الاثنين 29 نوفمبر 2021
فن وثقافة

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (27)

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (27)
هذا الصباح نزل ضباب كثيف، نادت علي ريتا وأنا أهم بالصعود إلى عربة الجرار، أخبرتني  برسالة وصلتني من لندن في بريد الأمس.
قلت لها: سأمر بك بعدما أنهي عملي في الحقل.
أرهقني تخميني طيلة يوم عملي عن مصدر الرسالة، لعلها رسالة من  سوزان، ذلك أني لم أمنح عنوان الضيعة لغيرها، أتمنى أن تحمل أخبارا سارة عن حبيبتي الغالية التي تمر بظروف عصيبة داخل بيتها.
في المساء، مررت ببيت ريتا لآخذ ظرف الرسالة، لم أستطع صبرا فمزقت الظرف بلهفة شديدة أمامها، مشيت بخطوات بطيئة أقرأ سطورها وعيون ريتا ترقب حركاتي، فحوى رسالة سوزان كالتالي:
 
" حبيبي عبدو،
ببعدك عني يرحل الفرح ويحل الحزن مكانه، من دونك تعلو وجهي ابتسامة باهتة بلا قيمة، منذ غادرت لندن انقبض قلبي واسودت الدنيا في وجهي، صارت ورشة العمل كئيبة وضجرة من دونك، هكتور مازال يضايقني بنظراته المريبة، لكن عيوني لا يملأها سوى النظر إليك. ذكرى الأيام القليلة التي عشناها في لندن ستظل تخفق في قلبي. أكتب إليك رسالتي وأستنشق رائحة حبك بين كلماتي.
إن سألت عن أحوالي داخل بيتي، فأجواء التوتر مازالت تسري بين أبي وأمي، تبدو وكأن الأمور ماضية نحو الانفصال. ادعو لي أن أكون قوية وأتحمل مكر الزمن.
لكن لدي خبر مفرح أود تقاسمه معك، يسعدني أن أدعوك لحضور زفاف بنت خالتي "كارمن" يوم السبت القادم، وسأكون في غاية السعادة بوجودك معي، حضورك سيضفي لمسة جميلة على الحفل البهيج وسيغنيني عن الجميع.
أتمنى أن تتصل بي عبر الهاتف لما تفرغ من قراءة رسالتي، سأوافيك بباقي التفاصيل!
حبيبي عبدو أحبك بحجم ما أتمنى أن تكون من نصيبي..
لندن : 15 شتتبر 1986..
سوزان دمتريس
 
صبيحة يوم السبت، استيقظت باكرا واستقلت الحافلة صوب محطة "باداك وود". على يمين بهو المحطة يركن كشك صغير للورود. اقتنيت باقة ورد أحمر وتسلقت القطار نحو محطة فيكتوريا. اعتدلت فوق مقعدي وجلست قبالة كهل نحيف يدس رأسه بين صفحات جريدة تايمز. رجل أنيق ببدلة رمادية وربطة عنق أرجوانية، كلما استوقفه مقال مثير حرك نظارته الطبية بأصابعه لتثبيتها على أرنبة أنفه. يلتهم أوراق صحيفته.
 كان القطار شبه خال من الركاب وصوت إلتون جون يبعثر الصمت داخل المقصورة في هدوء. لما تعب الرجل من القراءة، وضع جريدته على جانبه وتبسم في وجهي. واجهته بابتسامة عريضة وقلت له:
- "غود مورنين سير"!
رد علي:
- كيف علمت أنني "سير"؟.
 فقلت له:
- لأنك رجل محترم، فناديتك بـ "سير"!
أطلق الرجل ضحكة بريئة وقال:
- ظننتك عرفتني فناديتني بـ "سير"!
فقلت له:
- أنا لا أفهم ماذا تقصد سيدي؟!
- طيب سأشرح لك قصدي.. أنا إسمي جون ويلز، أشتغل كبرلماني عن منطقة ميدستون منذ أكثر من خمسة وعشرين سنة وحصلت على لقب "سير" من الملكة إليزابيث الثانية، وحسبتك اطلعت على هويتي..!
انتابتني دهشة قوية وقلت له:
- لا لا أبدا، أنا مجرد زائر في بريطانيا، لا أعرف من الشخصيات السياسية سوى رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر!
 ازدادت دهشتي وتبسم الرجل قائلا بتواضع:
- أنا برلماني من حزب المحافظين وقريب جدا من الزميلة ثاتشر!
أجبته بتلقائية:
- لكن شكلك لا يوحي بأنك عضو في البرلمان!
رد عليا مستغربا:
- ولماذا تقول هذا؟!
- لأن البرلمانيين في بلدي بدناء ولا يركبون القطار مع الناس!
ضحك جون ورد علي مازحا:
- ربما لأنهم يلتهمون وجبات بذهون مفرطة في أوقات غير منتظمة من الأكل!
رددت عليه ساخرا:
- نعم، إنهم جشعون جدا، يأتون بشراهة شديدة على كل ما في الصحن!
- حرك جون رأسه مبتسما وقد راقه حديثي!
حط القطار بالمحطة العملاقة، نهض البرلماني من مقعده دون أن يسأل عن جنسيتي. وكم تمنيت لو امتدت الرحلة وقتا أطول حتى أستشف ما يدور في خلد هذه الشخصية المهمة، لكن "سير" جون كان في عجلة من أمره. شكرني على دردشتي العابرة معه وانصرف مهرولا يخترق حشدا من الركاب تجاه الباب الرئيس، ثم توارى عن الأنظار في لمحة بصر.
 
