الأحد 20 يونيو 2021
كتاب الرأي

عبد السلام المساوي: عقد اجتماعي جديد أكثر عدالة

عبد السلام المساوي: عقد اجتماعي جديد أكثر عدالة عبد السلام المساوي

1- التصالح مع الدولة

إن الحاجة إلى تأسيس الدولة والتدبير السياسي للدولة فرضته ضرورة إيجاد حلول للمشاكل التي تطرحها الطبيعة أمام الإنسان. هذا الأخير مطالب ببناء الدولة للحفاظ على إنسانيته ، لأنه بفعل الثقافة (القوانين والدساتير والمؤسسات )، يستطيع ان يعوض ما لم تمنحه الطبيعة إياه ؛ فالسلوك والعلاقات الإنسانية هي نتائج اختبارات سياسية واعية .

ان الدولة مؤسسة سياسية أساسية للفرد والمجتمع ، فغاية وجودها هو الحفاظ على إنسانية الإنسان وتهذيب قدراته وإمكاناته الطبيعية، وتنظيم حياته الاجتماعية . فضلا عن الحفاظ على وحدة المجتمع وتوازنه بما يخدم مصالحها العامة . والدولة القادرة على الاستمرارية هي الدولة الشرعية التي تحاول إقرار الحق والمبنية على تعاقد اجتماعي، ينظم الممارسة السياسية...

تعيد الأزمات الكبرى الدولة إلى عصرها الذهبي ، إلى تلك الحالة التي تشكل حدا فاصلا بين حالة الطبيعة وحالة الثقافة، وفي حالات الأوبئة ، حيث يسود منطق الغريزة ، يجد المواطنون حصن نظامهم وانتظامهم المنيع ، أنهم يعودون للحالات الأولى للتعاقد، تلك النظريات التي أرساها جون جاك روسو وغيره من فلاسفة الأنوار، وحيث ذلك المنطق الحاسم، إما الدولة أو الخراب ...

فـ" هوبس " يرى أن الغاية من إنشاء الدولة كمجتمع سياسي هي ضمان السلم المدني ومنع الحرب الدائمة بين الأفراد، فالدولة ما هي إلا نتاج لميثاق تعاقدي بين البشر ، انتقلوا بموجبه من حالة الطبيعة ( حرب الكل ضد الكل ) إلى حال المدنية ، وذلك من خلال تنازل كل فرد بمحض إرادته عن جزء من حريته الخاصة أو سلطته أو قوته لصالح رجل واحد أو مجلس واحد ، يخضع له كل أفراد المجتمع ، تضمن الأمن والسلم الاجتماعيين ...ويرى اسبينوزا بأن الغاية من تأسيس الدولة هي تحقيق الحرية وتمكين كل مواطن من الحفاظ على حقه الطبيعي في الوجود باعتباره وجودا حرا، دون إلحاق الضرر بالغير ، وبالتالي فهذه الحرية التي يشير إليها " باروخ " هي حرية أخلاقية ، لا تتعارض مع العقل، بحيث تبتعد عن إلحاق الضرر بالآخرين ، كما تحرر الإنسان من العنف والخوف ...

وتتأسس مشروعية الدولة ، عند جون لوك، على ضرورة حماية أمن الناس وسلامتهم وممتلكاتهم ( الحياة ، الحرية ، سلامة البدن، الأرض، النقود ، المنقولات ...)، وذلك انطلاقا من قوانين مفروضة بشكل متساو على الجميع ، وأي شخص يحاول انتهاك هذه القوانين، يعاقب بتجريده من بعض او كل تلك الخيرات التي كان من المفروض أن يتمتع بها في ظل الحكم المدني ...

ما نعيشه اليوم، هو تلك العودة الوجدانية والفلسفية الى أصل نشوء الدولة كتعاقد اجتماعي إلى وظائفها الكلاسيكية : الحفاظ على الحياة ، حفظ الصحة ، حماية الأمن ، توفير الغذاء ...

عبر العالم صارت الدولة الفاعل السياسي الوحيد، وتراجع فاعلو الظروف العادية غالى الخلف. تبدو الدولة ، والحالة هذه مثل أم تخاف على أبنائها ؛ تنصحهم تارة ، وتوجههم تارة أخرى، وحين لا ينضبطون للقرارات التي فيها مصلحتهم ومصلحة الجماعة ، تلجأ إلى العنف المشروع ، الذي يتقبله الجميع كعنف مستحق ...

