الأحد 9 مايو 2021
فن وثقافة

الحسن زهور :دراسات في الأدب الحكائي الأمازيغي(1)

الحسن زهور :دراسات في الأدب الحكائي الأمازيغي(1) الحسن زهور
يعتبر الأدب الحكائي الأمازيغي من أغنى الآداب الحكائية العالمية، وهو أدب مرتبط بكل مناحي الحياة الانسان المغربي ويحمل نظرته و رؤاه الى الحياة والى الوجود. 
وفي هذا الإطار  تنشر " أنفاس بريس" في هذا الشهر الرمضاني، سلسلة من الدراسات من إعداد الكاتب والأديب الحسن زهور، بهدف تقريب المغاربة من أدبهم الأمازيغي، الذي يعبر عن خصوصيتهم الثقافية والحضارية:
 
1- الدراسة الأولى:
 يزخر الأدب الحكائي الأمازيغي بالكثير من الحكايات التعليمية والتربوية الموجهة للطفل في سن معينة(بحكم أن بعض الحكايات تروى لمتلقيها حسب أعمارهم). 
حكايات تعليمية تروم تعليم الطفل المغربي كفايات وتعلمات مرتبطة إما بواقعه الطبيعي (كأن تعلمه بعض القوانين الطبيعية على شكل احداث سردية حكائية) أو مرتبطة بواقعه الاجتماعي (كأن تعلمه مبادئ العلاقات الاجتماعية .. )، أو مرتبطة بطرق و اساليب التعلم نفسها( كأن تعتمد الحكاية على هدف أساسي هو تمرين الطفل على عملية التذكر كما في حكاية " الذئب و الرعاة" المدونة في كتابي " عيشة مي ييغد" الصادر سنة 2010 من طرف المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية)...
ولكل حكاية هدفها التعليمي والتربوي الخاص بها، وهذا النوع من الحكايات التعليمية الخاصة بالطفل دون السابعة اوالثامنة من عمره، تبنى وفق انساق محددة معروفة.
من بين هذه الأنساق ما يتم الربط بين عناصره أو متتالياته الحكائية برباط محدد وفق الهدف التعليمي المرتجى، حيث يشترك فيه كل عنصر مع العنصر الذي يليه بخاصية محددة، كأن ينبني الرابط على خاصية سبب و نتيجة، أو على خاصية التضاد الطبيعي (مثل: الفأر/ القط. الماء/ النار...)، أو على خاصية رباط طبيعي اي ربط نوع طبيعي بنوع آخر مرتبط به كأن نربط البرسيم بالماء، أو ربط عنصرين بعلاقة وظيفية(مثل: الكلب والراعي)... أو ربط كل مناسبة اجتماعية بما يناسبها( تحية أو تهنئة أو تعزية...). 
ويزخر الأدب الحكائي الأمازيغي بهذا النوع السردي الحكائي الذي يسير فيه الحكي على نسق حكائي يعتمد على متتاليات حكائية تعتمد على تقابلات خاصية من هذه الخاصيات السابقة... 
وغالبا ما يرد هذا النمط السردي في الحكايات الأمازيغية الموجهة للأطفال ما دون السابعة.
فمن النماذج التي يربط فيها الحكي العناصر الحكائية برابط الضدية، هي حكاية " أزان للي يوگين ئمنسي" اي الطفل الذي رفض تناول عشاءه. هذه الحكاية هي حكاية امازيغية من منطقة القبايل دونها جوزيف غيڤيير Josephe Riviere سنة 1882 بعنوان " le petit enfant" في كتابه" contes populaires kabylie de djarjoura " 1882.
ومنه نقلها احمد بوكماخ وغير عنوانها إلى " أكلة البطاطس" وجعلها نصا للتدريس في تلاوة " اقرأ" مستوى الابتدائي الأول في الستينات والسبعينات من القرن الماضي.
النسق الحكائي لهذه الحكاية الأمازيغية يعتمد على التضاد الموجود في الطبيعة، فأهداف الحكاية تعليم الطفل ضمنيا :
- إن الطبيعة تعتمد على قانون التوازن المبني على الاضداد أي أن لكل شيء ضده.
- سيرورة الطبيعة تعتمد على هذا القانون.
- كل خلل في هذا القانون يؤدي إلى التفكك.

 فهذه الحكاية كما دونها جوزيف لاغيفييغ Josephe Riviere هي كالتالي:
الأم تطلب من ولدها تناول عشاءه~رفض.
الأم تطلب من العصا ضرب الولد~ رفض.
الأم تطلب من النار احراق العصا~ رفض
الام تطلب من الماء اطفاء النار~ رفض
 الأم تطلب من البقرة شرب الماء~ رفض
الام تطلب من السكين ذبح البقرة~ رفض.
الأم تطلب من الحداد كسر السكين~ رفض.
الأم تطلب من الحبل شنق الجزار~ رفض
الأم تطلب من الفأر قرض الحبل~ رفض
الأم تطلب من القط اكل الفأر~ يستجيب

( الحكاية بهذا الشكل لن تنتهي لذلك لا بد من العودة إلى قانون الطبيعة وهي التوازن المبني على التضاد).
القط يستجيب لطلب الأم مستعدا لأكل الفأر، وهذا بدوره يستجيب لطلب الام لقرض الحبل مخافة أن يؤكل، الحبل بدوره يستجيب مخافة أن يقرض....الى ان تصل الحكاية الى المتتالية الحكائية الأولى التي انطلقت منها الحكاية، فترجع الامور الى طبيعتها المعتادة، فيأكل الولد عشاءه.
فالطبيعة تسير وفق ناموسها الازلي، التضاد بين الشيء وضده هو قانون الحياة، عبرت عنه الحكاية الأمازيغية بطريقتها الحكائية الفنية، الشيء الذي يعكس غنى وقراءة ادبنا الحكائي المغربي.
كثيرة هي الحكايات الأمازيغية التي حيكت وفق هذا النسق الحكائي الذي صيغت وفقه الحكاية الذي ذكرنا، منها مثلا حكاية: " تافقيرت د ئكرو نس" اي العجوز وجديها" و سنتطرق اليها فيما بعد.
(في الحلقة الثانية سأتناول: لماذا انتهى الحكي الى القط ليرجع الأحداث إلى مسارها وفق القانون الطبيعي؟).