الأحد 9 مايو 2021
فن وثقافة

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (5)

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (5) وجوه من مدينة الضباب

يوم الاثنين، استيقظت على صوت المنبه، ضغطت على الزر في حركة لا إرادية كي أوقف الرنين، حاولت أن أغمض عيني فأعود للنوم ثانية لكن لم أفلح، فاستسلمت لضرورة النهوض بعد ذلك للقاء صديقي محسن، توجهت نحو خزانة الملابس واخترت لباسا مناسبا لهذا اليوم الذي قد أحظى فيه بفرصة عمل مع الأتراك في قطاع النسيج. قصدت محطة "أرنوس غروف"، تسلقت المترو في اتجاه محطة "رويال أوك"، وجدت محسن في انتظاري، إنه رجل المواعيد بامتياز، صوبت عيوني نحو ساعة ضخمة مثبتة على جدار المحطة، كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحا .

 

تزامن وقوفنا في المحطة مع مجموعة من شباب البانك على نفس الرصيف، تسلقنا القطار وانطلق بنا نحو شرق لندن، كانت أول مرة في حياتي أرى هذا الصنف من البشر برؤوس نصف حليقة بعد أن كنت أشاهدهم في الأفلام فقط .

 

كانت ظاهرة حركة "البانك" منتشرة خلال الثمانينيات ببريطانيا وأمريكا، وهي نوع من التمرد والاحتجاج ضد قضايا اجتماعية وسياسية بشكل فوضوي وعنيف. يعتمد البانك خلال الشجار على ضرب مبرح بآلات حادة، يطرحون بعض الأفكار الغريبة ويدلون بآراء سياسية يمينية موغلة في العنصرية وبغض الأجانب. يدعون الثورية لكنهم فوضويون لا غير. مخلوقات عجيبة وكأنها حطت من كوكب آخر على عكس حركة الهبيز المسالمة والمعروفة بثقافة الزهد والسلم العالمي.

 

"البانك" مجانين، إذا حدثتك نفسك وتطاولت على أحدهم فاعلم أنهم "سيملخونك ملخا" بأقدامهم الضخمة ويرسلونك جثة شبه هامدة إلى أقرب مستشفى لتقضي أياما مسجى فوق سرير العناية المركزة. لحظة الشجار يتحول البانك إلى وحوش آدمية توزع العنف بدون أي رحمة تذكر، غالبا ما يرفسونك بأحذيتهم العسكرية السوداء ويذيقونك سوء العذاب، يرتدون ملابس جلدية غريبة كوسيلة للتعبير عن أفكارهم الشاذة. يرفضون القيم النمطية للمجتمع، يظهرون بسراويل جلدية سوداء وتسريحات شعر ملونة على رؤوس نصف حليقة وكأنهم ديكة تيلاندية مقاتلة. يتزينون بمجوهرات معدنية مرصعة على أكتافهم وأقراص مثبتة على آذانهم وأنوفهم وشفاهم المصبوغة بألوان داكنة. كنت أتخيلهم كأشباح انبعثوا من فيلم رعب "إكزورسيست". أحدهم واقف قرب محسن ممسك بكلب جرماني ضخم يبصبص بذيله. يحدق الشاب البانك في عيني كلبه، يعانقه تارة بقوة ويمسد بيده على ظهره، ويحضنه تارة أخرى وكأنه طفل مدلل، ثم يقبله في مشهد حميمي نادر بين إنسان وحيوان، يحدث كلبه بإيماءات وإشارات لا يفهمها أحد سواهما. ظننته يحدثه بلغة "البانك".

 

حط القطار بمحطة "هاكني ويك" بعد نصف ساعة. خرجنا مهرولين نحو معمل النسيج الذي يعمل به محسن. ولجنا البواب الخلفي، واتجهنا إلى الإدارة نسأل عن المدير التركي. قدمني محسن للمدير كعامل جديد يبحث عن فرصة عمل، لكن خاب أملنا لما تلقينا ردا سلبيا على الفور. قال التركي أن ليس لديه مكان شاغر. أشار علينا بمصنع صغير بجواره يعود لرجل أعمال يوناني يدعى جورج. ذهبنا إلى المعمل فسألنا عن جورج، وكان عبارة عن ورشة لتصنيع الأحذية في كراج لا تتعدى مساحته ستون مترا. استقبلنا الرجل بابتسامة ودودة، وكلمه صديقي عني، فرد علينا بالإيجاب فورا لأنه كان يعاني من نقص شديد في العمال. طلب مني أن أشرع في العمل معه حالا، فقبلت العرض دون تردد .

 

كان الورش يضم حوالي اثني عشر عاملا. نشتغل على شكل سلسلة إنتاجية. كل فرد منا يشكل حلقة منها تحت إشراف شاب قبرصي يدعى "هكتور".

 

منحني "هكتور" الطاولة رقم 6 وشرح لي المهمة المنوطة بي، وبعدها منحني آلة مثقاب يدوي لأقوم بتثبيت ثقوب مزدوجة الجانب على قطع مفصلة من الجلد والمطاط.

