الأحد 25 يوليو 2021
كتاب الرأي

الدكتور حمضي: المنظومةالصحية المغربية..إصلاح عميق مستعجل لمواكبة تعميم التغطية الصحية

الدكتور حمضي: المنظومةالصحية المغربية..إصلاح عميق مستعجل لمواكبة تعميم التغطية الصحية الطيب حمضي

يعد إصلاح المنظومة الصحية الوطنية ركيزة أساسية لنجاح ورش تعميم التغطية الطبية والحماية الاجتماعية. جاءت الدعوة الملكية لـ "إعادة النظر، بشكل جذري، في المنظومة الوطنية للصحة، التي تعرف تفاوتات صارخة، وضعفا في التدبير" خلال الخطاب الملكي بتاريخ 30 يوليو 2018، وتم تأكيده في مناسبات أخرى، وأصبح اليوم مهمة مستعجلة من أجل انجاح المشروع الأكبر نحو العدالة الاجتماعية.

 

المؤشرات الصحية: مكاسب يتعين تحسينها.

لقد بذل المغرب جهودا كبيرة في القطاع الصحي مع نتائج مقبولة. ومع ذلك، فإن المؤشرات أقل من التوقعات والطموحات، وقبل دلك هي أقل مما كان بإمكان المغرب أن يحققه مقارنة مع الإمكانيات المتاحة رغم محدوديتها.

قام المغرب بتحسين الوضع الصحي لسكانه، وكذلك مؤشراته الصحية على عدة مستويات. لقد خفض معدل وفيات الأمهات بأكثر من الثلثين (من 227 لكل مائة ألف ولادة حية إلى 72.6) في ظرف 15 سنة (من 2013 إلى 2018)، وخفض معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة بأكثر من النصف (من 47 لكل 1000ألف ولادة حية إلى 22)، وحسن متوسط ​​العمر المتوقع لمواطنيه بأكثر من ست سنوات.

هناك حاجة ملحة لتعزيز وتقوية الموارد المالية والبشرية والتقنية، بالموازاة مع إصلاح المنظومة الصحية، والاهتمام بالمحددات الصحية الأخرى (التغذية،السكن،مستوى الدخل،الرياضة،العمل، إلخ).

أظهرت الدراسات أنهمن أصل ثلاثين سنة التي تم ربحها الانسان في متوسط ​​العمرالمتوقع خلال القرن الماضي، فان 8 سنوات فقط تعزىلعامل المنظومة الصحية، بينما ال 22 سنة الباقية ترجع الى محددات الصحة الاخرى.المنظومة الصحية تؤثر على الصحة بمعدل 25٪ فقط،وال 75" الباقية لباقي المحددات.

 

مجلس أعلى للصحة: رؤية استراتيجية.

إن الرؤية الاستراتيجية للسياسة الصحية هي أساس اتخاذ القرار السليم والتقييم الناجح.

تستند السياسة الصحية إلى رؤى تتجاوز مدة الانتداب الوزاري بل حتى الولاية الانتخابية والحكومية من أجل تحديد الأهداف والوسائل على المدى الطويل، على عكس البرامج الجزئية والقطاعية والقصيرة الأمد.

غياب أو ضعف رؤية استراتيجية هو إهدار للوقت والميزانيات والمؤشرات الصحية وإهدار فرص فعالية المنظومة الصحية.

وجود مجلس أعلىللسجةمن أجل رؤية استراتيجية وطنية تكون خلاصة نقاش مجتمعي ومتعدد القطاعات،سيمكن منتأطير البرامج المختلفة.

 

نظام صحي قائم على الرعاية الأولية وطب العائلة:

عدم اعتماد المنظومة الصحية على الرعاية الصحية الأولية تستهلك الكثير من الميزانيات والموارد البشرية والبنية التحتية، مع نتائج محدودة. هناك حاجة ملحة لإعادة توجيه منظومتنا الصحية،على غرار الدول المتقدمة والأقل تقدما، نحو الرعاية الأولية، وطب القرب وطب العائلة، والتربية الصحية والوقاية.

طب وصحة القرب هما العمود الفقري لأنظمة صحية فعالة ومنصفة، تجمع بين الفعالية والكفاءة والنجاعة.