لمحتها من بعيد، كانت ممشوقة القوام واقفة كشجرة ياسمين باسقة قرب محل "د.ه.سميث" يفوح عبيرها في أرجاء المحطة، تقلب وجهها في كل الاتجاهات وكأنها تبحث عن شيء ضائع. أطلقت صيحة من فوق السلم الكهربائي: سوزان!
 استدارت نحو مصدر الصوت وإذا بعينيها تصطدم بعيني، تسارعت نبضات قلبي ورقصت مشاعري، مشيت تجاهها بشوق ولهفة، جرت خطواتها برشاقة نحوي وعيناها منغمستان في عيني، ارتسمت ابتسامة عذبة على محياها، صار لنا بضعة أسابيع لم نلتق. ناولتها باقة الورد الأحمر وتعانقنا بحرارة في مشهد حضن العاشقين بعد اشتياق طويل.
وقفنا في طابور منتظم ننتظر دورنا عند محل "أبركراست" لاقتناء فنجاني قهوة إيطالية، فضاء محطة فيكتوريا يغص بالمسافرين، طلبت كابوشينو لي فيما اختارت سوزان كافي لاطي، حملنا فنجانينا واستوينا فوق كنبة مستطيلة بالبهو الفسيح نرتشف قهوتنا المنعشة.
ضغطت سوزان على يدي  قائلة:
- لا تدري كم اشتقت إليك ياعبدو!
- أخذت أتفرس في عينيها الساحرتين وعنقها الأملس وانغمسنا في حديث العاشقين، غير مكترثين بمسافرين يمرون أمامنا ويهرولون بسرعة في ممر طويل، بعضهم يركض وراء القطار وكأنه يسابق الزمن.
كانت الساعة تزحف نحو الزوال، التفتت إلي سوزان وقالت:
- علينا أن نسرع ونذهب عند متجر "موس بروس" لكراء البدلات بـ "ريجنت ستريت"، لأن حفل الزفاف سينطلق على الساعة الخامسة مساء بقاعة قرب سيفن سيستر. أمسكتها من ذراعها ثم ألصقت يدي بيدها وتسلقنا المترو تجاه متجر "موس بروس".
 
