الاثنين 14 يونيو 2021
سياسة

الدويهي: ما يقوم به البوليساريو استغلال سياسي وعسكري في حق آلاف الأطفال داخل المخيمات

الدويهي: ما يقوم به البوليساريو استغلال سياسي وعسكري في حق آلاف الأطفال داخل المخيمات عائشة الدويهي ومشهد من معاناة الأطفال في مخيمات تندوف

لطالما استنكرنا التفويض الممنوح لتنظيم البوليساريو من طرف البلد المضيف دولة الجزائر للقيام بدورها في إدارة شؤون مخيمات تندوف بالجنوب الغربي للجزائر، خلافا لما تنص عليه قواعد القانون الدولي لحقوق الانسان، ليظل هذا التنظيم متمتعاً بحصانة وحماية الدولة المضيفة مهما بلغت جسامة الانتهاكات التي يرتكبها.

فرغم إقرار البوليساريو بوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان في الماضي، لكنها لم تقدم معطيات واضحة حول إعمال تكرار حالات الانتهاكات التي تطال ساكنة المخيمات من الاختفاء القسري والاختطافات والقتل خارج نطاق القانون أو بإجراءات موجزة، والتعذيب في مراكز الاحتجاز وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة .

ومع هذا التدبير الاستثنائي للمخيمات الذي لا يمت لقواعد القانون الدولي بصلة، فالحديث عن حماية لساكنة المخيمات بشكل عام يبقى أمرا محدودا وصعب التحقيق، وخصوصا للفئات الهشة من الأطفال والنساء.

فمنذ إقامة مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري، استهدف مسؤولو تنظيم البوليساريو، فئات الأطفال والشباب عبر تهجيرهم إلى دول أخرى للدراسة. وقد شكلت تلك المحطة بداية تشتت أسري وهوياتي غير مسبوق بالمنطقة، الشيء الذي حرم هؤلاء الأطفال من التمتع بالدفء العائلي. وبالتالي الحرمان من النمو النفسي الطبيعي. كما أنه، وخلال إقامتهم المطولة التي تستمر من خمس إلى عشر سنوات قبل أول زيارة إلى الأهل، خضع الاطفال إلى سياسة تلقينهم دروسا مكثفة في الإيديولوجية الاشتراكية والتداريب العسكرية، وإلزامية الاشتغال في حقول السكر وأداء الخدمة العسكرية في سن مبكرة. وحسب العديد من الشهادات المتواترة عن ضحايا عاشوا مأساة هذا التهجير، فإن الأطفال تعرضوا للتحرش الجنسي بشكل مستمر دون إمكانية الدفاع عن أنفسهم لحداثة سنهم.

 

عمل أيضا مسؤولو تنظيم البوليساريو على حرمان فئة من الأطفال من استكمال الدراسة وإكراههم على العمل العسكري، وترديد أناشيد الحرب، رغم أن حرمان الأطفال من سن الطفولة وإلحاقهم في وقت مبكر بالعمل العسكري والعمل الشاق يترتب عنه مضاعفات نفسية خطيرة.

هذا بالإضافة إلى أن تنظيم البوليساريو عمل على استغلال المناهج المدرسية والبرامج في تلقين الأطفال العقيدة الايديولوجية للتنظيم والشحن بالأفكار الداعية للعنف والكراهية والإشادة بالحرب والبطولات العسكرية، وهو ما يتنافى مع مقتضيات اتفاقية حقوق الطفل، التي تحث على التربية على مبادئ وقيم الحرية والمساواة والتسامح بما يعزز انفتاح شخصية الطفل.

 

اليوم، تصر البوليساريو، مرة أخرى، على الاستمرار في انتهاك مقتضيات اتفاقية حقوق الطفل، وخصوصا المادة الرابعة من البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة التي تنص على أنه «لا يجوز أن تقوم المجموعات المسلحة المتميزة عن القوات المسلحة لأي دولة في أي ظرف من الظروف بتجنيد أو استخدام الأشخاص دون سن الثامنة عشرة في الأعمال الحربية» حيث تم الزج بالأطفال في أعمال البروباغوندا الحربية للبوليساريو، وذلك باشراك الأطفال في البروباغندا الحربية بعد تملصها من اتفاقية وقف اطلاق النار يوم 13 نونبر 2020.

 

ما يقوم به تنظيم البوليساريو هو استغلال سياسي وعسكري في حق آلاف الأطفال داخل مخيمات تندوف، استغلال واكب نشأة الجبهة وتطورها ومازال مستمرا معها حتى اللحظة.

 

للأسف هناك غفلة دولية لا تلتفت كثيرا لهذه الفئة عند الحديث عن بشاعة استغلال الأطفال داخل عدد من بؤر التوتر وقد حاولت العديد من التقارير لفت الانتباه لهذه الممارسات اللاقانونية واللاأخلاقية، وإثارة الاتحاد الأوروبي لهذا الأمر مؤخرا رغم أنه جاء متأخرا لكنه يبقى محمودا.

البوليساريو اليوم تتحرك دون حرج رغم استغلالها العلني للأطفال، بما يشبه القفز المتعمد فوق هذا الوضع الشاذ والمتعارض مع مبادئ حقوق الطفل والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

 

نتساءل ما هو الفرق بين تنظيم البوليساريو وباقي التنظيمات الإرهابية في واقعة مجاهرتها باستغلال الأطفال وتباهيها بوجود مشتل احتياطي من حملة أفكارها، وهو ما توثق له الفيديوهات التي يتم توظيفها في الدعاية الحربية التي تظهر أطفالا ضمن استعراضات عسكرية.

ففكرة حظر اشتراك الأطفال في الأعمال العدائية ليست جديدة فهي حاضرة في القانون الإنساني العرفي في أفريقيا، وفي العرف الإسلامي الإنساني، المعمول به في الحروب. كما هي حاضرة من خلال القانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 والبروتوكول الاختياري بها.

كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد عام 1998 يصّنف ظاهرة تجنيد الاطفال ضمن الأفعال اللاإنسانية، ويعتبرها أيضا «جريمة حرب» سواء كان التجنيد طوعيا أم إلزاميا.

 

وبصرف النظر عن كيفية تجنيد الأطفال، وعن الأدوار التي توكَل إليهم، فالأطفال الجنود يبقوا ضحايا الآثار الخطيرة على صحتهم الجسمية والنفسية. وغالباً ما يكونون عرضة للأذى ومعظمهم يواجهون الموت والقتل والعنف الجنسي.

فالمجتمع الدولي ملزم الان بالتدخل لوضع حد لهذه الظاهرة لأنه يتنافى مع الإنسانية أن يتم السماح للأطفال بالمشاركة في الحروب وتعريض حياتهم للخطر، بدلاً من حمايتهم وتقديم الخدمات التي تعنى بصحتهم ورفاههم البدني والنفسي وإشراكهم في أنشطة إيجابية لمستقبلهم، بما في ذلك التربية والتعليم والتكوين.

 

- عائشة الدويهي، رئيسة مرصد الصحراء للسلم والديمقراطية وحقوق الإنسان