الأحد 23 سبتمبر 2018
في الصميم

نفق تيشكا وحكومة العار!

نفق تيشكا وحكومة العار!

في سنوات الرصاص كان الجنوب الشرقي مجرد «مزبلة» تتخلص فيها الدولة من معارضيها المدنيين منهم والعسكريين، ولم تكن السلطات تنظر إلى أقاليم ورزازات وزاكورة وتنغير والراشيدية كمجالات ترابية زاخرة بالطاقات والإمكانات. كما لم تكن تنظر إلى سكان هذه الأقاليم بوصفهم مغاربة لهم حقوق مثلما عليهم واجبات. بل كانت تعتبرهم مجرد «خماسة» في الخدمات التي تتطلب الأشغال الشاقة في أوراش البناء والحفر والأفران أو «كسالة» في الحمامات الشعبية.

من هنا الفظاعات الكبرى التي ارتكبت بالجنوب الشرقي الذي تحول إلى مجرد معتقل رهيب (تازمامارت - أكدز - قلعة مكونة - تاكونيت وغيرها من السجون السرية).

ومع طي سنوات الجمر، كان الأمل أن يتصالح المغرب مع مجاله بالجنوب الشرقي عبر الإنصاف الترابي وعبر المساواة في الإنفاق العمومي بينه وبين كافة التراب الوطني. لكن للأسف، لم يتم سوى الإكثار من القيادات والعمالات لضبط السكان أكثر (عمالة تنغير اقتطعت من ورزازات بعد بتر زاكورة هي الأخرى من ورزازات وعمالة ميدلت جردت من الراشيدية) بدل الإكثار من المهندسين والأطباء والإكثار من الأوراش المدرة للدخل والمساعدة على إنعاش السياحة بهذا الشريط.

وهنا يطفو على السطح ملف نفق تيشكا الذي يعد أحد أهم الأوراش المهيكلة لهذه الأقاليم المنكوبة. فمنذ سنين والحكومات المتعاقبة ترفض إدراج إنجاز نفق تيشكا في الأجندة العمومية، لسبب بسيط يتجلى في أن الميزانية العامة لا توزع بمنطق إنصاف المجالات الهشة، بقدر ما توزع وفق مبدأ «للي مو في عرس ما يباتش بلا عشا». وبما أن هذه الأقاليم الأربعة لا تتوفر على لوبي سياسي واقتصادي قوي قادر على الضغط على السلطة المركزية لبرمجة هذا النفق فإن 1.345.671 نسمة (4 في المائة من سكان المغرب) كتب لهم أن يعيشوا في عزلة تامة عن باقي التراب الوطني، وهي العزلة التي تفاقمت منذ الفاجعة الكبرى التي أودت بحياة ركاب حافلة للنقل العمومي بممر تيشكا بشكل جعل الشركات ووكالات الأسفار تحجم عن المخاطرة في إرسال الوفود والسياح إلى الجنوب الشرقي خوفا من الهلاك في ممر تيشكا الكارثي.

وتزداد «الحكَرة» إيلاما، حين بادرت السلطة المركزية إلى تحويل الجنوب الشرقي إلى أكبر مضخة لإنتاج الطاقة الشمسية بالعالم ستوفر للمغرب 42 في المائة من حاجياته الطاقية عام 2020، أي بدل أن يكون هذا المشروع الضخم فأل خير للتصالح مع الجنوب الشرقي تحول هو الآخر إلى عنوان يكرس استمرار النظرة التحقيرية للحكومة لهذا الشريط.

لنترك الأرقام تتحدث:

أولا - إقليم ورزازات يمثل 2.7 في المائة من مساحة المغرب

ثانيا - إقليم زاكورة يمثل 3.2 في المائة من مساحة المغرب

ثالثا - إقليم تنغير يشكل 1.8 في المائة من المساحة الإجمالية للمغرب

رابعا - إقليم الراشيدية يشكل 8.4 في المائة من مساحة البلاد.

أي أن هذه الأقاليم الأربعة المعنية بملف نفق تيشكا تمثل 16.1 في المائة من مساحة المغرب ككل.

أليس عارا على الحكومة أن تترك 16 في المائة من تراب المغرب غير مرتبط ببنية طرقية آمنة؟ أليس من حق 4 في المائة من سكان المغرب أن يحظوا بالتفاتة جادة من الحكومة عبر الإعلان الرسمي عن مونطاج مالي ومؤسساتي لإخراج هذا الورش الكبير لحيز الوجود في أقرب وقت؟

ها هي طنجة تطوان كانت إلى حدود عام 2000 أفظع من حيث البنية الطرقية مقارنة مع الجنوب الشرقي، فإذا بالإرادة السياسية تحقق المعجزات، لدرجة أن محور طنجة تطوان يشكو حاليا تخمة في البنية الطرقية (أوطوروت + طرق سريعة + مدار ساحلي + تثنية المحاور الكبرى الرابطة بين المدن + قناطر + أنفاق).

فلماذا لا يتم إسعاد سكان ورزازات وتنغير وزاكورة والرشيدية هم الآخرين؟ قد يقول قائل إن نفق تيشكا سيكلف غلافا مهما (بين 6 و8 ملايير درهم)، وهذا قول واه ومردود، لأن سيادة الدولة لا تقاس بالمال، ولأن تلحيم الروابط بين الدولة والشعب لا يقاس بغلاف مالي.

ماذا تمثل 8 ملايير درهم لسكان أربعة أقاليم بالجنوب الشرقي للمملكة؟ إن المبلغ لا يتجاوز 5944 درهما لكل مواطن بورزازات وتنغير وزاكورة والراشيدية.

ألم تمنح الحكومة 7 ملايير درهم لوجدة لإنجاز أوطوروت فاس؟ ألم تخصص الحكومة 6 ملايير درهم لربط أكادير بمراكش عبر الأوطوروت؟ ألم ترصد الدولة 4 مليار درهم لربط مدينة الجبهة بتطوان عبر المدار الساحلي؟ ألم تخصص 4 ملايير درهم لتشبيك تطوان والمضيق وطنجة بالطرق السيارة والقناطر

المعلقة؟ ألم تبرمج الحكومة غلاف 8 ملايير درهم لتثنية الطريق بين تيزنيت والداخلة؟ ألم تضع السلطات 4 ملايير درهم لربط الحسيمة بتازة؟ ألم تنفق 6 ملايير درهم لإنجاز أوطوروت برشيد بني ملال؟

إذا كانت هذه المشاريع محمودة ومكسبا لكل المغاربة، فما المانع من تخصيص 6 أو 8 ملايير درهم لإنجاز نفق تيشكا؟ أليس سكان ورزازات وتنغير وزاكورة والراشيدية مغاربة مثلنا من واجب الحكومة أن تهيئ لنا سبل التواصل معهم، وتضمن لنا الحق في التنقل من وإلى المغرب الشرقي في بنية طرقية سريعة وآمنة؟!