الخميس 29 يوليو 2021
فن وثقافة

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ"..زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها ( الحلقة الأخيرة)

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ"..زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها ( الحلقة الأخيرة) الموسيقي حسن الزرهوني، والزميل أحمد فردوس(يسارا)

تواصل جريدة "أنفاس بريس" فتح شهية علبة مخزون الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني على مستوى فن العيطة المغربية، للخوض هذه المرة في روائع شعر الغزل من خلال ملفنا الإعلامي الجديد في موضوع "شعر الغزل في العيطة العبدية".

يتفق أغلب الأدباء على أن الغزل "هو فنّ من فنون الشعر، وغرض أساسيّ من أغراضه، صنّف على أنّه من أعظم فنون الشعر العربي القديم، يعبر الشاعر من خلاله عن أحاسيسه تجاه محبوبته، واصفاً محاسنها، متغنياً بجمالها، مشتاقاً لرؤيتها، حزيناً على فراقها، مع تركيزه في وصفه لها على مواطن التميّز فيها... وهو يصور خلجات النفس، وفرحتها بلقاء المحبوبة، وحزن الشاعر على فراقها، إذ تميز بقوة العاطفة وحرارتها".

لقد حظي شعر الغزل باهتمام كبير من قبل الشاعر(ة)/ الناظم (ة) لقصائد العيطة المغربية عامة وخصوصا الحصباوية منها، حيث قدمنا في سلسلة حلقاتنا (20 حلقة) مع ضيف الجريدة الفنان حسن الزرهوني، نموذجا رائعا لتألق الشاعر في عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ"، والتي حاولنا قدر المستطاع تفكيك وتفسير وتوضيح بعض متونها الشعرية وإضاءة الفترة التاريخية التي نشأت و تركبت فيها، في علاقة مع أحداث ووقائع عاشتها منطقة عبدة عامة وأسفي خاصة.

يقول الشاعر / الناظم العبدي في الجزء العاشر و الأخير من رائعة عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وُ اَلثْلَاثْ" ما يلي:

"اَلًلهَ يَا اَلْمُوشُومَاتْ

أَجِي بَعْدَا نْعَاوْدُو لِيلَاتْ

تْعَالَا لُو، تْعَالَا لُو، كْحَلْ لَعْيُونْ خُو خْوَاتَاتُو

أَرَبِي تَكْوِيتْ، أَرَبِي تَشْوِيتْ

 تَكْوِيتْ بِالْكَبْرِيتْ ﯕَـعْمَةْ حَسِيتْ

تْبَتْ أَهْيَا سِيرْ أَهْيَا / سِيرْ اَلَعْزِيزْ فِيدْ مُولَانَا

تْبَتْ أَهْيَا سِيرْ أَهْيَا / بْنَادَمْ اَلزًينْ مَنْ اَلْوَالِدِينْ

تْبَتْ أَهْيَا سِيرْ أَهْيَا / بْنَادَمْ لَحْلُو ظَاهَرْ مَنْ فَعْلُو

تْبَتْ أَهْيَا سِيرْ أَهْيَا / بْنَادَمْ لَمْنَخْوِي عْلَاشْ كَنَدْوِي

تْبَتْ أَهْيَا سِيرَ أَهْيَا / اَلزًينْ وُلَبْيَاضْ سْلَالَةْ اَلْقِيًادْ

تْبَتْ أَهْيَا سِيرَ أَهْيَا / اَلزًينْ وُلُكْمَالْ سْلَالَةْ اَلْعُمًالْ"

ثم ينتقل الشاعر إلى شطر:

"أَحَبِيبِي أَحَبِيبِي فِيكْ طَبِيبِي

شَهْدُو عْلِيهْ آشْ بْغَا

دَابَةْ كِيْتُو تَبْرَى

شَهْدٌو يَا اَلْبَنًايَةْ أَبًا عَلًالْ دَارْ مَدَايَةْ

كُلْهَا يْدَوًزْ إِيًامُو لَعْمٌرْ فَايْتْ بِزْمَامٌو

مَالِي مْشَاتْ فَـﯕـعَانَةْ، مَالِي دَابَةْ يْجِيبْ لِيكْ مَـﯖَانَةْ

اَلْهْبِيلَةْ عَذْبُوكْ

أَزْهَاوْ مْعَانَا بِالْلوِيزْ

سِيدِي عَبْدْ اَلًلهْ بَلْحَاجْ بَانِي اَلزًاوْيَةْ عَلْ لَمًواجْ

هَزٌو كْفُوفْكُمْ وُدْعِيوْ مْعَانَا اَلْحْبَابْ

اَلْمُوتْ تَابْعَانَا مَا يَنْفَعْنَا هْرُوبْ"

 رغم أن بعض الباحثين والمهتمين والفنانين يصنفون عيطة "اَلرًاضُونِي" كأطول لَعْيُوطْ العبدية / الحصباوية، على اعتبار أنها تتكون من تسعة أجزاء، إلا أن ضيف الجريدة الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني يعتبر أن عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وٌالثْلَاثْ" الغزلية "تتجاوز عيطة (اَلرًاضُونِي) من حيث أجزائها ومتنها الشعري (10 أجزاء)، وحمولتها التاريخية ذات الأهمية البالغة و التي وظفها الناظم العبدي من خلال صور بلاغية جميلة، و مشاهد واقعية ووصف للأحداث في الزمان والمكان بأسلوب شاعري". وأكد نفس المتحدث على أن عيطة (بِينْ اَلجًمْعَةِ وُ اَلثْلَاثْ اَلسًكَةْ حَبْسَاتْ وٌ رِيتَاتْ) كانت "قليلة التداول بين الشيوخ لطول قصيدتها، وصعوبة حفظها، ولم يتمكنوا من تنزيل جميع أجزائها الشفهية".