 

التفت حولي فوجدت شابة قبرصية جميلة تشتغل بجواري. وبشكل لا إرادي وجدت عيني متسمرتين على تقاسيم وجهها رافضتين أن تشيحا النظر عنها، فتاة فاتنة جذابة أعجبت بها من الوهلة الأولى. بدأ قلبي يخفق، نبضاتي تتسارع كلما التقت أعيننا فتفضحني لغة العيون. كانت سوزان تقوم بخطوط ورسوم لتلك الثقوب على تلك القطع الجلدية قبل أن تدفعها لي، تشتغل في الطاولة رقم 5 المحاذية.

 

سألني هكتور :

- ما اسمك ومن أي بلد أنت؟

- أجبته: أنا عبدو من المغرب...

- رد علي بوجه متجهم وابتسامة صفراء: أبي قتله الأتراك في حرب قبرص سنة 1974، وأنت تذكرني بهم، شكلك يبدو كالأتراك، حدثني بنبرة يطبعها شيء من الهزل.

 

علمت بعد ذلك أنه شخص عنجهي متعصب لا يكن أي ود للمسلمين. ربما بسبب خلفية وفاة أبيه على يد الأتراك في الحرب كما يدعي. كلنا يعلم مدى الحساسية القائمة بين الأتراك واليونانيين في جزيرة قبرص التي قد تصل إلى حد الحقد والبغضاء .

 

سوزان هي أيضا قبرصية يونانية، لكنني أقرأ في عينيها شيئا آخر. فتاة حسناء بملامح عربية وجمال متوسطي. وجهها مستدير وأنفها دقيق، شعرها أسود ممزوج بخصلات بنية تسدله على كتفيها. سحرتني بعينيها اللوزيتين. عندما تقترب مني لتحدثني تتسارع نبضات قلبي. يكتسحني إحساس يشبه التوتر والنرفزة .

 

توالت الأيام هكذا بنظرات مني وخجل منها، في اليوم التالي استجمعت شجاعتي واقتربت منها ساعة الاستراحة فقلت لها: هل ممكن نتناول وجبة الغذاء سويا بالمطعم المجاور؟ ردت علي بابتسامة منقبضة وحمرة خجل: نعم مرحبا بك، يسعدني ذلك .

 

مشيت بجانبها في الطريق، شعرت ببعض الارتباك، حاولت انتقاء بعض الكلمات في ذهني لكن لغتي الإنجليزية لم تسعفني، خيم علينا بعض الصمت والخجل، رفعت عيني نحوها فوجدتها تبتسم، جذبتني ابتسامتها، حاولت إذابة الجليد بالحديث عن الطقس فقلت: الطقس جميل اليوم، فردت علي: الطقس معتدل وكأننا في إحدى بلاد البحر المتوسط. استطبت رنة صوتها الناعم الذي تكسوه عذوبة وبحة هامسة .

 

أخذنا مكاننا في المطعم وجلسنا متقابلين في طاولة متواضعة، كان أغلب الرواد من عمال المنطقة الصناعية.

 

قلت لها: منذ أول مرة رأيتك وأنا أود أن أتحدث إليك.

- مرحبا بك، هذه فرصة جميلة لأتعرف عليك، فأنا أول مرة ألتقي بشاب عربي.

 

كان هكتور يراقبني من زاوية مقابلة وكأنه يحسب أنفاسي، ينظر إلي بنظرات حادة لا تبعث على الارتياح، فسألت سوزان: لماذا ينظر إلي هكذا؟

- ردت علي: إنه شاب قبرصي من بلدي، حاول أن يتقرب مني، ولما جالسته وجدته منطويا منغلقا على نفسه، صعب المراس ويكتنز مخزونا من الثقافة المتعصبة، فقررت أن أتجاهله بعد ذلك.

- أتمنى ألا أتسبب لك في مشاكل وإزعاج في ورشة العمل.

- لا عليك، جورج صديق قديم لوالدي وهو راض عن عملي، لا تلتفت إليه كثيرا، فهو لن يروقه هذا المشهد، وأعلم ان الغيرة تحرق قلبه. ثم سألتني:

- حدثني عن المغرب؟ فكل ما أعلم، أنه بلد عربي مسلم، يتزوج فيه الرجال بأربع نساء، قالتها وهي تبتسم كأنها تمزح .

- بلدنا يختلف عن بلدكم في كل شيء، دين، لغة، أسلوب حياة، عادات، تقاليد ونمط تفكير، نحن في الشرق وأنتم في الغرب، نحن مسلمون وأنتم مسيحيون أورثدوكس، المشترك الوحيد بيننا هو الانسانية وسحنة المواطنين، لأن القبارصة يشبهون العرب في ملامحهم وشكلهم الخارجي بحكم تداخل التاريخ والجغرافية .

- هذا صحيح، شكلك يوحي بأنك يوناني أو صقلي، من اليوم سأناديك بصديقي الصقلي، فانا معجبة برجالهم هههه .