نتائج بعض الدراسات:

"يوفر أطباء الأسرة استمرارية أفضل للرعاية الصحية ويؤمنون انخفاض معدلات الاستشفاء والوفيات بجميع الأسباب"

"يرتبط كل طبيب عائلةإضافي لكل 10ألف نسمة بانخفاض معدل الوفيات بنسبة 6٪ تقريبًا"

" كلما كان توجيه المنظومةالصحية نحو الرعاية الأولية، انخفضت تكاليف خدمات الرعاية الصحية الشاملة. "

"تعمل الرعاية الصحية الأولية أيضًا على تحسين تكافؤ الخدمات الصحية. لذلك فإن أي نظام صحي يقوم على رعاية صحية أولية مستدامة سيكون أكثر إنصافًا وفعالية وكفاءة. "

 

تحديان رئيسيان: الانتقال الديموغرافي والانتقال الوبائي:

الانتقال الديموغرافي: واحد من كل 10 مغاربة يزيد عمره حاليا عن 60 سنة. في سنة 2050 سوف يتضاعف هذا الرقم ثلاث مرات.

كبار السن والأمراض المزمنة: المزيد من الطلب على الرعاية الصحية والمزيد من النفقات.

نفقات التامين الاجباري عن المرض: من هم فوق سن الستين يستهلكون 70٪ من النفقات، ومن هم أقل من 60 سنة يتقاسمون الـ 30٪ المتبقية.

الانتقال الوبائي: 3 من أصل 4 وفيات في المغرب حاليًا لم تعد تُعزى إلى الأمراض المعدية.

3٪ منالمؤمنين يستهلكون أكثر من 50٪ من النفقات بسبب الأمراض المزمنة.

 

المسار المنسق للعلاج: ترشيد الموارد.

أضحى مسارالمريض من أجل العلاج أكثر تعقيدًا بسبب أنظمة صحية بمثابة متاهات من حيث تنظيمها وتنوعها وتخصصاتها المختلفة.

المسار الغير واضح هو مصدر إهدار للوقت والتمويل وإساءة استخدام الموارد البشرية الغير الكافية أصلا.

المسار المنسق للعلاج: لكل مواطن الحق في اختيار طبيبه المعالج الذي يوجهه ويرافقه وينسق مساره في المنظومة الصحية، من أجل ترشيد جهود المهنيين الصحيين، والإنفاق الصحي، واستخدام البنى التحتية وتحسين جودة الرعاية.

 

الموارد البشرية عجز مزمن يتفاقم.

الموارد البشرية: النقص والهجرة وانعدام جاذبية القطاعين العام والخاص.

المغرب، الذي به 28 ألف طبيب،يحتاج إلى 32 ألف طبيب آخر حسب معايير منظمة الصحة العالمية، بينما يقيم حوالي واحد من كل ثلاثة أطباء مغاربة بالخارج. تتوفر فرنسا مثلا، للمقارنة، على أزيد من 250 ألف طبيب.

من دروس الجائحة أن نعتمد أساسا على مواردنا من اجل مصلحة منظومتنا وسيادتنا وأمن بلدنا الصحي: تكوين مزيد من الأطباء والمهنيين الصحيين.

إنتاج المزيد من الأطباء، ولكن أيضًا الحفاظ عليهم، وتشجيع الكفاءات المقيمة بالخارج على العودة إلى البلاد، بخبراتهم وتجاربهمالمتنوعة.
من المرجح في أعقاب جائحة كوفيد 19،أن تتفاقم ظاهرة هجرة الأطباء من دول الجنوب، بسبب زيادة الطلب عليهم وزيادة الاغراءات من طرف دول الشمال.

تحسين الظروف المادية للعاملين الصحيين في القطاع العام وتحسينظروف عملهم.

إصلاح البيئة الاجتماعيةوالقانونية للممارسة الطبية بالقطاع الخاص، والجبايات،ومراجعةالاتفاقيات مع صناديق التأمين، لجعل القطاع أكثر جاذبية.

القطاع الطبي الحر هو قطاع خاص يقدم خدمة عامة، ويجب معاملته على هذا النحو، لتمكين المواطن من التمتع بحق يكفله الدستور: الحق في الصحة.

 

البطاقة الصحية: العدالة الترابية والاجتماعية، ترشيد عرض الرعاية الصحية.

التفاوتات بين المناطق: يعمل أكثر من 50٪ من الأطباء في محور الجديدة الدار البيضاء الرباط القنيطرة.