ولا يقاوم المواطنون قرارات الدولة في مثل هذه الظروف ، بل يتعبؤون للدفاع عنها والترويج لها ، وأيضا مواجهة من يتمردون عليها ...

وبعد ان كان الأفراد يتبرمون من الأساليب القهرية للدولة ويميلون غريزيا نحو التمرد عليها، من منطلق غريزة الخوف، برضى تام ، بل إن منهم من يطالب بالمزيد، وتطبيق العقوبات الأكثر تشددا في حق من يرفضون الامتثال لأوامر السلطة القهرية الأكثر تقديرا وتحية هذه الأيام . فما يميز الدولة الحديثة في نظر ماكس فيبر - هو تلك العلاقة الوطيدة التي تقيمها مع العنف ، فهي وحدها التي تحتكر حق ممارسة العنف المشروع الذي لا يتنافى مع كونها تجمعا سياسيا وعقلانيا وقانونيا ، والذي به يتم ضمان الأمن والاستقرار الجماعيين وباقي الحقوق الأخرى.

إن الترجمة الفعلية لمفهوم الحق على مستوى الدولة تتجلى في إضفاء الشرعية على ممارسة أي وسيلة عنف داخل ترابها ، " يجب أن نتصور الدولة المعاصرة كتجمع بشري ، يطالب في حدود مجال ترابي معين بحقه في احتكار استخدام العنف المادي المشروع وذلك لفائدته ".

وقبل ماكس فيبر ، اعتبر كانط أن عنف الدولة ، كيف ما كانت درجته، هو عنف مشروع ولا يجوز مواجهته بعنف غير مشروع ، لأن ذلك بدون معنى ونتائجه وخيمة.

ويستند موقف كانط إلى تصور معين للقانون ينظم العلاقات بين الحاكم والمحكومين ، وهو تصور يستبعد نهائيا " كل قانون مزعوم لخرق القانون " ويعتبره بدون معنى .

وها هو " الجهاز القمعي " للدولة ينزل إلى الشوارع لإرغام الناس على البقاء في بيوتهم ، الكل يصفق للأجراء المتشدد ، لا أحد يحتج أو يشهر دفوعاته الشكلية ، لقد حولت غريزة المنازل إلى " سجون طوعية "، وصار " الجهاز القمعي " حارس الحياة والأمن الفردي والجماعي . من كان يتصور أن يأتي يوم يصير فيه الإجبار على الحد من حرية التنقل خدمة عمومية يطلبها المجتمع ؟

ولم يسبق للدولة إن كانت مطاعة مثلما عليه اليوم ، بل أن انقلابا حادا وقع فيه الوجدان العام حيالها ، قبل عشر سنوات وبعدها بقليل ، كانت الدولة الأكثر إثارة لمشاعر الغضب منها والاحتجاج عليها ، لكنها اليوم تحوز كل الحب والتقدير المتاحين.

إن الخوف وغريزة البقاء ، يعيدان صياغة الموقف من أساليبها القهرية ، وبعد أن كانت قساوتها مدانة ، صارت اليوم موضوعات شعبية متزايدة.

2- تأسيس الدولة وتطورها

يقول الأستاذ إدريس لشكر : "إن مقومات الدولة الحديثة بالمغرب ، بدأت تتشكل مع استقلال المغرب، حيث تعاقبت الحكومات ، وكان الهدف الأول هو التفاوض مع المستعمر وتحويل الإدارة الاستعمارية إلى إدارة وطنية ، إلى غاية 1959 مع حكومة عبد الله ابراهيم، التي يمكن اعتبارها هي المؤسسة للدولة المغربية، والدولة الراعية ؛ حيث تم اعتماد العملة المغربية واستقلالية البنك المركزي ، فجيل الستينيات من القرن الماضي لا يزال يتذكر مساواة وتوحيد أبناء المغاربة في التعويضات العائلية، وفتح عدد من المدارس التي مكنت أبناء المغرب من التعليم العمومي، لكن، للأسف، هذه المشاريع الوطنية المتقدمة أجهضت كلها، وتوقفت في منتصف السيتينيات؛ وسيعيش المغرب سياسة التقويم الهيكلي ، ونعيش الأوضاع الصعبة ، ليصل المغرب إلى حكومة التناوب؛ هذه الأخيرة ستحقق الشيء الكثير في مجال الحماية الاجتماعية ؛ خاصة فيما يتعلق بالتغطية الصحية ، وتوسيع التقاعد ، وتوسيع الضمان الاجتماعي ....

