الأحد 25 يوليو 2021
سياسة

قراءة في تصويت منير الساطوري في البرلمان الأوروبي

قراءة في تصويت منير الساطوري  في البرلمان الأوروبي منير الساطوري

السياسة التزام، وهذا من مبادئ الانخراط في أي تنظيم حزبي.. فهل أخطأ منير الساطوري، المغربي الأصل والفرنسي الجنسية، عندما صوت ضد المغرب في القرار الأخير للبرلمان الأوربي بشأن قضية هجرة القاصرين نحو سبتة المحتلة؟ 

منير الساطوري (46 سنة)، هو واحد من قيادات الشبيبة الاتحادية، حيث انخرط في حزب عبد الرحيم بوعبيد في سن مبكرة، تعرض خلالها للاعتقال في مارس 1992، وهو يقود حركة تلاميذية مع مجموعة من زملائه بثانوية الحسن الثاني بآسفي، قبل أن يقرر فيما بعد الاستقرار بفرنسا. ولأن الروح اليسارية بمبادئها المرتبطة بالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، ظلت هاجسا لدى منير المسفيوي، ومن أحياء آسفي واصل الساطوري، نضاله في الأحياء الفقيرة بفرنسا، وهو لم يبلغ العشرين سنة.. لم يفكر طويلا ليقرر الالتحاق بحزب اليسار الأخضر الفرنسي، قادما من حزب القوات الشعبية المغربي. وبسرعة اندمج وسط الحزب الأخضر وفرض وجوده وسط كبار مناضلي الحزب وقياداته، خول له الحصول على صفة مستشار في جهة "إيل دو فرانس". كما عرف لدى الرأي العام الفرنسي والأوروبي، بالمستشار المناضل ميدانيا وتنظيريا، ليظفر بمقعد في البرلمان الأوروبي، بل هو رئيس الحملة الرئاسية لحزبه، ويقود تيارا واسعا داخل الخضر الفرنسي وفي عموم أوروبا.

 

منير الساطوري، ليس وليد يوم اتخاذ االبرلمان الأوروبي قرار إدانة المغرب بخصوص قضية هجرة القاصرين لسبتة المحتلة، بل إن قضايا المغرب لم تغب عن تفكيره، فهو ليس من صنف "الحاركَين" لأوروبا والحاقدين على بلدهم، ممن فشلوا في تدبير ملفاتهم المهنية في المغرب، ليتحولوا بين عشية وضحاها لـ "معارضين" يوهمون أنفسهم قبل غيرهم أنه "مضطهدون وضحايا، يعطون الدروس" من باريس أو بروكسيل أو أمستردام، الساطوري ليس من هؤلاء.. 

فعندما هاجر الساطوري إلى فرنسا، كان ذلك بسنوات قبل تعرضه للاعتقال إثر إضراب شنه رفقة زملائه في الدراسة، هاجر لفرنسا لأسباب أسرية، حيث كان والده يعيش في فرنسا، ومع ذلك ظل مرتبطا بقضايا بلده الأصلي، وكانت له مواقف إيجابية في العديد من المحطات. وإن لم يستطع التصدي لقرارات ضد المغرب، فهو على الأقل كان يضع زملاءه في البرلمان الأوربي في السياق العام، مما يجعل تلك القرارات تكون من الليونة أقرب منها إلى التنديد.. هذا مع العلم بالضرورة أن الساطوري عضو في حزب يعد الأكثر الأحزاب الأوربية عداء للمغرب، ومع ذلك كان يدافع بذكاء عن المغرب. ويشهد له تاريخه النضالي بمواقف إيجابية، آخرها مقاله المنشور في الموقع الرسمي لحزب الخضر حول استقبال إسبانيا للمدعو ابراهيم غالي زعيم جبهة البوليساريو، والذي عنونه بـ "غالي غيت"، يتحدث فيه عن "لا وجود لأي مبرر للإفلات من العقاب". وهو ما جر عليه انتقادات واسعة، خصوصا من إسبانيا. لكن هامش حرية التعبير يسمح له بإبداء آرائه ومواقفه من كل القضايا المطروحة للنقاش. بالمقابل كان ملتزما بقرار حزبه خلال عملية التصويت يوم الخميس 10 يونيو 2021. وحتى لو صوت منير الساطوري لصالح المغرب، فإن ذلك لن يشكل ترجيحا لكفة الرباط، مادام أن الفارق كان كبيرا بين الطرفين (397 صوتا مقابل 85 صوتا)، مع العلم بأن جزء كبيرا من المصوتين ضد المغرب لا يعني بالضرورة أنهم يتماهون أو يتفقون مع الرواية الإسبانية بشأن استقبال إسبانيا لمجرم الحرب ابراهيم غالي..

