الثلاثاء 21 سبتمبر 2021
فن وثقافة

الشيخ اَلسِي أَحْمَدْ وَلْدْ قَدٌورْ صوت الشاوية الذي أطرب الجمهور وأجاد العزف والغناء

الشيخ اَلسِي أَحْمَدْ وَلْدْ قَدٌورْ صوت الشاوية الذي أطرب الجمهور وأجاد العزف والغناء أحمد وَلْدْ قَدٌورْ

في حلقة سابقة من حلقات البرنامج المتميز "صُنًاعْ اَلْفُرْجَةْ" المتخصص في النبش في ذاكرة ومسار قامات تراث الفنون الشعبية عموما وغناء فن العيطة المغربية خاصة، استضاف ذات البرنامج الهرم الشيخ "لَوْتَيْرِي" السي أحمد وَلْدْ قَدٌورْ سليل أرض الشاوية المجاهدة، وكانت الحلقة مرجعا مهما للوقوف على البعض من سيرته الفنية، حيث استحضرهذا الرجل/الفنان الاستثنائي والفريد من نوعهإسم كل من الشيخ "اَلْحُسَيْنْاَلْخْرِيبْـِــي" والشيخ "مْبَارَكْاَلْخَلْفِي" ومجموعة الثلاثي "عْلِي وُعْلِي وُاَلْحَطًابْ" كمرجع لاسترجاع زمن المدارس الأصيلة في صناعة الفرجة والإبداع على اعتبار أنهم من "سَقْوَةْ" فنون الغناء والموسيقى الشعبية الذين أتحفوا ساكنة منقطة الشاوية والجمهور المغربي .

شيخ الصوت الخفيض، الرخيم، مقابل الصوت الحاد واَلصًرِيرِي المرتفع اَلنًاحِبْ.

ترعرع الشيخ السي أحمد وَلْدْ قَدٌورْ في كنف والده بعد أن ذاق من كأس ألم فراق حضن الأم التي توفيت وهو مازال لم يتجاوز بالكاد سنتين ونصف من عمره، و عاش يتيما مع زوجات والده : "عَشْتْ مْعَ عْيَالَاتْبًا"يقول الشيخ وَلْدْ قَدٌورْ. أما حليب والدته الذي رضعه من ثديها النقي والطاهر، ورائحة حضنها الدافئ رحمة الله عليها عوضتهما ـ حسب قوله ـ عاطفة الأب الذي تشبث بتلابيب جلبابه أينما حل وارتحل "وَلِيتْرَايْمْ اَلْوَلِيدْ" يوضح وَلْدْ قَدٌورْ.

من الصور العالقة بذهن الرجل تلك المرتبطةبذاكرة فقدان الأم في زمن الإستعمار الفرنسي حيث يقول: "كان يغالبني النوم في إنتظار تقديم وجبة العشاء المتأخرة، وكان الوالد يتحايل عَلَيً ويستدرجني إلى جانبه حتى لا أستسلم للنوم، حيث كان يروي على مسامعي بأسلوبه المشوق والمؤنس بعض القصص والحكايات الجميلة، فَحَبًبَ إِلَيً حكاية قصيدة (لَغْزَالْ) التي سمعتها منه مرارا وتكرارا".

بين حقول الشاوية ومروجها الخضراء وبين السهول الزراعية الخصبة والأٍراضي المنبسطة بمنطقة بن أحمد وسيدي حجاج اشتد عود الطفل اليتيم وَلْدْ قَدٌورْ الذي لَقًحَتْهُ دروس الحياة الصعبة والطبيعة الخلابة خلال سنوات الثلاثينيات والأربعينيات، واحتك بنمط العيش البدوي وقساوته وتشبع بالثقافة الشعبية وعادات وتقاليد المنطقة، حاملا جرح فراق الأم التي كانت روحها تحرسه وترافقه، واختار أن يترجم نبوغه وموهبته الفنية مبكرا، بعد أن وجد ضالته في أنغام و ترانيم "آلَةْ لَوْتَارْ" البدائية الصنع "اَلطًارُو".

 كان يقتنص اللحظة الجميلة ـ حسب قوله ـ وهو يتربص بآلة "اَلطًارُو" كلما وجد الفرصة سانحة ليبدع عزفا على أوتارها، فتسلل سحر وعشق الموسيقى والطرب إلى قلبه الصغير، فكانت بداية المشوار من مسقط رأسه بقبيلة بني يمان بجماعة سيد الذهبي التابعة لدائرة بن أحمد .

