الأحد 9 مايو 2021
كتاب الرأي

محمد الساحلي: المغرب بين الافتراضي والواقعي

محمد الساحلي: المغرب بين الافتراضي والواقعي محمد الساحلي
يعرف المغرب هجرات متواصلة ،وأهم هجرة يدشنها اليوم هي الانتقال من الواقعي إلى الافتراضي.
أرقام المندوبية السامية للتخطيط تقول أن 80٪ من الشباب المغربي يقضون أكثر من 8 ساعات يومياً في الانترنيت،أن هذه الهجرة المربكة الى غابات الافتراضي تؤثر في تنامي الأعطاب الاجتماعية،فإذا كان السواء قبلا ربما هو النص الأكثر حضورا،لربما الاختلال اليوم هو النص الأكثر حضورا..و الحال أن المؤسسات المرتبطة بالتنشئة الاجتماعية تعيش زمن الاستقالات، فالأسرة تحولت إلى مؤسسة بيولوجية تختص في توفير المرقد و المأكل والملبس بعدما كانت هي حجرة الأساس في التربية على المبادئ و الأخلاق، المدرسة، أيضا انسحبت تراجعت وانسحبت منها تلك السلطة الرمزية للأستاذ والمعلم وأصبح دوره لا يتجاوز المكتب الذي يلقي منه الدرس في حين ،وبالأمس القريب كانت سلطة هذا المعلم والأستاذ تتمتد خارج الزمن المدرسي وتتجاوز حجرة الدرس لتصل الى الحومة والدوار والسوق...
هذه السلط تتقلص يوميا ومنطق الاستقالة هو الأكثر حضورا...
لقد كان المغاربة يعيشون أكثر في القرى لكن مع 2004 تحديدا سيصير سكان المدن 52٪ و سكان القرى 48 ٪ أما مع سنة 2014 فكانت النسبة 62 ٪ من الساكنة تعيش بالمدن و 38 ٪ لازالت بالقرى...
هذا الانتقال المجالي له علاقات و آثار جليلة في بروز المدن المليونية وما يرتبط بها من عمران، و على التغيير في أنماط الجيرة( حيث كانت تتأسس على المعلومية و أصبحت الآن مؤسسة على المجهول، وكذا التحول في التعريف من اصول اثنية (سوسي ،جبلي عروبي..) إلى أصول رقمية بالاساس (طابق 2، رقم داره 16)...و الخطير جدا هو الانتقال إلى البارصا والريال ،فبعدما كان المغاربة ينسبون الفرد إلى مدينته(طنجاوي ، فاسي ، قصري ...) و أصوله الاثنية أصبحوا يستفسرون الشخص عن (واش نتا بارصاوي و لا مدريدي؟)كسؤال افتتاحي للتعارف اليوم داخل المدن الكبرى...
و مع دخول الانترنت إلى جميع الفضاءات انتقلوا إلى مستويات أخرى للانتماء ( الفايسبوك، التويتر، الواتساب)...
إذا كان المغاربة فيما مضى أكثر ميلا إلى التضامنات الجمعية (الوزيعة، التعركيبة،التويزة...) في مقابل الميز الفردي ،فاليوم أصبحنا ننتج فردا مستقيل من الجماعة، و لعل المثير جدا في هذا الشأن هو تراجع الروابط الاجتماعية ؛لقد تكلم المغاربة في سنة 2014 زهاء 120 مليار دقيقة عبر هواتفهم النقالة،في حين يبقى السؤال المؤلم هو كم خصص من هذه المليارات من الدقائق لصلة الرحم ،للقاءات المباشرة و تمتين الروابط الاجتماعية ؟.
عندما نتحدث اليوم عن النجاح الاجتماعي فإننا نلاحظ أن النمودج الاجتماعي تغير ،فبعدما كان الطموح مرتبطا بالدراسة الاكاديمية ومتمثلا في مهن الطب والقضاء والتعليم و السلطة ..أصبح الآن مرتبطا " بميسي رونالدو أو شاكيرا وماشابه"...
و هذا مؤشر جيد على الانتقال من جيل محظوظ ،كان يحلم بأشياء كان يحس انه محروم منها ، الى جيل هو ضحية البرمجة الاجتماعية التي تعرض لها و ثقافة الاستهلاك التي اشبع بها دون وعي سابق ،فاصبح نمودج النجاح الإجتماعي لذيه هو في الرياضة، هو في الغناء ،هو في الطبخ ؛فين حين أن النجاح الاجتماعي كان مرتبطا بأهل الحرف والسؤال.
إن واقع مؤسساتنا التي رغم عصريتها، فإنها غارقة في الممارسات والتصورات والعلاقات التقليدية لوجود التباسية على مستوى الخطاب والممارسة( بنايات حديثة تدار بعقليات تقليدية)، وهذا واقع يجعل المغربي لا يجد من سبيل أمامه، "سوى اللعب على حبلين في آن واحد: حبل المؤسسات الدولاتية العصرية، وحبل المؤسسات القبلية التقليدية( عملية الانتخابات التي تعتبر أرقى ما وصل إليه العقل البشري للتداول السلمي على السلطة ،تدار بعقلية العار والعهد والقبيلة... )..
أن الازدواجية التي يفرزها المجتمع المغربي والمتمثلة أساسا في ارتفاع المؤشرات التدينية وتضاربها مع بعض تمظهرات الحداثة، ناتج عن ظاهرة الترميق bricolage التي نعيشها، والتي تجعلنا نعيش بعض قيم الحداثة، ونتمسك بها في حين نرفض أخرى نتشبث بالتقليد في مقابلها،وهذا ما يجعلنا نجيد التفاوض مع الواقع ،ما دمنا نجنح نحو الترميق والتناص والتقنع والهروب...