الاثنين 27 سبتمبر 2021
كتاب الرأي

حيون: لا نجاح لنموذج تنموي دون  تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة

حيون: لا نجاح لنموذج تنموي دون  تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة نور الدين السعيدي حيون 
يعتبر المغر ب من الدول، التي قامت بدسترة ربط المسؤولية بالمحاسبة في علاقة هذا المبدأ بالحكامة الجيدة، واعتباره ركيزة من ركائز نظامها الدستوري. 
وقد جاءت هذه الدسترة في سياق تاريخي واجتماعي حافل بالمتغيرات الوطنية، والإقليمية التي جعلت المشرع الدستوري يقتنع بضرورة اعتباره مدخلا من مداخل الإصلاح.
و إذاكانت الحكامة ترتبط بتدبير أمور الناس في معاشهم ومعاملاتهم وتعاملاتهم فيما بينهم أو مع السلطة الحاكمة، وفق تدبير عقلاني ورشيد ومسؤول، فهي ترتكز على مجموعة من المبادئ مثل:
 
* النز اهة: تعتبر منظومة القواعد والقيم المؤطرة للمسؤولية للحفاظ على الموارد والممتمكات العامة واستخدامها بكفاءة.
* الشفافية: كمدخل أساسي لتوفير المعلومات الدقيقة في وقتها وإتاحة الفرص للجميع للإطلاع عليها ونشرها. 
* التضامنية: كالتزام جماعي يضمن توسيع دائرة مشاركة المجتمع بجميع فعالياتهم في تحضير وتنفيذ السياسات العمومية؛
* المساءلة: حيث يتم ربطها بالمسؤولية وإعطاء الحساب لضمان التدبير الأمثل للموارد. 
- تفعيل الفقرة الثانية من الفصل الأول من دستور المملكة مدخل أساسي للحكامة الجيدة:
جاء في الفقرة الثانية من الفصل 1 من الستور المغربي لسنة 2011 أن :
" نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية. يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة ". 
تعني هذه الفقرة الدستورية، أنه لابد من ربط المسؤولية بالمحاسبة، أي عدم إفلات المسؤول عن تدبير الشأن العام من المحاسبة، ومن ثم القطع مع كل أوجه الفساد في المرفق العمومي، مع الاحترام التام لقرينة البراءة.. فكل من ثبت في حقه التورط أو التقصير أو الإخلال.. يجب محاسبته، باعتماد تقارير وخلاصات وأحكام المؤسسات الدستورية ذات الاختصاص..
كما تم التأكيد من طرف المشرع المغربي على مبدأ الصدقية من خلال الفصل 27 من الدستور الذي جاء فيه: " للمواطنين والمواطنات الحق في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام ..."، ورغم أن هذا النص ينص صراحة على تمكين البرلمان من المعلومة، إلا أن البرلمان هو الممثل الشرعي للمواطن، فضمنيا فحوى النص توحي بحق البرلمان في الحصول عليها. وينص الفصل 77 على مبدأ توازن الميزانية الذي هو مسؤولية تضامنية بين جميع الفاعلين حيث جاء فيه: " يسهر البرلمان والحكومة على الحفاظ على توازن مالية الدولة . وللحكومة أن ترفض، بعد بيان الأسباب ، المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة لقانون المالية إلى تخفيض الموارد العمومية، أو إلى إحداث تكليف عمومي، أو الزيادة في تكليف موجود". 
  