4 مغاربة من كل 10 يقطعون أكثر من 10 كيلومترات للوصول لأول نقطة صحية.

التفاوتات الاجتماعية.

الخريطة الصحية مطلب اساسي لضمان العدالة الترابية والاستغلال الأمثل للموارد البشرية والمالية والبنية التحتية.

توجيه الاستثمارات العمومية والخاصة نحو المناطق الاقل تغطية وفق معايير محددة في الخريطة الصحية. سياسة الحوافز ضرورية لإنجاح في التحدي.

 

الجهوية المتقدمة.

لامركزية التفكير والإدارة والتدبير والبحث عن الحلول. إشراك الفعاليات الجهوية والمحلية لمزيد من النجاعة بفضل استيعاب الخصوصيات المحلية.

 

التمويل الصحي: إعاقة هيكلية.

الإنفاق الصحي أقل من 6٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

يتم تغطية أكثر من 50٪ من هذه النفقات من قبل الأسر.

ميزانية وزارة الصحة أقل من 6٪ من الموازنة العامة.

إنفاق الفرد على الصحة منخفض. تقدر منظمة التجارة والتعاون الأوربي OCDEأن علىالمغرب أن يرفع، في أفق سنة 2030، مستوى الإنفاق الصحي بمقدار 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، ليبلغ 8.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي،أو 107 مليار درهم بما في ذلك 77 مليار درهم من الميزانية العامة، من خلال العمل على توسيع التغطية الصحية (التعميم) وتعزيز المساهمات، والمداخيل الجبائية.

الضرائب الداخلية على استهلاك المنتجات الضارة بالصحة (التبغ والكحول والسكر)، وكدلك ربح تأثيرها على سلوك المستهلك.

وضع نظام ضريبي بيئي حقيقي من اجل تمويل النفقات الصحية، بجانب دور هده الضرائب في تحسين الصحة العامة.

 

الشراكة بين القطاعين العام والخاص: تعزيز المتاح، التوجه نحو المستقبل.

شراكة بين القطاعين العام والخاص لتعبئة الموارد المالية، مع إدماج القطاع الخاص في سياسة الصحة العامة، والاستفادة من خدمات الموارد البشرية للقطاع الخاص، وبنيته التحتية واستثماراته.

ترشيد استخدام عروض الرعاية الصحية من خلال دمج الهياكل والخدمات التي يقدمها القطاع الخاص، وسد الثغرات في الخدمة العمومية، وتجميع استخدامالموارد البشريةوالاستشفائية والتقنية.

94٪ من نفقات التامين الاجباري عن المرض AMOيستقطبها القطاع الخاص. ويلجأ أكثر من 9 مغاربة من بين كل 10 من المؤمنين إلى خدماتالقطاع الخاص.

 

 

جعل القطاع الصحي الخاص أكثرجاذبية:

بالإضافة إلى نقص الموارد البشرية، يحتاج قطاع الصحة إلى استثمارات لتحديث القطاع الاستشفائي..

يوجد في المغرب حوالي 33 ألف سرير في المستشفيات، ثلثها تقريبا بالقطاع الخاص. هذه النسبة التي تقل عن سرير واحد لكل ألفنسمة بالمغرب، هينصف نظيرتها بجارينا بالمغرب الكبير، وتبلغ بفرنسا حوالي 7 مرات أكثر، و14مرة أكثر بالبلدان الاكثر تفوقا.

سواء بالنسبة للمهنيين،أو للاستثمار الوطني أو الأجنبي، يحتاج القطاع إلى مراجعة شاملة.

مراجعة الاتفاقيات والتعريفة المرجعية الوطنية لـ TNR، والتي تعود إلى اتفاقية 2006،والتي كان ينبغي مراجعتها كل ثلاث سنوات. مراجعة مصنف الاعمال المهنية الطبية،مدونة للمسؤولية الطبية، حوسبة المنظومة الصحية، حوافز لتشجيع تطبيب المناطق الاقل استفادة من العرض الصحي.

 

الاستثمار في الصحة والتقنيات الجديدة: Health Tech.

قطاع الصحة واعد للاستثمار. في المغرب،هناك:عجز يتعين سدّه، وتعميم التأمين الصحي الذي سيولد المزيد من الطلبات على الرعاية، والنمو الديموغرافي، وشيخوخة السكان، وزيادة الطلب المتزايد على الرفاه.

