الثلاثاء 28 سبتمبر 2021
فن وثقافة

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (29)

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (29) مشهد من حفل الزفاف
كانت القاعة تغص بالمدعوين، معظمهم من القبارصة اليونانيين. انتحى "دي جي" مايكل جانبا من القاعة بجهاز ستيريو ضخم من نوع هيتاشي لتنشيط الحفل البهيج، أسطوانات الموسيقى مرتبة فوق منضدة زجاجية كرتل سيارات مركونة. صورة "دميس رسوس" بجثته الضخمة ولحيته الكثة تطل من علبة أسطوانة، أوحت لي وكأنه الزجال سيدي عبد الرحمان المجدوب، كان واقفا مسندا ظهره إلى شجرة كرز باسقة، بقميص طويل مزركش وشعر أسود مسدول على كتفيه، لا أدري لماذا خمنت دوما أنه فنان عربي مرح ذو بطن متخمة.
جلسنا حول مائدتنا البهية بجانب حلبة الرقص، وقد انتصب خلفنا عمود مرمري عريض يحجب رؤية جزء منها. بث مايكل عبر جهازه أغنية "دميس رسوس" الشهيرة "فار أواي"، أخذ صوت "دميس" الجهوري يصدح بقوة في الفضاء، دعتني سوزان لأراقصها فوق حلبة تشع بأضواء بنفسجية. صرنا نتمايل على نغمات الأغنية الرائعة ذات الإيقاع المشرقي. لحظتها شرع الرواد يتقاطرون بكثافة على الحلبة. وقعت عيناي على شابة فاتنة بقوام رشيق وشعر أسود لامع ترقص قبالتي، رفعت عينيها العسليتين تجاهي وقد لاحت على شفتيها ابتسامة تخطف القلوب، رددت عليها بابتسامة دافئة لم تكن بريئة. حين رمقتني سوزان استدارت إلى الخلف فألفت الشابة تتمايل في دلال وغنج. أضحت الشابة تقترب رويدا رويدا منا، لكن سوزان وقفت حاجزا بيننا وكأنها تتصدى لخطر داهم، عبس وجهها وعلت محياها ابتسامة باردة مقطبة حاجبيها. بدت مشاعر الغيرة متأججة في عينيها. لاحت في ذهني كلماتها لما أثنت علي في متجر "موس بروس": شكلك بدا جذابا مثل فنان وسيم يا عبدو، تناسبك البدلة كثيرا! لكن الشابة الجميلة التي ترقبني لا تدري أنني منذ زمن قصير كنت متسكعا في الشارع ، بخلاف سوزان التي تعلم بكل تفاصيل وضعي في الضيعة، تدرك أنني أنام بكامل ثيابي في المرآب ومع ذلك هي تحبني. حدثت نفسي: لا بد أن أكون واثقا من نفسي، تمنحك الحياة فرص عدة لا مناص من اقتناص إحداها واستغلالها على نحو جيد، أملي أن تسير حياتي نحو الأفضل.
على بعد خطوات من الحلبة تقع منصة العروس، وهي كوشة مزينة بورود على جوانبها وإضاءة خافتة ملونة. تتربع فوقها العروس كارمن بفستانها الأبيض الباهر، المصنوع من قماش الحرير المنفوش. على يمين الكوشة تنتصب راية الزواج حسب طقوس الإغريق، مكونة من غضن شجرة يتفرع منه خمسة أغصان تعلق تفاحة على واحد منها، فيما باقي الأغصان يربط عليه خيطان حمراء. تمشي العروس بخطوات على مهل، تجر ذيلا منفوشا مثل الطاووس نحو وسط القاعة على وقع معزوفة تراثية، فيستقبلها العريس بباقة ورد في يده، فيما هي تضع غصن عشب أخضر على بدلته. يرتدي العريس بدلة راقية بلون أسود مع ربطة عنق حمراء، يقبل يديها وكأنه يطلب مباركتها، فتقبله على وجنتيه لتباركه. يقطعان شريطا أبيض يربط رغيفين من خبز طازج، ثم يرشان المدعوين بالأرز حسب طقوس الإغريق قديما. قالت لي سوزان في قبرص لا ترمي العروس الفتيات العزباوات بباقة ورد فقط بل ترش عليهن حبوب الرمان لجلب الحظ الجيد، وبعد انتهاء الحفل يذهب الأهل والأحباب إلى بيت العريس حيث توضع الراية على باب بيته. والأدهى من ذلك أن العروس في العرف اليوناني تدفع المهر للعريس وأهلها يتولون تأثيث بيت الزوجية بشكل كامل ما عدا السرير، وما على العريس سوى إحضار خاتمي الزواج وحذاء جميل للعروس. عقبت على كلام سوزان مازحا: كم هو سعيد الحظ هذا العريس اليوناني!
 