- حسنا، الصقليون يتصدرون المافيا الإيطالية وأنا لست كذلك هههه .

- هل أعجبك الطعام؟

- نعم، لذيذ ويشبه دونر كباب التركي .

- أنا أفضل طبق "موساكا" وهو أحد أشهر الأطباق اليونانية الشهية. لحم مفروم مع بطاطس وبذنجان مع صلصة بشاميل يوضع داخل الفرن على شكل لازانيا .

 

بعدما فرغنا من الطعام، توجهت إلى صندوق الحساب لأدفع ثمن الفاتورة كاملة، فانتفضت الشابة معترضة على ذلك بإصرار كبير، كانت تصر أن يدفع كل واحد منا عن نفسه، فقلت لها الثقافة الشرقية تقتضي من الرجل أن يدفع الفاتورة لوحده عندما يجالس امرأة في مقهى أو مطعم، فاستغربت لهذا الكرم العربي. أضفت قائلا: ألم أقل لك أن ثقافتنا المشرقية تختلف عن ثقافتكم؟

 

رجعنا مسرعين لاستئناف العمل، بينما عيون هكتور تمزقني وترصد حركاتي .

استشعرت بعض الضيق والتوتر من نظراته المريبة، خصوصا بعدما استيقنت أنه يكره الأتراك والمسلمين. كنت أذكره بقاتل والده! إضافة أنني أصبحت الآن غريمه على قلب امرأة يعشقها ويتودد بشتى الطرق للوصول إليها، لكن سوزان كانت حقا تمقته وترفضه .

قلت في نفسي: حظي التعيس مازال يطاردني، فأنا لا يهمني سوى جمع بعض المال لأعود للمغرب في بداية شهر أكتوبر وأنهي سنتي الدراسية الأخيرة.

 

في صبيحة يوم الغد، اقترب مني هكتور، وبدأ يراقب عملي، يدقق النظر في ثقوب مثبتة على قطع الجلد. لاحظ أن بعضها ليس في موضعها المرسوم. كان يتربص بي ويتصيد أخطائي لأنه يتخيلني تركي قتل أباه. نادى هكتور على جورج ليشكوني إليه وعيون سوزان لا تفارق المشهد. فتدخلت فورا لتنقذني منه مخاطبة جورج: إنها ثقوب لابأس بها، عبدو شاب لطيف وحديث العهد بالعمل. فاقتنع جورج بكلام سوزان وانصرف عني. تنفست الصعداء وبدأت أحترز من هكتور كثيرا وأتجنبه. انهمكت في عملي متفاديا ملاحظاته المكشوفة. إنه شاب عنصري متعصب سلطه الله علي في هذا الورش لأسباب نعرفها جيدا أنا وسوزان .

 

كنا قد تعودنا أن نخطو مع بعضنا إلى محطة المترو عند انتهاء العمل، ونتوقف عند الرصيف للحظات. نستغرق في حديث  شيق. مع مرور الوقت بدأنا نشعر بتيار عاطفي يسري بيننا، فضربنا موعد لقاء يوم عطلة الأحد بمحطة "بيكاديلي" لمشاهدة فيلم في إحدى دور السينما .

 

لم يكن سهلا علي فهم أحداث وتفاصيل الفيلم جيدا. كانت صديقتي تشرح لي ما يفوتني من عدم استيعاب للمشاهد. شعرت بدفء عاطفي يسري بيننا، كان إحساسا رقيقا، كنت كطفل بين يدي أحضانه أمه الحنونة.

 

 بدأت العلاقة بين سوزان وبيني تزداد قوة يوما بعد يوم، ولغتي الإنجليزية بدأت تتطور هي أيضا. بعدما أنهينا من السينما تسكعنا في شوارع سوهو و"ليستر سكوير" وكأنها دليلي السياحي. ميدان "كوفن غاردن" مكتظ بسواح يتجمعون حول فرق موسيقية تؤدي معزوفات متنوعة. بعد ذلك دعتني لتناول بوظة مثلجات إيطالية، وقع ذوقي على بوظة بنكهة كراميل والفراولة .

 

أخذنا نتجول في شوارع "ريجنس بارك" وكأننا عشيقان إيطاليان، نتجاذب أطراف حديث رومانسي في تناغم وهدوء إلى أن وصلنا محطة أكسفورد ستريت .

 

شكرت سوزان على هذا اليوم الممتع الذي أمضيته معها. شعرت بخفقان قلبي وحرارة تعلو وجهي وأنا أودعها. إنها فتاة جميلة متواضعة. نظرت إلى عينيها وقرأت أفكارها التي تسبح في بحر من المشاعر الغامضة وكأنها تريد أن تبوح بشيء ما. ضممتها إلى صدري وودعتها بحضن دافئ دون ان تنبس ببنت شفة .

 

كان أول حلم رومانسي عشته في حياتي. افترقنا عند مدخل المترو فتسلق كل واحد منا قطاره وأخذ وجهته...