أن مفهوم الدولة الحديثة التي ظهرت في القرنين 15 و 16 نتيجة صراعات فكرية واجتماعية عرفتها أوربا ، على أنماط حكم كانت سائدة من قبيل الاقطاع والبوروازية، لتظهر بعدها الدولة المدينة في ايطاليا وفرنسا وألمانيا ثم بعد ذلك الدولة الأمة، التي ساهمت في انفصال الدولة عن الكنيسة لتحل محلها الدولة المدنية، من خلال تطور الفكر السياسي من ماكيافيلي وجان بودان إلى لوك ومونتسكيو وروسو ....وظهور نظرية العقد الاجتماعي ، التي ستفرز لاحقا الدولة الراعية التي تقوم على مبادئ تكافؤ الفرص ، والتوزيع العادل للثروة ، والمسؤولية العامة تجاه من هم غير قادرين على ضمان الحد الأدنى للعيش الكريم ...

في تسعينيات القرن الماضين يقول إدريس لشكر، تعرض المشروع الاشتراكي لهجمة قوية من طرف الرأسمالية، وسادت أطروحة قليل من السلطة للدولة وكثير من السلط لقوى السوق .

ولمواجهة المد العارم لليبرالية المتوحشة تمت صياغة ما اصطلح عليه بالطريق الثالث في عهد الحزب العمالي البريطاني، الذي لخصه زعيمه آنذاك في مقولته الشهيرة " ليس هناك سياسة يمينية ولا سياسة يسارية بل هناك سياسة جيدة وسياسة سيئة " ، حيث توصي هذه المقاربة بحماية اجتماعية تحكمها البراغماتية والتحالف مع قوى السوق، وفي هذه الظروف يمكن فهم السياسات ، التي طبقتها حكومة التناوب، حيث ان المنجزات التي حققتها لم تكن مؤسسة دستوريا ولا مؤسسة قانونا حتى جاء الحراك ثم دستور 2011 ، الذي أورد مصطلح الاجتماعية على الملكية ، فلم تبق ملكية دستورية برلمانية ، حيث زادتها ملكية دستورية برلمانية اجتماعية ، في مادته 31، الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية تتقاسم أعباء الحماية الاجتماعية بينها، كذلك نجد أن المادة 33 تربط الحديث بين الشباب والحماية الاجتماعية ، والمادة 35 نجدها تتحدث عن كون الملكية ليست حقا مطلقا ، وهو كذلك مدخل للحماية الاجتماعية ، والمادة 42 نجدها تؤكد أن الملك هو الساهر على حقوق وواجبات المواطنات والمواطنين ، وهذه الحقوق تندرج في سياق الحقوق الاجتماعية ، وبالتالي فإن دستور2011 يشدد على الحقوق الاجتماعية في عدد من المواد الواردة فيه .

3-حكومة التناوب والتأسيس لدولة الحق والقانون

لقد عمل الاتحاد الاشتراكي على تأصيل المفاهيم وزرعها بذكاء في أرض المغرب ، فعندما يتحدث ،مثلا، عن دولة الحق والقانون ، فهو يعني بأن هذا المفهوم ليس شعارا يرفع أو كلاما للاستهلاك ، بل هو ممارسة وسلوك ، لذلك ناضل الاتحاد الاشتراكي وعمل على نقل هذا المفهوم من مستوى التنظير إلى مستوى الفعل ، فمع أواخر حكومة التناوب ، قدم الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي حصيلة العمل الحكومي للمرحلة التي قاد فيها الوزارة الأولى، ويكفي أن نلقي نظرة موجزة عن المحاور الستة لحصيلته لنتأكد من صدق النظرية والتطبيق وتكاملهما في الخطاب الاتحادي:

- ترسيخ حقوق الإنسان وتخليق الحياة العامة؛

- إصلاح النظام التربوي وتكافؤ الفرص أمام التربية والتكوين ؛

-التنمية والاستثمار وإنعاش الشغل؛

- التنمية الاجتماعية والتضامن؛

- عقلنة تدبير الشأن العام ؛

- تنشيط العمل الدبلوماسي ؛

إنها محاور تدل بوضوح على أن الهاجس الأساسي يتمثل في إرساء دعائم دولة الحق والقانون ، وإدخال قواعد جديدة في مجال تسيير الشأن العام ، سواء على المستوى الداخلي او الخارجي .