حينما أطلق "دي جي" أغنية يونانية "لدي حب" للمغني "باسكال ترزيس" اهتزت القاعة، بعدئذ أخذ يتقلص الصخب وجنح الضيوف نحو الهدوء وهم يشاهدون العروسان منخرطان في رقصة "سلو" رومانسية وسط الحلبة. أمسك كل رجل بيد حبيبته واكتسح المدعوون الحلبة لمشاركة العروسان رقصتهما. أومأت لي حبيبتي برأسها تدعوني لأراقصها في جو مفعم بالهيام والغرام، وضعت يدي على خصرها فيما هي وضعت يديها الناعمتي الملمس على كتفي، لم أكن أفهم كلمات الفنان اليوناني فيما رنات الأغنية الرقيقة تجعلك تسرح بخيالك في دروب العشق وشهقات العاطفة. حدقت في عينيها قليلا، قرأت فيهما كلمات الحب تنبض من أعماقها، اقتربت منها أكثر حتى كدت ألامس جسدها، فيما نحن نتمايل على إيقاع صوت المغني، وضعت يدها على قلبي وحدثتني بصوت خفيض: قلبك يعزف نغمات الحب والهوى، ثم دنوت من رأسها قليلا لتهمس في أذني وعيناها مصوبتان على العروسين مردفة: كم أحلم بمثل هذا اليوم معك يا عبدو! أتمناك من كل قلبي أن تكون من نصيبي. خجلت من نفسي وأنا أنصت إلى صدق مشاعرها سيما وأني مقبل على عودتي إلى المغرب بعد أسبوعين. ارتبكت قليلا وأجبتها بتلقائية: وأنا بدوري أحبك وأتمنى أن أراقصك  كعريس في يوم مماثل محبوبتي القبرصية!
 
على إحدى أطراف القاعة الساحرة يقع مكان بوفيه مفتوح فاخر، حيث طاولات طويلة مستطيلة تعلوها أطباق متنوعة شهية من الطبخ اليوناني التقليدي. مقبلات مشرقية (تبولة، حمص، بابا غنوج، زيتون، جبن فيتة). خمسة أنواع من السلطة الطازحة. دوماتيس (طماطم كبيرة محشوة بالأرز واللحم). موساكا (لحم مفروم مع شرائح بطاطس وبذنجان). دولمادس (ورق عنب محشوة بتوابل مع أرز ودهن الخروف). ومأكولات بحرية مشوية على الطراز اليوناني، إضافة إلى عصائر ومشروبات روحية مختلفة.
لم أكن أعرف أن المطبخ اليوناني غني بعبق تراثه، وعريق يضرب بجذوره في عمق التاريخ الإنساني.
اقتعدت كرسيا بجانب سوزان لأشرع في أكل الطعام، نظرت إلي ورمتني بضحكة ماكرة لأنها تعلم قصتي الصعبة مع الإتيكيت، لم أتدرب بعد على استعمال الشوكة والسكين، أمسكت بالسكين وانهمكت في مطاردة قطعة لحم الديك الرومي. حينما أضغط بالسكين ينزلق اللحم نحو طرف الصحن، فأصاب بالفشل والتوتر، قررت أن أضع السكين جانبا وأستعمل يدي إلى جانب الشوكة. ظلت هيلينا ترمقني بطرف عينيها، شعرت وكأنها تمتعض مني قليلا سيما لما رأتني أغرس أظافري في اللحم وأفتك به بأصابعي. تجاهلت نظراتها ولم أبال. بعدها، التفت إلي أندريس قائلا: يبدو أنك تتضايق من السكين والشوكة أليس كذلك؟! رددت عليه ردا صريحا وقلت: أعتذر إن كنت لا أحسن استعمال الشوكة والسكين، في بلادي العربية نأكل الطعام بأيدينا ونلتمس البركة عند لعق أصابعنا، فرد علي الرجل بضحكة صفراء زائفة:
- لا عليك، لكل مجتمع قيمه وتقاليده، ثم لاذ بالصمت.
داهمتني فكرة وأنا أحاول الالتفاف على وضعي الحرج، فغيرت مجرى الحديث موجها سؤالي إلى الصحافي أندريس:
- هل تكتب بانتظام على الصفحة الأولى من جريدة "إفنينغ ستاندار" الشهيرة؟.
رد علي:
- أكتب مقالات في مواضيع ثقافية على الصفحة العاشرة.
 أدركت حينها أنه صحافي من الدرجة الثانية في الجريدة الشعبية التي تصدر خلال منتصف كل يوم بلندن.
ثم أردفت قائلا:
- وما إسم عمودك الصحافي؟
- فرد علي بثقة: ركن الثقافة.
ثم بادرني بسؤاله:
- لما لا تدرس الصحافة، يبدو أنك ملم بالسياسة والتاريخ؟!
رددت عليه:
- مهنة الصحافة في البلاد العربية مثل حقل ألغام، إن مشيت في الاتجاه الخطأ قد ينفجر في وجهك لغم خطير فيصيبك بعاهة مستديمة، إضافة إلى أن ممارسة الصحافة ببلادنا قد تؤدي بك إلى غياهب السجون أو الاختفاء القسري.
رد علي أندريس مبتسما:
- أفهم قصدك جيدا، هذا هو حال الصحافة في كل البلاد التي تغيب عنها الديمقراطية. مضيفا بتهكم، وقد يؤدي بك الأمر إلى الاختطاف أيضا كما يحصل في الشيلي ولبنان.
- تماما، إنها مهنة المصائب والمتاعب.
 
