الأحد 9 مايو 2021
سياسة

أحمد نور الدين: بعد تسونامي فتح القنصليات.. هل ستفوت أوروبا قطار الصحراء المغربية؟

أحمد نور الدين: بعد تسونامي فتح القنصليات.. هل ستفوت أوروبا قطار الصحراء المغربية؟ أحمد نور الدين مع علم الاتحاد الأوروبي

عرف ملف الصحراء المغربية تحولات استراتيجية على عدة مستويات، كان أبرزها افتتاح 21 قنصلية أجنبية في مدينتي العيون والداخلة، تمثل دولا عربية وإفريقية ومن أمريكا اللاتينية. وقد شكل اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية في العاشر من دجنبر 2020 بالسيادة المغربية على إقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب منعطفا جيو-سياسيا غير مسبوق في تاريخ النزاع الذي تقوده الجزائر منذ نصف قرن ضد وحدة المغرب وسلامة أراضيه.

 

وأكيد أن هذه الخطوة سيكون لها انعكاسات على مسار القضية سواء داخل أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أو على صعيد الموقف الغربي والدول الأوربية عموما، وذلك بالنظر إلى كون واشنطن هي حاملة القلم في القرارات الأممية ذات الصلة بقضية الصحراء. بمعنى أنها هي التي تتولى كتابة مسودة كل مشاريع القرارات في هذا الموضوع قبل عرضها على مجلس الأمن للنقاش والتصويت. وبالتالي من المتوقع أن يشهد التعاطي مع الملف منحى جديدا يتماشى مع الموقف الأمريكي المساند للشرعية التاريخية لمغربية الصحراء، او على الاقل هذا ما يفترض ان يكون.

 

ولا شك أن الموقف الأمريكي سيؤثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على مواقف الدول الأوروبية التي غالبا ما تصطف مع واشنطن في بؤر التوتر الدولية، على اعتبار التحالف الاستراتيجي بين هذه الكتلة الجيوسياسية التي يطلق عليها «الغرب»، والتي تلعب فيها واشنطن دور الموجه والبوصلة لأسباب اقتصادية وسياسية واخرى امنية وعسكرية.

 

ولعل ما سيعزز تسريع الاعتراف الاوربي بسيادة المغرب على كامل أراضيه من طنجة الى الكويرة، هو أن القرارات الأممية منذ 2007 وهي تتحدث عن الحل السياسي الواقعي المتوافق عليه، مما يعني أن الحل لن يكون خارج السيادة المغربية. وبما أن المنتظم الدولي تأكد أن الجزائر هي الطرف الذي يغذي هذا النزاع بالمال والسلاح، وأن الجزائر هي التي تحتضن المشروع الانفصالي وتسخر له كل آلتها الدبلوماسية، وتأكد لدى العالم أيضا أن الجزائر هي التي تعرقل كل الحلول التي طرحت لإيجاد مخرج لهذا النزاع ومنها رفض الجزائر لمخطط جيمس بيكر الأول من خلال رسالة وقعها الرئيس الجزائري سنة 2001 موجهة إلى رئيس مجلس الأمن والامين العام للأمم المتحدة، وقبل ذلك عرقلت الجزائر الاستفتاء من خلال انسحاب ممثلي الجبهة الانفصالية من لجان تحديد الهوية، وأخيرا من خلال تحريضها لميلشيات الانفصاليين على إجهاض مسلسل التسوية بسبب الاعتداء على سلامة الطريق الدولية الرابطة بين المغرب وموريتانيا على مستوى معبر الكركرات، ثم بدفعها الجبهة الانفصالية للانسحاب والتحلل من اتفاق وقف إطلاق النار وإعلان الحرب «الكرتونية» على المغرب، حيث وصل عدد البلاغات الحربية إلى حوالي 150 بلاغا تقر فيها جبهة تندوف بالهجوم والعدوان على المغرب، بعد كل هذه الأحداث وبالنظر الى كل هذه الحيثيات من المفترض في كل دولة تحترم الشرعية الدولية أن تسحب غطاءها عن المؤامرة الجزائرية وخطتها المكشوفة لضرب استقرار المغرب والتي تهدد السلام في المنطقة الممتدة من الصحراء إلى جنوب المتوسط برمتها. وسيكون من العبث الاستمرار في مسلسل اللامفاوضات الذي استمر ثلاثين سنة قدم فيها المغرب جملة من التنازلات وقدم فيها المنتظم الدولي العديد من المبادرات كان مصيرها كلها العرقلة والصد من الطرف الجزائري والانفصالي.