لقد انطلقت حكومة التناوب من أولويات عامة كانت توجه عملها ؛ إنجاح الانتقال الديمقراطي، إنجاح انتقال للعرش، إعادة هيكلة مؤسسات تسيير الشأن العام، إحداث قطيعة مع التجارب السلبية السابقة ، القضاء على الموروثات السلبية ...لنلاحظ أن الأمر لا يتعلق ببرامج محددة او قصيرة المدى ، ولكن ببرنامج شامل يغلب عليه الطابع السياسي .

لقد كان واضحا منذ البداية أن مهمة حكومة التناوب لم تكن تتعلق بالملفات الصغرى، ولكن أساسا بوضع البلاد في سكة جديدة .

إن الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي، هنا، كان يدشن للعمل التنموي من خلال المدخل السياسي ، المعتمد على إيلاء مكانة خاصة لدولة الحق والقانون وللإنسان باعتباره المحور الأساس لكل إصلاح اجتماعي او اقتصادي او سياسي . وهكذا تم فتح ورش متعدد الجوانب في مجال الحريات العامة والفردية وإصلاح العدل، والعلاقة بين الإدارة والمواطن ، وتمجيد القضاء من خلال تنفيذ الأحكام وفرض احترامها من الفرد والدولة على السواء ، وفي مجال النهوض بشؤون المرأة ، وحماية حقوق الطفل ، والحد من الفوارق الاجتماعية ومحاربة الفقر ، وفي مجال تخليق الحياة العامة ، ومحاربة الفساد و الرشوة .

وهكذا يتبين وبالملموس ، أن الاتحاد الاشتراكي، عندما يرفع شعارا أو ينتج مفهوما أو يطرح برنامجا سياسيا ، فليس بغرض التغليط والتمويه ، الضجيج والبهرجة ، وليس بغرض دغدغة عواطف الجمهور والسيطرة على مشاعره وكسب أصواته ....

إن مفاهيم الاتحاد الاشتراكي مفاهيم نابعة من وعي نظري عميق وقابلة لتجريب عملي مسؤول ....من هنا كانت هذه المفاهيم ، وفي كل مرة ، ثورة في حقل سياسي يطغى عليه العقم والجمود ، الاجترار والرتابة ...

4- وجه جديد للمغرب والمغاربة أخذ في التشكل

يقول الأستاذ إدريس لشكر في الأرضية التوجيهية " ان الخطة الوطنية المتعددة الأبعاد والتي انخرط فيها الجميع منذ اليوم الأول لم تكن لتتحقق على أرض الواقع لولا التدخل المسؤول للدولة وثقة المواطن في المؤسسات الوطنية ، انه التناغم بين الدولة بمختلف مؤسساتها وسلطتها التنفيذية والتشريعية والقضائية التي تحمي حياة ومصالح مواطنيها، والمجتمع الذي يلتزم بقرارات وإجراءات مؤسساته.

يجب الحفاظ على هذه اللحمة وحمايتها من اي تشويش لأننا أمام فرصة تاريخية قل ما تتاح للأمم ، فرصة إعادة البناء على أسس سليمة ، فرصة ترسيخ المكتسبات وتقوية الخصوصية المغربية . فنحن أمة واحدة متعددة الروافد ....ما نحتاجه اليوم هو كتلة وطنية بيمينها ووسطها ويسارها؛ كتلة وطنية بقيادة جلالة الملك ، كتلة وطنية تنخرط بوعي ومسؤولية، تنخرط موحدة لمواجهة هذه الجائحة التي تهدد الوطن والمواطن ...

فما حدث بالمغرب هو استجماع الوعي السياسي سواء من طرف جميع النخب، الثقافية والسياسية والاجتماعية . بدأ الوعي الجماعي يتشكل والتواصل بين مختلف أشكال الوعي، وهذا ستكون له انعكاسات إيجابية على التجربة التاريخية المقبلة على مستوى التعاون السياسي ، والتعاون بين النخب ، والتعاون الثقافي والعلمي لأن صداه التاريخي سيكون ايجابيا فالخطر يوحد ويبلسم الجراح .

الصراعات السياسية تترك آثارا وجروحا وتجعل الأحقاد السياسية والاجتماعية تتراكم ، وهذا طبيعي حين يحدث في فترات السلم العام ، لكن في لحظات الخطر والتهديد ، الجميع يلين مطالبه واحتجاجاته وتقييماته السلبية .