عندما فرغنا من الأكل، أطلق "دي جي" أغاني شعبية يونانية للمغني "جورج دالاراس" معلنا استئناف نشاط الحفل من جديد، توجه العروسان الى الحلبة، أخذا يرقصان بمرح وخفة فائقة، انضم إليهما الضيوف منصهرين معهما في فرحتهما، مع اشتداد إيقاع الرقص شرع الضيوف في تشبيك ثياب العروسين بالنقود، سافرت بذاكرتي إلى أعراسنا الشعبية المغربية حيث يشبك المدعوون أوراقا مالية على جبين المطرب أو الراقصة خلال ذروة الحفل، فيما اليونانيون يشبكون الأوراق النقدية على كامل الجسم من أعلاه إلى مخمص القدمين.
في مشهد مثير، توجه كهل من أهل العريس إلى حلبة الرقص حاملا بيديه صحنا، فتبعه باقي الضيوف كل يمسك بصحنه، أعطى إشارة بيده اليمنى رافعا صحنه نحو الأعلى ثم ألقى به على الأرض بقوة، فاستحال إلى شظايا متناثرة توزعت أشتاتا على أرض الحلبة، ليتبعه الجميع فتعج القاعة بالصخب وأصوات الضحكات أثناء تكسير الصحون. لبثت أرقب المشهد بأعين المتطلع لما هو غريب عني، فاستدرت نحو سوزان أسألها: ما هذا الجنون؟
ردت علي:
- إنها عادات وتقاليد متوارثة عن الآباء والأجداد يقصد بها جلب الحظ السعيد.
- لم أكن أعرف أن تقاليد المجتمع اليوناني غارقة في القدم إلى هذا الحد البعيد.
بعدها توارى العروسان وراء كعكة زفاف ضخمة على شكل طبقات عديدة حتى لا تكاد تدركهما العين، طفقا في تقطيع الكعكة إلى قطعات صغيرة، وحينما أمسك كل واحد منهما بقطعته ظننتهما سيطعمان بعضهما البعض بمعالق فضية، إلا أنهما طفقا في رشق بعضهما البعض بكعكة الزفاف بدل تناولها وسط صيحات وقهقهات الحضور. لاحت على محياي ملامح الدهشة من هذه التقاليد الغارقة في الجنون.
 
عندما فرغا العروسان من الكعكة، توجها إلى وسط الحلبة في مشهد لا يخطر على بال ، حيث بدأ يتسابق كل من العروس والعريس على أن يضغط أحدهما على قدم الآخر، والذي يسبق هو الذي تصبح له السيادة داخل بيت الزوجية حسب الأساطير الإغريقية. قلت لسوزان وكأني أجس نبضها: السيادة عندنا تعود للرجل بدون منازع وهذا بموجب القوامة المنصوص عليها في دين الإسلام. ردت علي بابتسامة باهتة وهي تزم فمها:
- أعلم ذلك جيدا بحكم احتكاكي بالأتراك القبارصة، اليد العليا تبقى دائما للرجل عند المسلمين.
عقبت على كلامها سريعا:
- عندكم تكون اليد العليا للرجل فقط عندما ينجح في سباق الضغط على قدم زوجته خلال حفل الزفاف..
راقها كلامي وضحكت ملء فمها، ثم ردت علي بسخرية عميقة:
- كلامك صحيح حبيبي عبدو! لكن لا تنسى حتى لو نجح العريس في الضغط على قدم عروسه، فهي ستظل تضغط على رقبته طوال حياته، فتنتزع السيادة في النهاية.