 

وفوق كل هذا كان من الأجدر بالدول الأوروبية عموما، وفرنسا وإسبانيا خصوصا، أن تكون السباقة إلى الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، لأن هذه الدول كانت إما شاهدة على تقسيم أراضي الإمبراطورية الشريفة، كما كان يطلق على المغرب في القرن التاسع عشر، مثل ألمانيا التي احتضنت مؤتمر برلين 1884 وإسبانيا التي احتضنت معاهدة مدريد 1880، وإما ان هذه الدول الأوروبية كانت متورطة في تقسيم أراضي المغرب لمناطق نفوذ، وهذا ما ينطبق على فرنسا وإسبانيا، من خلال اتفاقيتيهما مع المغرب كل على حدة في للامغنية 1845 ثم تطوان 1860، أو الاتفاقيتين السريتين بين باريس ومدريد سنتي 1902 ثم 1904 حول المغرب ثم اتفاقية 1905، وبعدها اتفاقية الجزيرة الخضراء 1906، وصولا إلى اتفاقية خط ترانكي ligne Trinquet للعام 1938. ويكفي الرجوع إلى هذا الأرشيف الأوربي لينكشف حجم المؤامرة الأوربية لتقسيم أراضي المملكة المغربية وتقزيمها وتقليص مجالها الحيوي واقتطاع أجزاء كبيرة من حدودها الحقة والأصلية.

 

وإلى جانب هذه الحجج التاريخية، هناك ازدواجية مرفوضة تمارسها الدول الأوروبية على المستوى الدبلوماسي، فهي تعترف للمغرب بالصحراء في اتفاقيات الصيد البحري، لأنها تهدد الآلاف من مناصب الشغل للصيادين الإسبان والأوربيين، ولكنها ترفض الحسم في موقفها النهائي من السيادة المغربية، رغم استيقانها من شرعية الموقف المغربي، وهذا لا يجد تفسيره إلا في الانتهازية الأوربية التي تمارس الابتزاز على المغرب باللعب على الحبلين وإبقاء شمعة النزاع مشتعلة لانتزاع المزيد من الامتيازات والصفقات الاقتصادية والعسكرية.

 

ويبدو أن فرنسا التي كانت طيلة هذا النزاع الأقرب إلى المغرب خطت الاسبوع المنصرم خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح من خلال افتتاح حزب «الجمهورية إلى الأمام»، حزب الرئيس الفرنسي ماكرون، فرعا له في مدينة الداخلة سيحتضن تمثيلية الحزب على مستوى شمال وغرب إفريقيا. وتأتي هذه الخطوة في أعقاب نداءات العديد من الشخصيات السياسية الفرنسية والأوربية للاعتراف الكامل والتام بسيادة المغرب على الصحراء، وآخر هذه الاصوات السيناتور الفرنسي كلود كيم نائب رئيس لجنة الشؤون الأوربية بمجلس الشيوخ الفرنسي.

 

كما أن فرنسا وإسبانيا تتخوفان من أن يفوتهما القطار في المشاريع الاستثمارية الكبرى التي ستعرفها الصحراء المغربية سواء في البنيات الطرقية والسككية والمينائية وبقية الاوراش الكبرى، أو في استغلال الكنز الأطلسي تحت البحر. ولعل في افتتاح الصين لبعثة اقتصادية في الأقاليم الجنوبية وتزايد عدد شركاتها بالأقاليم الجنوبية، وزيارة وفد اقتصادي حكومي روسي للعيون. وقبل ذلك زيارة نائب وزير الخارجية الامريكي، ديفيد شنكر، لمدينة الداخلة للاطلاع على أشغال تهيئة البناية التي ستحتضن القنصلية الأمريكية العامة، بالإضافة إلى مناورات الأسد الإفريقي التي ستشمل مناطق في الصحراء المغربية بمشاركة دول أوروبية وإفريقية وعربية، لعل في ذلك كله إشارات للتحولات الجارية والتي تدق في نفس الوقت ناقوس الخطر لدى جيراننا في الشمال للتسريع بركوب القطار قبل فوات الأوان.

 

وقد فهم المغرب منذ فترة طويلة أهمية تنويع الشراكات الاستراتيجية خارج الحلفاء الكلاسيكيين في الضغط على الدول المترددة في مساندة الشرعية والاعتراف بمغربية الصحراء، كما أن المملكة أرسلت عدة رسائل واضحة وأخرى مشفرة حول الأوراق التي يملكها المغرب، ولعل من بينها التعاون الأمني والشراكة الاقتصادية التفضيلية وإغلاق الحدود مع المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية وغيرها كثير.

 

وعلى أي بر رست سفينة القرار الأوروبي، فالمؤكد أن المتغيرات الاستراتيجية التي عرفتها قضيتنا الوطنية المقدسة، وتعرفها الساحتان الإقليمية والدولية تسير باتجاه الطي النهائي لهذا النزاع في السنوات القادمة، بما يعزز وحدة الوطن وسلامة أراضيه، ولكن ذلك يستدعي مضاعفة التعبئة على كل المستويات لخوض آخر المعارك في الاتحاد الإفريقي واللجنة الرابعة.

 

- أحمد نور الدين، كاتب ومحلل سياسي متخصص في قضية الصحراء المغربية