المغرب اليوم أظهر ، وفي لحظات سابقة ، أنه يمكن في لحظات معينة ، أن يتلاءم فيه الوعي الاجتماعي والسياسي لتقديم المصلحة الجماعية على المصالح الفردية .

يمكن القول ان مفعول الحدث الصادم سيكون مبلسما للوعي التاريخي المغربي نحو مزيد من التفاعل ، ونحو مزيد من عقد اجتماعي أكثر عدالة وأكثر تسامحا وانفتاحا .

انه أول امتحان حقيقي يمر منه المغرب في العهد الحالي . هناك هبة حقيقية إذا تم استغلالها على الوجه الأصح فيمكن أن تعيد الثقة للمغاربة، لأن هذا الإجماع على إنقاذ المغاربة والمغرب قد يكون، في حال الاستفادة منه ، بداية اقلاع حقيقي نحو البناء . فما كان ينقص حتى الآن هو هذا الانخراط في المسؤولية الجماعية . كيف يمكن تحويل كل هذا إلى مشروع مجتمعي ؟ بما أننا في زمن الجائحة يمكن التفكير مليا في ما يمكن أن نمنحه لهذا البلد...

إن المغرب اليوم في محك حقيقي ، أثبتنا فيه بالفعل أننا دولة قوية تحترم المؤسسات سواء في صيغتها الدستورية أو القانونية ، وأن عملية تنزيل وتطبيق الحجر الصحي كانت نموذجا واضحا في الثقة ، ودليلا على أن هناك تجاوبا مطلقا ما بين " المؤسسات ومكونات المجتمع المغربي ...

يقول الأستاذ إدريس لشكر في الأرضية التوجيهية " كاشتراكيين ديمقراطيين ، جعلنا شعار مشروع النموذج التنموي الجديد لحزبنا الذي أعلننا عنه بعد مشاورات ومداولات داخلية في ندوة دولية في أبريل 2018 : " دولة قوية عادلة ومجتمع حداثي متضامن ".. واليوم وبلادنا على المحك، يعي الجميع معنى الدولة القوية العادلة : دولة ذات مصداقية تحرص على تحمل مسؤولياتها والوفاء بالتزاماتها ومهامها كيفما كانت كانت الظروف . ويعي الجميع معنى المجتمع الحداثي المتضامن : فئات مجتمعية متضامنة فيما بينها بغض النظر عن انتمائها الطبقي أو الفئوي أو الجغرافي أو النوعي ."

ويقول إدريس لشكر في ذات الأرضية " فمع البدايات الأولى لانتشار جائحة " كورونا " ، جسدت الدولة المغربية بقيادة جلالة الملك طابعها الاجتماعي أكثر من أي وقت مضى ، وبشكل جعل بلادنا مضرب الأمثال في مختلف أقطار العالم .

لقد كان للمبادرات الملكية عظيم الأثر في تجنيب بلادنا مأس غير محسوبة العواقب . فقد تفاعلت الدولة المغربية مع تقارير المنظمات الدولية ( منظمة الصحة العالمية ، صندوق النقد الدولي ، البنك الدولي ، منظمة الأمم المتحدة ) بكل عقلانية ورصانة ، فتوالت المبادرات الملكية بقيام جلالة الملك باستعمال كل ما منحه الدستور من صلاحيات ، سواء على مستوى إمارة المؤمنين ، أو رئاسة الدولة ، او القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية ، لإطلاق المبادرات اللازمة للحد من انتشار الفيروس ، الشيء الذي سهل انخراط كل مكونات المجتمع لمكافحة هذا الداء والحد من تبعاته ، كل من موقعه .

لقد اختارت الدولة المغربية الإنسان على أي شيء آخر .

ولنا أن نفخر بقرار إنشاء " الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا كوفيد -19 " لتغطية النفقات الطبية ، وتأهيل الآليات والوسائل الصحية ، ودعم القدرة الشرائية للأسر ، ومساعدة القطاعات الاقتصادية المتضررة والحفاظ على مناصب الشغل. صندوق فاقت مداخيله كل التوقعات، حيث تجاوزت 33 مليار درهم ( 3 في المائة من النتاج الداخلي الاجمالي )، بفعل الحس الراقي المتضامن الذي أبانت عنه كل مكونات الشعب المغربي، كما أحدثت " لجنة اليقظة الاقتصادية " لمواكبة انعكاسات الوباء والمبادرة بالإجراءات اللازمة لمعالجتها ."