سفره إلى مدينة الدار البيضاء في شبابه مكنته من ولوج صنعة العزف على آلة لوتار من بابها الواسع، بعد أن شيد جسر التواصل مع مجموعة "لَمًةْ اَلْحَجًامَةْ" ، واقترب من محيطهم الفني وألف التردد على مجالسهم الفنية، ومنحوه فرصة العزف على آلة لوتار حيث برزت موهبته الربانية وحسه الفني بشكل لافت عزفا وأداء، مما مكنه من إتحاف عائلات أصدقائه "اَلْحَجًامَةْ" وتقديم عروضه الفنية خلال مناسباتهم العائلية بالدار البيضاء.

يعتبر السي أحمد ولد قدور من الشيوخ الكبار الذين ساهموا بشكل وافر و أسسوا فعلا لنمط "اَلْعَيْطَةْاَلزًعْرِيًةْ" التي سلبته بمواضيعها وصورها الجمالية، والتي تناولت تيمة البيئة الفلاحية والزراعية والرعوية الخصبة، وتغنت بمحاسن وجمال المرأة والغرام، ومجدت الخيل والفرسان، وتحدثت عن كرم وشجاعة القبيلة، وسكنته بفعل قوة نظمهاالتحريضي والحماسيوالثوري، على اعتبار أنها تخلد لشجاعة وحماس المقاومة ضد المستعمر.

الشيخ وَلْدْ قَدُورْ تميز بصناعة آلته الوترية بنفسه، وكان أول من أتقن وتفنن في العزف على آلة لوتار بأُصْبُعِهِ (اَلضْفَرْ) حتى لا يجعل الوسيط بين أحاسيسه وبين آلة لوتار (اَلصًدْعَةْ)، مما جعله موضوع نقاش واستغراب في الأوساط الفينة الشعبية خلال تلك الفترة بعد عودته لمسقط رأسه سنة 1960.

 لقد كانت للرجل قدرة عالية على العزف والغناء بمفرده أمام الجمهور، وأضاف تحسينات فنية على عدة أنماط غنائية شعبية مثل "سَاكَنْ اَلْعَلْوَةْ" و "اَلْحَبْاَلزًعْرِي" و "غِنَاءْ اَلْمَرْسْ"....وتميز وَلْدْ قَدٌورْ بموهبة وقدرة عالية على الإرتجال في الغناء وإبداع كلام ونظم له معنى يعالج مختلف المواضيع الإجتماعية.

داع سيط الشيخ السي أحمد وَلْدْ قَدُورْ عبر مختلف ربوع المملكة فكان ضيفا عزيزا محاطا بالعناية والتقدير رفقة آلة لوتار التي يتأبطها تحت جلبابه، ولم يتنكر لرابط الدار البيضاء كمعبر نحو النجومية بعد أن احتضنته أرض الشاوية المجاهدة، وتمددت علاقاته الفنية مع كبار الشيوخ في مدن الرباط وسلا وخريبكة وسطات ومراكش وأسفي وغيرها، ووطدت المناسبات والحفلات والمواسم والمهرجانات علاقة الحب بينه وبين الجمهور المغربي الذي سمع عن الشيخ وَلْدْ قَدٌورْ قبل أن يلتقيه ويشاهده مُمْتَطِيا صهوة لوتار.

إن الشيخ وَلْدْ قَدٌورِ قد تميز بأداء ساحر، بعد أن وهبه الله أحبالا صوتية هائلة ونفسا طويلا،وتمكن في غنائه من استعمالصوته الخفيض، الرخيم، مقابل الصوت الحاد واَلصًرِيرِيالمرتفع اَلنًاحِبْ، دون أن يسقط في الوسط المعتدل، وكان يُسَوِي أوتار آلته الوترية بدرجةحادة وعالية، والتي تسمى بلغة الشيوخ بـ "مْسَاوْيَةْقَانْشَةْ".

لقد عُرِفَ وَلْدْ قَدٌورْ بعلو كعبه في أداء قصيدة "لَغْزَالْ" التي لم يجرأ أي شيخ على أدائها بطريقته، ويشهد له الجميع على إتقانه وتفرده في "سَاكَنْ اَلْعَلْوَةْ" وداع سيطه من خلال الإبداع في إنتاج "اَلْحَبْاَلزًعْرِي" الذي تناول في شذراته مختلف المواضيع الاجتماعية.