مراقبون اعتبروا ردود الفعل كانت متسرعة، في غياب العديد من المعطيات التي شهدتها كواليس البرلمان الأوروبي، ومنها أن مشروع القرار الأول الذي قدمه النواب الإسبان وساندهم فيه آخرون، كان يتوخى بالأساس إدانة المغرب، واستغلال ما حصل في سبتة المحتلة للنيل من المغرب، وضرب علاقته بالاتحاد الأوروبي، وهنا تدخلت فرق أخرى، ومنها الخضر التي رفضت إدانة المغرب، واقترحت عوض الإدانة، التعبير عن الأسف. وبعد أخذ ورد ونقاشات مطولة تم التوصل إلى تعبير "رفض" الذي لم يرق للإسبان الذين كان يسعون بأي شكل من الأشكال لإدانة المغرب، كما سبقت الإشارة.

أدخلت تعديلات أخرى على المشروع، تؤكد على أهمية العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وتحيي قرار السلطات المغربية إعادة القاصرين.

النص النهائي الذي تم التوصل إليه بعد مفاوضات طويلة، وكان منير مشاركا فيها، لم يرق للعديدين، الذين كانوا يريدون إدانة المغرب، وصوتوا بالتالي ضده، منهم نواب حزب فوكس اليميني المتطرف، ونواب حزب ميلونشون، الذين كانوا تقدموا بمشروع يهاجم المغرب ويدعم انفصاليي البوليساريو، ويطالب بإجراء استفتاء والاعتراف بالجمهورية الوهمية، ومنهم النائبة التونسية التي حيا العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي موقفها في حين أنها من أشد أعداء القضية الوطنية، وهي صوتت ضد القرار لأنها كانت تريد إدانة المغرب والاعتراف بجمهورية الوهم،بدليل أنها سبق وتقدمت في نونبر 2020 رفقة 16 نائبا برلمانيا اوربيا بطلب يدعو إلى إجراء استفتاء "لتقرير المصيربالصحراء"(وهو الطلب الذي احتفلت به آنذاك وكالة الأنباء التابعة للبوليساريو)، وهو ما يؤكد أن التسرع دون تمحيص يوقع المرء في أحكام لا تعكس الواقع، وتجعل من العدو صديقا ومن الصادق عدوا، كما كتب أحد العارفين بخبايا الأمور.

مراقبون اعتبروا كذلك ردود الفعل على موقف الساطوري، غلبت عليها العاطفة، بل كانت حكما مختلا بميزان المشهد الحزبي المغربي، عندما تضع الحكومة التي يترأسها حزب العدالة والتنمية مشاريع القوانين ويرفضها فريقها البرلماني أو ينقسم بخصوصها، في تجل واضح لعبثية المشهد الحزبي بالمغرب، وهذا أمر غير حاصل في الديمقراطيات الأوروبية العريقة، التي يعد فيها اليسار يسارا والوسط وسطا واليمين يمينا، وللجميع أن يعبر عن رأيه ومواقفه، لكن عند التصويت في الصندوق فإن الالتزام الحزبي هو المحدد الرئيس، خصوصا أن هذا الفريق تفاوض على القرار الذي تجنب إدانة المغرب، كما سبقت الإشارة، وبالتالي حسب متتبعين، جاء تصويته عليه، وليس كما في المغرب، "رجل في الحكومة ورجل في المعارضة، أو الاشتغال في الحكومة والأغلبية طيلة الأسبوع والانتقال إلى المعارضة في الويكاند"، كما يطبق ذلك ساسة البيجيدي عندنا!!