الأحد 9 مايو 2021
فن وثقافة

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (الحلقة 1)

عبد الصمد الشنتوف يروي تفاصيل تجربة عابرٍ إلى الضباب (الحلقة 1) عبد الصمد الشنتوف

ذات مساء صيفي، جلس حليم بمقهى أطلس يستأثر بالحديث، يتحلق حوله شباب حالم، شباب يسعى لحياة أفضل، ينصتون إلى مغامراته بأفواه فاغرة، يستمعون بشغف إلى مروياته الدونكيشوتية. لا حديث يدور بين شباب المدينة سوى عن الهجرة إلى لندن .

كان حليم حديث العهد بالهجرة. يرتدي قميصا فاخرا بلون بنفسجي، يسدل شعره الكثيف على كتفيه، يرتدي سلسلة ذهبية شديدة اللمعان تطوق عنقه، حين يتحدث يحرك رأسه باستمرار ليزيح خصلات شعره عن عينيه، يختال في جلسته وحركاته، ينطق كلمات عربية بصعوبة ملفتة بعدما أمضى سنتين في بريطانبا. يتصنع في نطقها بلكنة أعجمية، وكأنه بدأ ينسى أو يتناسى لهجته المغربية الدارجة.

معظم الناس في المدينة يعلمون أنه منذ عهد قريب كان عاطلا عن العمل، وبالكاد يحصل على بعض الدريهمات ليشتري سجائر رديئة، مشهد يبعث على كثير من السخرية ولربما لا يتكرر إلا في مدينتنا.

أخذت فكرة لندن تراودني وتحتل مساحة من اهتمامي. كلما وقفت مطلا على المحيط الأطلسي من شرفة "بلكون أطلنتكو" أمد بصري إلى الأفق البعيد حيث السماء والبحر يلتقيان، أنظر إلى المراكب والسفن تجوب البحر أمامي، فأغمض عيني مسافرا إلى فضاء بعيد، أسرح بخيالي نحو مدينة الضباب التي غدت تداعب أحلامي .

لم يكن لدي أقارب يعيشون في لندن، وكان هذا عائقا كبيرا يعترض طموحي. قررت أن أفاتح خالتي فاطنة في الموضوع. خالتي امرأة عصامية وذات طبع اجتماعي ودي إلى أقصى الحدود. معظم ساكنة حي "بونبيروص" يعرفونها ويسلمون عليها. كنت أحبها وأتردد على بيتها بانتظام. وعدتني بأن تكلم زوجها الحاج في طلبي هذا حتي يشير على أخيه المهاجر عبدالسلام ليستضيفني بلندن. الحاج بدوره كان رجلا متسامحا وزوجا ودودا يحب خالتي ويعتني بها كثيرا. سلمتني خالتي ورقة مكتوب عليها عنوان صهرها بلندن، ودعت لي بالخير والتوفيق في رحلتي المزمعة، كانت بالنسبة لي رحلة الأحلام. عمري آنذاك لا يتجاوز اثنتين وعشرين سنة. رتبنا موعد الانطلاقة أنا وأصدقائي الأربعة (بوطي، ودكي، خالد، يوسف) بالمحطة الطرقية يوم الاثنين التالي .

 

استقلنا الحافلة على الساعة الثانية عشرة زوالا، انطلقنا تجاه مدينة طنجة التي تبعد حوالي خمسين ميلا. كان يوما قائظا، الطقس يشتعل حرارة، وقرص الشمس متوهج في كبد السماء. وصلنا محطة طنجة بعد ساعتين. ترجلنا من الحافلة ومشينا خطوات حثيثة نحو مرفأ العبور. وجدنا باخرة "باسم الله" على وشك الإقلاع، ركبنا الباخرة المهترئة وبدأ الإبحار نحو الضفة الأخرى. بدا البحر المتوسط كبساط أزرق هادئ، أعصابه باردة. معظم المسافرين من المغاربة. رست الباخرة بسلام في ميناء الجزيرة الخضراء وبدأ الركاب يركضون نحو بوابة الخروج، يتسابقون ويتدافعون في عجلة من أمرهم وكأنهم في مشهد من مشاهد يوم القيامة. لفظتنا الباخرة وقصدنا محطة القطار على بعد نصف ميل من المرفأ. كنا مقبلين على رحلة طويلة مضنية. عند بلوغنا بوابة المحطة وجدنا المسافرين المغاربة كعادتهم يتزاحمون حول شباك التذاكر، يحدثون فوضى عارمة رغم أن أغلبهم طلبة متعلمون قادمون من كل أنحاء البلاد، لكن وكما يقال الطبع يغلب التطبع، لا صبر لهم على الانتظار في طوابير منتظمة. يتدافعون بقوة حتى تخيلتهم عند شباك تذاكر سينما أبنيدا يقتنون تذكرة فيلم "الوصايا العشر لسيدنا موسى". كان مشهد الازدحام والتدافع في المحطة مقرف وغير مألوف لدى الإسبان. كانوا ينظرون إلينا باستغراب شديد، خلت نفسي مع قوم هاجوج وماجوج وقد حطوا رحالهم على أرض القارة العجوز. توجهنا نحو القطار ومعنا شاب من الدار البيضاء وقد انضم إلى مجموعتنا .

