السبت 25 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

أبو أيمن الفارح: دور جيوستراتيجي جديد وقيادة الأمن الدولي (1/2)

أبو أيمن الفارح: دور جيوستراتيجي جديد وقيادة الأمن الدولي (1/2) أبو أيمن الفارح
متابعة الأحداث ومحاولة سبر أغوار ما يحدث في العالم حول المغرب وبخصوص علاقاته الدولية والاهتمام المتزايد والمتعاظم به وبكل ما يصدر عنه ويتعلق به ، ليس أمرا سهلا، بالنظر لتشابك وتداخل جملة من المعطيات ، سواء ما تعلق بالأسباب أو بالأهداف الممتدة عبر التاريخ ، وعلى مستوى التفاعلات والتحولات والتغيرات التي يعرفها العالم في بناء نظامه العالمي الجديد ، أو بالأحرى تجديد نظامه العالمي بما يضمن ، مرة أخرى ،استمرار هيمنة القوى التقليدية ، التي يبدو إنها غير مستعدة وغير مقتنعة بأن قد آن الأوان لبدء مرحلة جديدة في العلاقات الدولية تأخذ بعين الاعتبار حقوق وطموحات مشروعة لأمم متجذرة في التاريخ، في اقتسام عادل للثروات ، أو على الأقل بشكل يلبي حاجياتها بما يسمح لها بضمان العيش الكريم لسكانها وحماية أمنها واستقرارها في إطار تنمية مستدامة تراعي كل خصوصية .
من هذه المعطيات والمنطلقات الرئيسة يجد المغرب نفسه في وضع - تحت المراقبة- هذا المغرب الرجل المريض الذي يخضع منذ سنوات لحميات ووصفات علاجية وإجراءات تقويمية هيكلية من مختلف المؤسسات الاقتصادية والمالية والسياسية والحقوقية ، يجد نفسه مثل جسم نجح في اكتساب نوع من المناعة الذاتية وأصبح قادرا على إفراز مضادات تمكنه من مجابهة وعلاج كثير من الأمراض وتسكين آلام مبرحة لأخرى ، إلى حين .
في الماضي القريب، نجحت القوى الاستعمارية والامبريالية في إخضاع المغرب " بلد المحاربين وبناة الممالك الكبار" كما يعرفه الغرب، وتم وضعه تحت نظام الحماية كعلاج للوضع العام المتدهور للبلاد ، سياسيا واقتصاديا وأمنيا ، تجسد هذا الأخير حالة "السيبة" التي سادت في العديد من المناطق بشكل أبان عن ضعف المخزن وعجزه عن احتواء الوضع .
هذه السيبة كانت بإيعاز ودعم غير خاف من الأجنبي، وظف فيها كل الإمكانيات المتاحة واستغل ضعاف بعض النفوس من زعماء قبليين محليين يطمحون لمزيد من الجاه والثروة والسلطة ورجال دين .
سيبة الأمس لا تختلف عما يسمى اليوم ب " الربيع العربي " بوجود الفارق طبعا، المتمثل بدرجة أولى في الثورة الرقمية ودور الإعلام الحاسم، اليوم، في تنفيذ المخططات وتوظيف "مبادئ الحريات وحقوق الإنسان " بشكل غير برئ ، إطلاقا .
الدين الذي وظف بالأمس من خلال الزوايا ، هو نفسه اليوم المحرك الرئيسي وعصب الحراك . لقد انكشفت الحقائق والنوايا والأهداف في البلدان التي أتى عليها هذا الفصل الفريد ليحولها لصحراء قاحلة من الحريات ومن الحقوق ومن النماء والرخاء الموعود .
يصعب غلى العقل السوي استيعاب وفهم الخلطة العجيبة بين مكونات يسارية ويمينية متطرفة ودينية ، التي نجحت الجهات الأجنبية المخططة، في تكوينها وجعلها تتفق على " الشعب يريد إسقاط النظام" هذا الشعار الحماسي الثوري في ظاهره والذي ليس سوى سلاح دمار شامل للسلم والأمن والحرية ومن أجل هدم الدولة .
المغرب له خصوصياته التي تجعل منه هدفا صعب المنال، ولم تنجح كل المناورات في فتح ثغرة في سوره المنيع من قبل أفراد و وحدات وفصائل معزولة عن الشعب ، غريبة عن واقع البلاد ، لا تنقصها الوطنية ، أبدا ، لكنها تعيش مرحلة إحباط ومراهقة سياسية ، عرفت بعض الجهات كيف توظفها من أجل بث الشك والريبة في النفوس من مسألة قدرة النظام الحاكم على إخراج مشروع مجتمعي متكامل قادر على تلبية طموحات الشعب ومطالبه المشروعة في الحق في العيش الكريم وفي احترام الحريات وحقوق الإنسان .