أما في الفصل 94 من الدستور فقد نص على أن أعضاء الحكومة مسؤولون جنائيا أمام محاكم المملكة، عما يرتكبون من جنايات وجنح أثناء ممارستيم لمهامهم ويحدد القانون المسطرة المتعلقة بهذه المسؤولية.
ويلاحظ من خلال الفصول الوارد ذكرها أعلاه أن هناك تلازم بين الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث تشكل هذه الأخيرة معيارا من معايير الحكامة الجيدة وهذا ما تبناه الدستور المغربي في العديد من الفصول، حيث أين ما وجدت الحكامة يوجد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة فهما متلازمان ووجهان لعملة واحدة.
- الشروط والضمانات للتطبيق السليم لمبدأ المسؤولية بالمحاسبة: 
 على السلطة التنفيذية والمؤسسات ذات الصلة، العمل على تحصين المكتسبات المحققة ديمقراطيا؛ صحيح أن هناك إعفاءات وإقالات همت مسؤولين كبار، كانوا مسؤولين عن تأخر أوراش تنموية، وعن سوء تدبير مشاريع كبرى، لكن كل هذا يظل محدودا في مصدره، وزمكانيا، والمطلوب أن يصبح ذلك المدخل الأساس للاستقرار الاجتماعي وترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية، لتفادي توالي الاحتجاجات الاجتماعية في الشارع العام وعبر مواقع التواصل الاجتماعي..
 فلا نجاح لبناء أو تنزيل أي نموذج تنموي مأمول أو أي سياسة عمومية، دون تفعيل النص الدستوري المرجعي للمسؤولية والمحاسبة، وتنفيذ التوجيهات الملكية حين قال: (أشدد على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور، التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، لقد حان الوقت لتفعيل الكامل لهذا المبدأ). فهذا المبدأ يجب أن يكون من بين أولى الأولويات (الديمقراطية، الحكامة، فصل السلط..)، وذلك بترسيخ السلوك الديمقراطي في تقويم وتقييم حصيلة المسؤولين عن الشأن العام، باعتماد معادلة الأهداف بالنتائج. 
المسؤولية ليست امتيازات خاصة، والارتكان إلى حصانة النفوذ السياسي للهروب من المحاسبة والمساءلة على ما يتخذه المسؤول من قرارات وما يقوم به من تدابير..
كما أنه لا يمكن اعتبار المحاسبة الإدارية مشرعة لترهيب أو تقويم الرؤوس، بل الجميع مساءل قانونيا وإداريا وثقنيا وسياسيا وأخلاقيا..
ولتحصين المسؤول وضمان شفافية المسؤولية يجب القطع مع التعليمات الشفوية والضغط بالحرمان من الامتيازات والتعويضات التي يخولها تولي المسؤولية..
لتجويد الأداء والارتقاء بخدمات المرفق العام لابد من التحفيز المادي و المعنوي المعقول، والقطع مع الريع السياسي والاقتصادي وكل أشكال الرشوة والفساد..، مع ضرورة تسريع وثيرة إصلاح ورش العدالة والرفع من جرعة الشجاعة السياسية والزيادة في منسوب الجرأة ومستوى الإرادة السياسية لتفعيل مبدأ المسؤولية مع المحاسبة، فالربط بينهما دستوريا وسياسيا وقانونيا وإداريا وأخلاقيا في إطار من الرؤية الواضحة البعيدة عن الشعارات الرنانة، والمساكنات الخطابية.. 
العمل بكل سرعة ممكنة على تطوير المنظومة التشريعية لتحصين الحقوق والواجبات؛  وتأهيل الموارد البشرية والارتقاء بمستواه الاجتماعي والمعيشي..، إلى جانب تجديد المنظومة الإدارية وتبسيط المساطر التدبيرية وتحسين علاقة الإدارة بالمواطن عامة والمرتفق خاصة، وجعل المرفق العام أكثر قربا..؛ 
 كل هذا يعد ضمانة ناجعة لبناء وتطبيق نموذج تنموي ناجح، لاعتماده المسؤولية المشتركة وعلاقة المحاسبة العادلة القائمة بينهما؛ فمبدأ المسؤولية بالمحاسبة مدخل أساس لأي نموذج تنموي يسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية وترسيخ العدالية المجالية في ظل الحكامة الجيدة. 
وفي هذا الإطار أكد المجلس الأعلى للسلطة القضائية مؤخرا على حرصه الشديد والجاد على تفعيل مبادئ الحكامة الجيدة وأسس المنهج التشاركي في تدبير القضايا العامة وقيم المسؤولية والمحاسبة، وجسد هذا الحرص في تخصيص حيز مهم من أشغال المجلس لمناقشة ملفات تأديبية تهم قضاة أخلوا بواجباتهم والقسم الذي أدوه لله والوطن والملك، بمقاربة موضوعية جادة تحرص على التأطير والتوجيه والتقييم، وتوفير كل الضمانات القانونية وتفعيل جميع الضوابط الدستورية والقانونية ومبادئ مدونة الضوابط الأخلاق للقضائية، تكريسا للثقة والشفافية والتخليق. وتقييم مساهمه في تدبير بعض القضايا التي تهم السياسات العمومية.
وتعتمد مؤشرات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة على المستوى العملي مجموعة من المؤشرات التي يمكن إجمالها في الهيئات الوطنية المرتبطة بمراقبة حسن تفعيل المبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة أصبح ساري المفعول، وحيث أن إنشائها يعتبر ترجمة صادقة للمتحوى الذي يتحمله مختلف الفاعلين في المجال العمومي، ونذكر:
1 -الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب؛
2 -الهيئة الوطنية لمنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها. 
ولتحقيق فعالية المراقبة ومصداقيتعا يتم اعتماد هذه المؤسسات الرقابية الدستورية المؤشرات التالية المتعلقة بمبدأي الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة معا :
1. مؤشر الرشوة؛
2. مؤشر الحق في الحصول على المعلومة؛ 
3. مؤشر نزع الصفة المادية. 
كامتداد لجل هاته المقتضيات والمؤشرات تم تفعيل نظام معموماتي خاص يطلق عليه اسم: recettes des intégré gestion" GIR"
وتتمثل خصائص هذا النظام في تبسيط المساطر الإدارية بدل المساطر البطيئة لإدارة الموارد. ويتميز هذا البرنامج بعدة وظائف نذكر من بينها:
1- تسجيل جميع الديون المحتملة وغير المحتملة؛
2- تدبير استخلاص الموارد عن طريق الوكالة؛
3- تدبير الانذارات التي توجه للملزمين وتدبير الاشعارات للأغيار الحائزين وتدبير الودائع سواء كانت ضرائب مستخلصة أو فائض ناتج الأداء؛
3- يباشر تحويلات الحسابات عن طريق العمليات المنزوعة لمصفة المادية.
 
تعتبر الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة نسق أو بنية متكاملة للأوضاع والفعاليات والفاعلين، الغرض منها وضع مسلسل متماسك وفعال ذي مصداقية لطرح التصرفات والأعمال والإنجازات ذات الصلة بالمال العام رهن إشارة من لهم القدرة على فحصها وتقييمها والحكم على مدى صحتها ودقتها وجودتها، و تتلوا هذه المسألة أي وضع المسؤولين المخلين بواجباتهم أمام عواقب أفعالهم، بمعنى ضرورة تقديمهم التوضيحات اللازمة لجميع الأطراف بمن فيهم المواطنين حول كيفية استخدام صلاحياتهم وتصريف واجباتهم، والأخذ بالانتقادات التي توجه لهم وقبول المسؤولية عن الفشل وعدم الكفاءة وعدم الإفلات من العقاب عن الرشوة، والغش، والنصب، والتزوير، والفساد بكل أنواعه وأشكاله ومبرراته.