 

صعدنا إلى المقطورة، فوجدنا جل المقصورات مقفلة بإحكام. ذهب الشاب البيضاوي إلى أحد موظفي القطار فدس في جيبه مائة بسيطة خلسة لكي يفتح لنا إحدى الأبواب. شعرت ببعض القرف من هذا الفعل، قلت للبيضاوي حتى الإسبان يقبضون الرشوة! التفت إلي وقال إنهم يقبضون فقط من عند المغاربة، لقد عودناهم على هذه الآفة القبيحة. قلت له: ربما نحن قوم لا نصدر إلا الأشياء القبيحة.

أخذنا مكاننا جميعا في المقصورة، فانطلق القطار يشق طريقه نحو مدينة هنداية على حدود فرنسا التي تبعد حوالي سبع مائة ميل. مقصورتنا تتسع لثمانية أشخاص، جلست بجانب يوسف بينما بوطي يتجاذب أطراف الحديث مع صديقه ودكي، أما خالد فيتصفح إحدى المجلات وينظر عبر نافذة القطار وكأنه لا يرغب في الكلام معنا. القطار يسير بسرعة متوسطة، ومدة الرحلة إلى مدريد مقدرة بعشر ساعات .

 

وصلنا إلى محطة "شمارتين" بمدريد بعد الفجر فانضم إلى مقصورتنا كهل إسباني يناهز الخمسين من عمره، أخذ مكانه قبالة يوسف، علمنا بعد ذلك أن اسمه منولو ويشتغل موظفا بمدريد، وقد كان متجها إلى مدينة سان سبستيان لزيارة والدته .

سألني :

- من أي مدينة تنحدرون في المغرب؟

فقلت له :

- نحن جميعا من العرائش، باستثناء هذا الشاب من الدار البيضاء .

أردف قائلا :

- أنا ولدت بتطوان ويشدني حنين قوي إلى تلك المدينة الجبلية التي أمضيت فيها طفولة جميلة .

مضيفا :

- لماذا أنت وحدك الذي تتكلم الإسبانية من دون أصدقائك، أين تعلمت؟ .

- تعلمت مع أصدقائي في حي ماريسطاس بالعرائش، كانوا يدرسون بمدرسة "لويس فيفيس" الإسبانية .

- أنتم المغاربة بارعون في تعلم اللغات .

- شكرا لك، وأنتم الإسبان بارعون في أشياء أخرى ربما أهم .

دسست يدي في حقيبتي وأخرجت كيسا بلاستيكيا يحتوي على بعض حلويات "غريبة"، ناولته قطعة واحدة وقلت له: تفضل هذه كعكة مغربية من صنع يدي أمي .

تذوقها وقال: هذه الكعكة تثير في حنينا إلى الماضي، كان جيراننا بتطوان يغدقون علينا بمثلها خلال أعياد المسلمين. حقا كان زمنا جميلا .

وصلنا محطة سان سبستيان فودعنا منولو قائلا: أتمنى لكم رحلة ممتعة إلى لندن .

تابع القطار سيره تجاه هنداية لمدة نصف ساعة إلى أن وصلنا حدود فرنسا، حيث غيرنا الوجهة في قطار آخر نحو باريس. كان الليل قد أرخى سدوله، القطار يشق طريقه في ظل ليل دامس، وكل واحد منا خلد لنوم عميق .

وصلنا محطة "أوسترليز" حوالي الثامنة صباحا، فقمنا باقتناء تذاكر المترو لتغيير المسار نحو محطة "الشمال"، تخطينا حاجزا أوتماتيكيا بسلاسة لكن صديقنا ودكي لم يفتح له الحاجز، حاول مرة أخرى إدخال التذكرة فلم يفلح، نصحه يوسف بالقفز على الحاجز حتى لا يفوتنا القطار. لم يتردد ودكي فقام بقفزة سريعة على الحاجز وكأنه لاعب أولمبي، انتابنا الضحك من ذلك المشهد المثير، أخذ بوطي يقول له: لقد تفوقت على الأولمبي "إدوين موريس" بقفزتك الرائعة .

 

ركبنا القطار من جديد في تجاه مدينة بولون شمال فرنسا، وهي مرفأ عبور إلى مدينة فولكستون البريطانية .

استقلنا باخرة عملاقة تسمى "سيلنك" وبدأت تبحر بنا نحو بلاد الإنجليز.