لقد أغرت الحركات التسخينية واستعراضات القوة في الشارع في مناسبات عديدة وفي بعض الجامعات لبعض التيارات السلفية الدينية وأخرى متطرفة، أغرت بعض الحالمين بمشروع دولة إسلامية سلفية، بإخفاء سيوفهم تحت جلابيبهم وعباءاتهم والنفخ في نار الفتنة من مسافة آمنة ومراقبة الوضع عن قرب لحين انبلاج الصبح والانقضاض على السلطة، ووجدها يسراويون حاقدون وفصائل يسارية فرصة لتصفية الحساب مع النظام وركوب موجة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتغيير متوسلين دعم الغرب ومساندته . هذا الأخير يدرك جيدا صعوبة المهمة في المغرب لكنها ليست مستحيلة في الوقت الراهن وليس له من الضمانات ما يكفي لحماية مصالحه بالشكل الذي يتم في ظل الوضع الحالي .
خلافا لما يعتقد الكثيرون بأن الإسلاميين المعتدلين والأحزاب الوطنية كان لهم دور مهم في وأد الثورة الموعودة وإفشال الحراك وكذلك موقف المؤسسة الملكية المتجاوب مع مطالب الحراك والذي تمثل بالأساس في الخطاب الملكي ، بالمناسبة ، والذي اعتبر بمثابة سحب للبساط من تحت ألأقدام ، أعتقد بأن المؤسسات الأمنية للبلاد وعلى رأسها الجيش هي التي تجعل ، السلطات العليا ، بشكل أو بآخر، تتخذ القرارات في طمأنينة تامة ، بعيدا عن أي ضغط . القوات المسلحة الملكية معترف لها بالمهنية والكفاءة والوطنية وتحظى بالتقدير الكبير والاحترام من قبل كل فئات الشعب وتعتبر صمام الأمان والدرع الحامي للوطن ولمؤسساته .
- في تونس حث الجيش الرئيس على مغادرة البلاد بدون إراقة دماء
-في مصر انسحب الأمن من الشارع وتدخل الجيش كذلك بالشكل الذي نعرف لاحتواء الحراك
-في ليبيا ، يمكن اعتبار غياب جيش مهني محترف ومؤسسة أمنية وطنية عاملا رئيسيا في سقوط نظام الحكم وقتل الرئيس بتلك الطريقة المهينة المقززة
-في الجزائر لازال الجيش المعزول عن الشعب صامدا، لكن بوادر الانهيار بدأت تلوح في الأفق، تتجلى في محاكمة بعض كبار قادة الجيش لأسباب وبتهم مختلفة وفرار آخرين إلى خارج الوطن، وقد تعجل مطالب الانفصال في الجنوب والشمال بالتغيير الذي ينتظره الشعب الجزائري وشعوب المنطقة.
يمكن اعتبار القوات المسلحة الملكية بمثابة الأب الروحي لجهاز الأمن والاستخبارات المغربي ، تحت إسم " المديرية العامة للدراسات والمستندات " معروفة اختصارا ب "لادجيد" تأسست سنة 1973 ، بعد تعدد المحاولات الانقلابية العسكرية الفاشلة المعزولة وبعد أن تبين ضلوع جهات أجنبية في التخطيط لها وبالتالي أصبح من الضروري العمل على حماية أمن واستقرار البلاد ونظامه ومؤسساته بإنشاء مؤسسة أمنية استخباراتية جديرة بالثقة ، تربع على عرشها الجنرال القوي أحمد الدليمي زهاء 10 سنوات ليخلفه الجنرال القادري لما يظيد عن 17 سنة ، ثم الجنرال أحمد الحرشي . في سنة 2005 ستنتقل مفاتيح قيادة " لادجيد" إلى السيد ياسين المنصوري ، الرجل المدني وهو ما تم اعتباره تحولا وبداية مرحلة جديدة في تاريخ العمل الأمني والاستخباراتي بالنسبة للمغرب ، تغير فرضته التحولات التي تشهدها البلاد في عهدها الجديد تحت قيادة الملك محمد السادس وتفرضه ، كذلك ، التحولات والتغيرات التي يعرفها العالم والتي تتطلب سياسة أمنية جديدة تدعم وتكمل نهج الحكم الجديد وتوجهاته وقادرة على مواجهة التحديات التي تعرفها البلاد ، داخليا وخارجيا ، وعلى وجه الخصوص ، على مستوى الخطر الكبير الذي بات يشكله الإرهاب الدولي على امن واستقرار البلاد والمنطقة وكل العالم . ستعمل المؤسسة الأمنية المغربية على تطوير نفسها ، شيئا فشيئا والتخلص من التبعية للجهات الخارجية ، فرنسا على وجه الخصوص ، وتكوين أطر وصلت مستويات عالية من الكفاءة والقدرة على تدبير الشأن الأمني داخليا وعالميا ، تنافس وتتفوق على مؤسسات دول توصف بالعظمى.