قطاعات الاستثمار الوطني والأجنبي في الصحة:

- قطاع خدمات الرعاية (الاستشفاء،الرفاه،المختبرات،الأشعة، إلخ)

- صناعة الادوية

- معدات طبية

- التقنيات الصحية الجديدة،Health Tech، بما في ذلك:

MedTech: أدوات التشخيص والعلاج.

Biotech التكنولوجيا الحيوية : الأدوية الحيوية وغيرها.

E-santé الصحةالإلكترونية : الرقمنة ، التطبيب عن بعد ، الروبوتات….

التقنيات الجديدة (مثل الطب عن بعد) كطريقة لدمقرطة الوصول إلى رعاية صحية دات جودة، مع خفض التكاليف وضمان جودة الحياة. كلما انخرطنا مبكرا وبشكل قوي في التكنولوجيات الجديدة، كلما زادت هذه التقنيات من ضمان التكافؤ الفرص والنجاعة بدلاً من النخبوية والتفاوتات.

 

التغطية الصحية: دور هيكلي.

التغطية الطبية والتأمين الصحي: الضعف، وضعف النجاعة والتشتت، تعيق الولوج إلى الرعاية الصحية.

إن المنظومة الصحية مدعوةالآن، وبشكل متزايد في المستقبل (مع تعميم التغطية الطبية)، للاستجابة للطلب المتزايد على الرعاية الجيدة.

أكثر من 50٪ من الإنفاق الصحي تتحمله الأسر بشكل مباشر.

بالنسبة للمؤمنين أنفسهم: 30 إلى 50٪ من النفقات يتحملونها من ميزانياتهم الخاصة عدى الاشتراكات الشهرية التي يؤدونها ويؤديها عنهم المشغلون، وهي نسبة تزداد ارتفاعا من سنة إلى أخرى بدلاً من التراجع. هدا العامل يشكل عقبة امام استفادة المؤمنين من دوي الدخل البسيط من الرعاية الصحية.

ترشيد نفقات التامين الصحي: مراجعة التعريفة الوطنية وتصنيف الاعمال المهنية الطبية، وبروتوكولات العلاج الاطارات المرجعية للرعاية الصحية.

 

تعميم التأمين الصحي: الصحة والتنمية والسلم الاجتماعي.

من أجل ضمان الوصول العادل والمتكافئ للرعايةالصحية، وإعداد المنظومة لمواجهة تحديات الانتقال الديموغرافي والوبائي.

 

حوكمة قطاع الصحة العمومية:

المزيد من الميزانيات لا يحسن بالضرورة وبشكل متناسب العرض الصحي العمومي ولا المؤشرات الصحية.

التحسين والترشيد والنجاعة والجاذبية.

يجب تأهيل المستشفى العمومي بإجراء إصلاحات بعيدة المدى حتى يكون أكثر جاذبية ويستقطب نصيبه من مصاريف التغطية الصحية، بدلًا من 6٪ فقط التي يتحصل عليها حاليًا. يجبتقوية قدرته التنافسية لأجل ضمان استمراريته، ولأجل صحة المواطنين، ومن أجل تنويع وزيادة مصادر تمويله خصوصا مع تعميم التأمين الصحي.

 

برنامج وطني لتدبير الأزمات الصحية:

البلدان التي كانت مهيأة لمواجهة الأزمات الصحية عانت أقل من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والصحية من الجائحة الحالية.

حسب تقرير وتقديرات البنك الدولي فبإمكان الدول انشاء برامج ادارة الازمات الصحية بميزانية قدرت كلفتها ب 1.69 دولار أمريكي للفرد، وبالتالي حماية المنظومة الصحية والحياة الاجتماعية والمجتمع والاقتصاد بشكل أفضل.

 

مختلفات:

التشريعات، النظام الجبائي، التكوين الطبي، البحث العلمي، السيادة والامن الصحي الوطني، جعل المغرب قاعدة للخدماتوالمنتجات الصحية نحو اروبا (القرب من اروبا كعامل لاستقطاب لتحويل الاستثماراتالأوربيةمن اسيا نحو المغرب)، وتنويع العرض الصحي لفائدة أفريقيا.

 

الطيب حمضي، طبيب وباحث في السياسات والنظم الصحية.