السبت 25 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

عمر مروك: قصر المرادية عوض الرد على اليد الممدودة يخرج بهذا البيان

عمر مروك: قصر المرادية عوض الرد على اليد الممدودة يخرج بهذا البيان عمر مروك

الخطاب الملكي يعتبر خارطة طريق للسياسة الخارجية المغربية، وبلورة لمرتكزات السياسات العمومية وللتوجهات الاستراتيجية للحاضر وللمستقبل، ويتضمن تقييما للمؤشرات وللواقع الجيوسياسي والاقتصادي العام، وهو ليس خطابا لحظيا إعلاميا للاستهلاك، لذلك سنتطرق أولا لسياق الخطاب الملكي لعيد العرش، ثم لمضامين الخطاب في شقه المخصص للرسائل الموجهة للجزائر، وأخيرا تداعيات ما بعد الخطاب وتفاعل الجزائر معه.

 

أولا: سياق الخطاب

- مرت العلاقات المغربية الجزائرية بفتور منذ اغلاق الحدود بعد أحداث مراكش 1994، تعطل معه اتحاد المغرب العربي، وبالتالي ضاعت فرص كثيرة للتعاون الاقتصادي والأمني والاعتماد المتبادل، ودخل معها البلدان مسلسل استنزاف مادي وتسلح وبروباغاندا إعلامية.

- وضع جيوسياسي دولي جد مضطرب وفوضى خلاقة، واللعب على حبال التدخل الناعم غير المباشر في الشؤون الداخلية للدول من قبيل ما يقع الآن في تونس، وكذا في ليبيا بشكل أكثر حدة وعنفا، مما قد يطيح بأنظمة ويقسم دولا تبعا لمخطط برنار لويس الشهير، وبالتالي فالتهديد الأمني يهدد شمال إفريقيا ودول الساحل الإفريقي خصوصا مع الانسحاب التدريجي لفرنسا وبروز اطماع قوى جديدة وفاعلين جدد بالمنطقة، وكذا تحول التهديد الإرهابي تجاه إفريقيا كخطة بديلة عن التواجد بالمشرق .

- تطورات قضية الصحراء المغربية في ظل التدخل الإيراني وتسليح وتدريب حزب الله لمليشيات البوليساريو.

- تدخل الجيش المغربي الناجح بمنطقة الكركارات وتحييد التهديد الإرهابي بالمنطقة والإشادة الدولية والمباركة الأممية لذلك التدخل.

- الترسيم الوهمي للحدود بين الجزائر والكيان الانفصالي وقضية بن بطوش وتصريح السفير الممثل الدائم للمغرب عمر هلال وسحب الجزائر لسفيرها من الرباط ودعوة قصر المرادية لتوضيح رسمي مغربي بخصوص ملف "الماك".

 

ثانيا: مضامين ودلالات الخطاب الملكي

الخطاب خصص حيزا كبيرا للجارة الشرقية الجزائر في حين غيب تماما الإشارة للجارة الشمالية اسبانيا، وهو دلالة على أولوية إرجاع العلاقات المغربية الجزائرية لمسارها الطبيعي ولإحياء اتحاد المغرب العربي، مستحضرا الواقع الجيوسياسي الدولي وتربصات الأجندات الخارجية باستقرار المنطقة، وبالتالي يرى جلالة الملك أن القوة في الاتحاد وقطع الطريق أمام من يترصد بأمن واستقرار المنطقة عامة والمغرب والجزائر خاصة.

الرد الملكي لدعوة قصر المرادية كان واضحا وهو أن المغرب لن يبادر بالشر تجاه الجزائر، في إشارة ضمنية لملف تقرير مصير منطقة القبايل، لكن بشرط المعاملة بالمثل ورفع اليد عن دعم الكيان الوهمي أو التدخل في الشؤون الداخلية للمغرب تحت مبدأ المعاملة بالمثل. المبادرة الملكية للمصالحة مع الجزائر جاءت واضحة، بل وأبعدت كل إشارة لمن يتحمل المسؤولية فيما وقع في السابق، لكن المسؤولية ستكون جسيمة أمام الله والمستقبل ومصير الشعبين اللذين وصفهما بالتوأم، إن لم يتم استغلال الفرص المُهدورة؛ وبالتالي الجلوس لطاولة المفاوضات في أقرب وقت بكل جدية ومسؤولية، لأن الزمن السياسي الدولي وتسارع الأحداث يستوجب استبعاد الخلافات وتغليب منطق التعاون والاعتماد المتبادل بمنطق رابح-رابح، عبر فتح الحدود أمام حركة تنقل الأشخاص والسلع والممتلكات كخطوة أولى، ثم إعادة إحياء اتحاد المغرب العربي والولوج لبوابة التنمية الاقتصادية على غرار الاتحاد الأوروبي واتحاد النمور الأسيوية.. والتنسيق الأمني والتكامل المغاربي كآلية لا محيد عنها لتوطيد استقرار المنطقة.

 

ثالثا: تداعيات ما بعد الخطاب الملكي

مد الملك يد المصالحة وطي صفحة الماضي رمت الكرة داخل الملعب الجزائري بشكل يبين حسن النية وأن المغرب واضح في خطابه، كما في سياسته الخارجية.. المغرب اليوم هو قوة اقليمية صاعدة داعية وراعية للسلام من قبيل مواقفه تجاه المصالحة الليبية، وهو رسالة موجهة للراي العام الدولي كذلك. في الوقت الذي ينتظر فيه المنتظم الدولي الرد الرسمي لقصر المرادية على دعوة ملك المغرب، خرجت وكالة الأنباء الجزائرية بتبني بيان يعبر عن موقف الجبهة الانفصالية البوليساريو، والتي لخصت خطاب العرش بكونه مجرد كلام معسول ودعت المغرب لوقف "حملته التوسعية"، وادعت خرقه لاتفاق السلام، بيان يطرح أكثر من علامة استفهام!؟ كيف لوكالة أنباء رسمية أن تتبنى بيانا لجهة معادية لمصالح دولة شقيقة تمد يد المصالحة؟ هل الجزائر تعي مقومات الأعراف الديبلوماسية وكيفية الرد على مبادرات خارجية للتعاون وطي الخلاف؟ هل يسمح النظام الجزائري لنفسه أن يكون بوقا إعلاميا لكيان وهمي يعادي المصالح المغربية؟ ألا يعتبر البيان رسالة مبطنة لجهات بالنظام الجزائري برفضها للمبادرة ولفتح الحدود، خصوصا وأن موقعا تابعا لأحد جنرالات الجزائر مباشرة بعد الخطاب الملكي يطلب من المغرب الاعتذار الرسمي من الجزائر، ويقول إن الجزائر ليست بحاجة لفتح الحدود!! وبأن السياسة الخارجية الجزائرية ثابتة لا تتغير؛ وهي رسالة خطيرة توحي بأن النظام الجزائري مشتت ولا يعمل بمنطق المؤسسات ووحدة الرؤية، مما سيجعله في حرج أمام المنتظم الدولي وبشكل لا يراعي حقيقة الأزمة التي يعيشها الداخل الجزائري وبالأخطار التي تهدد اقتصاده وأمنه ووحدته..

وأخيرا من له المصلحة في الداخل الجزائري في عدم فتح الحدود بين البلدين وينتعش في المنطقة الرمادية، منطقة اللاتفاهم واللاحوار والفرقة؟

 

عمر مروك باحث ومحلل سياسي