بحر المانش ليس هادئا مثل المتوسط، كانت الباخرة تتمايل بنا وهي تقتحم الأمواج العاتية. لم يسبق لي أن صعدت باخرة ضخمة مثل هاته، كانت تغص بسياح أوروبيين وتحوي متاجر فاخرة إضافة إلى مطاعم ودار سينما. في البهو كان رجل يعتمر قبعة اسكوتلاندية ويرتدي بدلة بيضاء، يعزف على البيانو معزوفات ساحرة لجون لينون يطرب بها المسافرين .

رست الباخرة في مرفأ فولكستون بسلام فتوجهنا جميعا نحو شرطة الحدود ونحن نقرأ اللطيف. بلاد الإنجليز لا يدخلها سياح الدول النامية بسهولة، فالشرطة تواجهك برزمة من الأسئلة قد تكون ماكرة أحيانا. الإنجليز مختلفون في طبعهم عن باقي الشعوب لأنهم معروفون ببرودة أعصابهم ودهائهم السياسي .

 

جلسنا على الكراسي ننتظر لحظة الامتحان. كنا نشعر ببعض التوتر. كل واحد منا يردد في نفسه المعوذتين. خرج إلي ضابط أشقر فارع الطول بعينين زرقاوين وكتفين عريضين.

 كنت محصنا بسورة "يس" في ذهني: (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون).

بدا الضابط العملاق لطيفا على الرغم من ضخامة جسمه، يحمل إسم ستيف على شارة معلقة على صدره ويتحدث الفرنسية بطلاقة .

سألني ستيف؛

- هل سبق لك أن زرت بريطانيا؟

- أجبته: لا .

- سألني، ولماذا اخترت بريطانيا لهذه الزيارة؟

- أحب ثقافة الإنجليز وأعشق لندن مدينة شكيبير وشارلي شابلان .

- حسنا قال، وسأل مرة أخرى من أي مدينة أنت بالمغرب؟

- أنا من العرائش، مدينة صغيرة تقع قرب طنجة .

- أعرف طنجة جيدا، لقد سبق لي أن زرتها، مدينة كانت مستقرا لبعض الشخصيات البريطانية والأمريكية .

- نعم مدينة بول بولز وولتر هريس .

- تفرس في وجهي وسأل: هل تعرف وولتر هريس؟

- أجبته بثقة: نعم، صحافي ومؤرخ شهير، كان جدي يحدثني عنه لأنه كان يشتغل عند الزعيم الريسوني.

- الريسوني يعد روبن هود المغرب أليس كذالك؟، لقد قام بأشهر عملية خطف في التاريخ .

قال ستيف، لنعد إلى الموضوع وسأل :

- كم مدة ستمكث في بريطانيا؟

- أجبت: شهر أو شهرين.

- بادرني ستيف مباشرة بسؤاله، وكم عندك من المال؟

- أجبته فورا: في حوزتي مائة وسبعون جنيها يا سيدي .

- علق الضابط على المبلغ المالي وقال، هذا مبلغ زهيد، هل لديك أقارب ببريطانيا؟

- لدي صهر خالتي مع عائلته الصغيرة، وهم أناس طيبون وحالتهم ميسورة.

- وهل لديك عنوان ورقم هاتف أقاربك؟

سلمته ورقة العنوان وقال، انتظر هنا سأعود بعد قليل .

بعد عشر دقائق، رجع الضابط الإنجليزي وعلى محياه ابتسامة أرجعت لي بعض الاطمئنان، أعاد إلي ورقتي وسلمني جواز سفري بعد ختمه قائلا :

- يبدو أنك شاب طموح، مرحبا بك في بريطانيا العظمى، استمتع بزيارتك .

- شكرت الرجل وخرجت إلى البهو، هناك وجدت خالد ويوسف جالسان فوق أريكة ينتظران، بعد خمس دقائق خرج بوطي وودكي أيضا .

تنفسنا الصعداء وقلنا: الحمد الله، لقد اجتزنا الامتحان بنجاح وكانت الفرحة بادية على وجوهنا.

 

اتجهنا نحو محطة فولكستون لنستقل القطار إلى لندن، حيث تفرقنا نحن الخمسة في أرجاء المدينة. تقدمنا إلى موظفة بمكتب الإرشادات نسألها، فأشارت لنا على القطار الأول الذي ستكون وجهته إلى "شارينغ كروس" أما الثاني فوجهته إلى فيكتوريا بعد نصف ساعة من الآن .

قرر أصدقائي جميعا الانتظار لركوب القطار الثاني امتثالا لتوصية من أقاربهم، بينما أنا لم تكن لدي أي تعليمات.

استقلت القطار الأول وانطلق بي نحو محطة "شارينغ كروس". لاحت في ذهني طيلة الرحلة مشاهد وفضاءات لندن التي استوطنت مخيلتي منذ زمن طويل...