من بين حسنات فيروس " كورونا " أنه أعادت للمغاربة الثقة في الدولة، فالمغاربة تأكدوا أن هناك دولة تحميهم ، بعدما لاحظوا أن المغرب نجح إلى حد كبير في تدبير الأزمة ، كما لاحظوا أن الملك محمد السادس اتخذ قرارات هامة تهدف إلى حماية من فقدوا وظيفتهم ، قرارات ستحمي الشركات التي قد يتعرض بعضها للإفلاس بعد الشلل الاقتصادي الذي أصاب عددا من دول العالم ، ومن المؤكد انه أصاب الاقتصاد المغربي أيضا .

المغاربة فهموا أيضا بعد أزمة " كورونا " الدور الكبير الذي تلعبه المؤسسات ، ولو بإمكانياتها البسيطة ، وأن دور الدولة ليس هو فقط تحصيل الضرائب من جيوب المواطن البسيط والفقير ، ولكن أن تقف إلى جانبه أيضا في وقت الأزمات .

المغاربة عرفوا أيضا الأدوار التي يقوم بها الأمن في التوعية والتحسيس وحماية حياة المواطنين ، كما عرفوا أن المغرب يمكنه أن يكون مستقلا عن الدول الأوروبية في تدبير شؤونه الخاصة ، وفي حماية مواطنيه وأنظمته على حد سواء ، فلا مجال لأي جهة خارجية اليوم ان تزايد علينا . صحيح ان وسائل المغاربة وإمكانياتهم بسيطة ، لكن الدولة بمؤسساتها وشعبها نجحت في كل الأحوال في تدبير الأزمة ، بقدر المستطاع.

اليوم الدولة أظهرت دورها كدولة رعاية وكمؤسسة تمثل وعي وضمير ومسؤولية المجتمع ، وهي في موقع القيادة ولهذا ظهر وجهها الأخر....

وهنا لا يمكن أن ننسى المجتمع الذي برزت فيه مظاهر جديدة من التضامن والقيم التي كانت تتضاءل من قبل . لقد اكتشف المغاربة الجانب الايجابي في بعضهم البعض ، من خلال العديد من تمظهرات قيم التضامن على كافة المستويات.

اليوم برزت قيم التضامن بسخاء ، وهذا شيء جميل تذكر به لحظات ، هذه طبيعة التاريخ ، كثيرا ما يقلب ظهر المجن، ويظهر لنا وجوها مختلفة حسب الظروف .

اليوم هناك استجابة المجتمع والدولة والأفراد ، وهنا وجه جديد للمغرب وللمغاربة أخذ في التشكل وان كانت كل التحولات تتم ببطء وتتشكل تدريجيا ، أعتقد أن هذه المسألة ستغني الوعي التاريخي المغربي ، وستجعل المغربي يفصل ويميز بين أبعاد الصراع وأبعاد التضامن ، يمكن أن نسميها " الأبعاد الإيجابية ".

اليوم التاريخ يتيح ازدهار وتنامي وتطور هذه الأبعاد الإيجابية الكامنة في عمق الكائن البشري .

وهنا نذكر بما جاء في المذكرة التي قدمها الاتحاد الاشتراكي للجنة النموذج التنموي الجديد ، والتي كانت بعنوان " دولة قوية عادلة ومجتمع حداثي متضامن "؛ "ولعل أهم استخلاص يمكن الوقوف عنده يرتبط بالرؤى والآليات العامة المعتمدة في تفعيل المشروع التنموي على أوسع نطاق ، وخاصة على مستوى تحديد مهام وإدوار الدولة في المسار التنموي الشامل .

وهنا، لا بد من الإشارة إلى منظورنا لدور الدولة التي لا نريدها وفق مبادئنا الاشتراكية المعارض لفكرة تحطيم الدولة ، ان تكون " جهازا حارسا " يسمح للصراع الاجتماعي واقتصاد السوق بالتحكم في مصير البلاد . فالدولة التي نريد غير محايدة تقوم بدور تحفيزي واجتماعي لصالح الفئات الاجتماعية الأكثر تضررا في المجتمع من خلال توفير شروط العيش الكريم والحماية الاجتماعية العادلة والمنصفة.

إننا مع الدولة الداعمة للتخفيف من حدة آثار العولمة في إنتاج المزيد من الفقر والهشاشة في ظل غياب تنافسية الاقتصاد الوطني القادرة على تحقيق التوازن الاجتماعي.