دلفنا إلى المتجر الفاخر، استقبلنا شاب أشقر بلباقة ملفتة وكلام لطيف قائلا:
- "غود أفترنون" مساء الخير، هل يمكن لي أن أقدم لكم مساعدة؟!
وقفت مشدوها لبرهة أنظر إلى تصاميم المتجر الباهر، فجأة قفزت بي ذاكرتي إلى ثنايا الماضي وأخذت أسبح بمخيالي بين أرجاء سوق البراريك بالعرائش لما كنت طفلا صغيرا. تراءى أمامي رجل بدين يدعى عبد الخالق بتجاعيد متعبة تكسو وجهه، كان يقف وراء منضدة خشبية منهكة تشكل حاجزا بينه وبين زبنائه، يتوسط دكانه بكتفين عريضين وكأنه حارس مرمى، يتحرك في مساحة ضيقة ملبيا طلبات زبائنه جيئة وذهابا. كان صاحب الدكان صديقا لوالدي يناديه بالأستاذ، كلما مزقت سروالي يجرني والدي وراءه عند دكان صديقه لاقتناء سروال جديد، فيدس عبدالخالق يده في كومة من ملابس مكدسة فوق رفوف خشبية، ثم يخرجها وينثرها فوق المنضدة أمام أعين والدي ليختار لي سروالا يناسب قياسي، فيقوم عبد الخالق بلفه في ورق داكن ويسلمه لي بابتسامة منقبضة ووجه صارم. شكله كان يخيفني وكأنه شرطي بجسد غير متناسق. كان يشبه جارنا جيلالي كثيرا بأنف ضخم.. شعر مجعد.. وأسنان صدئة غير مرتبة. جيلالي هذا كان شرطيا قاسيا يقطن بجوارنا، لما يغضب يلوح بحزامه الجلدي في وجه زوجته ربيعة، وإذا لعبت الخمر برأسه يكدس أطفاله الخمسة مع ربيعة في غرفة واحدة وينهال عليهم جميعا بحزامه اللعين.  
حينما يمنحني عبد الخالق سروالي الملفوف أقوم بتقبيل يد والدي وأطلق رجلي للريح فرحا بسروال العيد.
متاجر سوق البراريك مجرد دكاكين مهترئة على شكل صناديق متراصة على طول زقاق ضيق، فيما متاجر ريجنت ستريت فسيحة بتصاميم هندسية راقية تبهر العين، متاجر الإنجليز لا تشبه متاجرنا في شيء. لم يسبق لي أن رأيت مركزا تجاريا واحدا في بلدي ونحن على وشك نهاية القرن العشرين. لطالما سمعتهم يرددون في التلفزيون أننا نعيش في أحسن بلد في العالم ونسير نحو التطور والازدهار، لكن لما كنت أتجول بين متاجر أكسفورد ستريت الفاخرة وأسرح ببصري في البنايات الجميلة أشعر وكأني بدوي سقط بمظلة على مجتمع متحضر تجاوزنا بسنوات ضوئية.
أدرت المعادلة سريعا في ذهني وقلت: إذا كان  زعيمنا عبقري يقود البلد بحنكة سياسية نحو الرقي كما يدعون، وشبابنا مثقف ينشد الحداثة والتنوير وأنا الذي رأيته بأم عيني لا يستطيع حتى الوقوف في طوابير منتظمة عند شباك التذاكر بالجزيرة الخضراء، فأكيد ثمة خلل ما في الأمر..! هؤلاء الأوغاد يكذبون علينا في التلفزيون دون خجل، صرت موقنا أنني أتيت من بلد متخلف عن الركب الحضاري، ويعيش بعيدا على هامش التاريخ..
 
ردت سوزان على مساعد المبيعات الأشقر بكلمات تشع أنوثة:
 - صديقي عبدو يبحث عن بدلة أنيقة وربطة عنق لحضور حفل زفاف!
- مرحبا، ما هو قياسك مستر عبدو؟!
- أجبته: رقم 42!
عرض علينا الشاب بدلات رفيعة تحمل ماركات عالمية. بدوت مأخوذا بشروحاته الدقيقة عن منشأ البدلات وأسماء مصمميها. اخترت بدلة بلون أسود في إسم "سيسيل جي" مع ربطة عنق زرقاء. ارتديتها كتجربة أولى فأثنى علي الشاب الإنجليزي بكلام لبق:
- تبدو أنيقا وسيما مستر عبدو، لا يعوزك سوى حذاء من ماركة كلارك أو باركر!
 شعرت بفخر وانتشاء شديد. اهتز قلب سوزان فرحا ولاحت على وجهها سعادة لا تخطئها العين.
 قالت لي:
- شكلك بهي وجذاب يا عبدو، تبدو وكأنك فنان وسيم، لقد ناسبتك البدلة كثيرا، ينقصك حذاء جلدي أسود.
أضفت علي كلمات سوزان بهجة وسرورا، وزادتني ثقة في نفسي.
عرجنا بعد ذلك على متجر "كلارك" المجاور لشراء حذاء أسود لامع. حين ارتديته مع بدلتي شاهدت نفسي مثل"ريشارد جير" كما لو كان الكون يدور حولي، تملكني إحساس بزهو جميل.
انصرفنا وهبطنا سلم مترو بيكاديلي القريب، ثم تسلقنا القطار الذي حملنا نحو محطة "سفن سيستر" حيث موعدنا مع الحفل اليوناني البهيج. شعرت وكأني شاب ذو قيمة عالية في عيون حبيبتي سوزان، كانت أول مرة في حياتي أرتدي بدلة راقية مع ربطة عنق.