامسة عشرة.

 

وأورد الزميل التهاني مقتطفات من مقالة بحثية، للباحث الدكتور عمر أفا حول المرحوم عبد الوهاب بنمنصور، كان قد عدد فيها مناقبه، وأياديه البيضاء على العديد من الباحثين، حيث كان ييسر لهم سبل البحث في تاريخ المغرب، ويمدهم بنسخ من الوثائق اللازمة لبحوثهم التاريخية.

 

واستحضر معد برنامج "مدارات"، سطورا من شهادة للدكتورة بهيجة سيمو، المديرة الحالية للوثائق الملكية، سجلت فيها بأن "الخطوة البارزة  للمرحوم عبد الوهاب بنمنصور، هي تثمينه للرصيد الوثائقي، حيث استطاع أن يزود المديرية بآلاف الوثائق الملكية، مشيرة إلى أنه لم يغفل عن الوثائق التي كانت بحوزة بعض الأسر المخزنية، منها أسرة  بركاش والمقري".

ومن أفضال وجليل أعمال المؤرخ الراحل،  قيامه بإعداد ونشر سلسلة "انبعاث أمة"، والتي كان يوثق فيها خطب ورسائل وندوات  ملوك المغرب (محمد الخامس والحسن الثاني ومحمد السادس)، حيث بلغت هذه السلسلة إلى حين وفاته 53 مجلدا أنيقا"، فضلا عن "إصداره مجلة "الوثائق"، والتي نشر منها  12 عددا" تنضاف إلى الرصيد الضخم من المقالات البحثية، التي كتبها المؤرخ الراحل في مختلف مجالات التاريخ والفكر والأدب وتراجم الأعلام، والتي يتعين جمعها وطبعها، وإصدارها في كتب.

 

وخلص الزميل عبد الإله التهاني إلى القول، بأنه من خلال كل هذا وغيره، ترتسم أمامنا صورة المرحوم عبد الوهاب بنمنصور، كعالم ومؤرخ وبحاثة، عاش بالعلم، ومن أجل العلم، خدم ملوكه كما خدم وطنه، بتفان وإخلاص، فمات راضيا عن نفسه وعن سيرته...