في نفس السياق أوضح الموسيقي حسن الزرهوني أن هناك بعض الشيوخ الرواد الذين أتقنوا وتفننوا في أدائها مثل الشيخ الكبير إبراهيم حْمِيْمَةْ، والشيخ لْبُيَضْ، فضلا عن الشيوخ الذين تتلمذوا على أيديهم مثل الشيخ إبراهيم بِيهِي، والشيخ اَلْعِيسَاوِي، والشيخ عبد السلام اَلْبَحْرِي، والشيخ أَبًا عَيٌوشْ، والشيخ بوشعيب وَلْدْ خْدِيجَةْ، والشيخ العربي لْكِيحَلْ، (رحمهم الله).

وسجل ضيف الجريدة أن هؤلاء الشيوخ يختلف حفظهم وأدائهم للعيطة عن شيوخ منطقة جمعة سحيم كالشيخ بَنْ خَدٌوجْ، والشيخ اَلْبَدْرِي، والشيخ جَرِيدْ عَبْدْ اَلرًحْمَنْ (اَلتْرِيًنْ)، والشيخ اَلنْزِيلِي، والشيخ عمر بَنْ هَدِي..

وأفاد الفنان حسن الزرهوني بأن في الجزء العاشر والأخير من رائعة عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وُ اَلثْلَاثْ" نجد أن أبيات شعرية من المتن العيطي لذات القصيدة الغزلية تتكرر في عدة عْيُوطْ عبدية مثل في عيطة "تْكَبًتْ اَلْخَيْلْ" و عيطة "سِيدِي أَحْمَدْ" وعيطة "اَلْكَافْرَةْ غْذَرْتِينِي" و عيطة "دَامِي"، حيث تم إدماجها في هذه العيطة الغزلية من أجل إتمام وإنهاء أجزائها.

"الْمُوشُومَاتْ أَجِي بْعْدَا نْعَاوْدُو لِيلًاتْ"

لقد وظف الشاعر لفظة "الَمُوشُومَاتْ" التي نجدها تتكرر في مجموعة من لَعْيُوطْ العبدية والتي نذكر منها بعض الجمل الشعرية التي وردت في متنها :

خَرْجُو يَا لُحْمَادَاتْ

رِجًالَةْ وُعْيَالَاتْ

بَيْضَاتْ وُمُوشُومَاتْ

لَوْشَامْ اَلًلي فِي اَلرْﯕِـيبَةْ

مَا يَرْحَلْ مَا يْـﯖِينْ هَاذِيكْ بْلَادُو

سَاكَنْ فِي بْلَادْ لَوْعَرْ

لًلهْ يَا بَنْ عَمِي رَاهْ لَوْشَامْ ضَرْنِي

دِيرِي وْشَامْ جْدِيدْ وَالْبَالِي حَيْدِيهْ

دِيرِي وْشَامْ اَلْمُوضَةْ فِي اَلْبِيرُو سَجْلِيهْ

سَوْلُو اَلرًامِي عْلَ لَوْشَامْ

هَزِي اَلسًرْوَالْ حْتَى يْبَانْ وُشَامُو

أَجِينِي يَا حَمْرَاتْ لَـﯖْدَامْ وَتَاكْ اَلَلهْ بِالَوْشَامْ

 عرف الوشم قديما، وتحدث مجموعة من الشعراء عن لون الوشم الذي كان يغلب عليه الطابع الأخضر، ووظفوا الوشم في الشعر الشعبي، وبالغوا في مدحه على اعتبار أنه قيمة إضافية للمرأة على مستوى البهاء والجمال والجاذبية والحسن، رغم معاناة المرأة أثناء عملية الوشم أثناء الخضوع لها. وحسب مجموعة من الدراسات فإن " الوشم ثقافة وطقس قديم، وهو نوع من الرسم على الجسد، رمزيته و دلالاته تحيل على ما هو طقوسي واجتماعي (شمال أفريقيا)، وكان يقصد به استرضاء الآلهة وتحديد الهوية القبلية وطلب الخصوبة، وارتبط في ثقافة الأمازيغ بمعاني الأنوثة والخصب فالمرأة الواشمة هي المرأة الناضجة للزواج"

"لقد استمد الوشم رمزيته من الحياة اليومية، ولا تزال بعض الأوشام مرسومة على وجوه و أجساد النساء خصوصا المتقدمات منهن في السن، فثقافة الوشم وطقوسه قديمة جدا، حيث يمتد في العديد من الثقافات والحضارات ويتجلى خاصة في الموروث الثقافي الأمازيغي"، يوضح الفنان التشكيلي حسن الزرهوني.

 كان الوشم على جسد الفتاة مؤشرا وعلامة على نضجها وخصوبتها، و هو دعوة صريحة للزواج، ويدخل الوشم في آداب السلوك الاجتماعي ويرتبط بالجسد الموشوم في حياته ويموت بموته، حيث يشكل جسرا للربط بين ما هو روحي وما هو مادي في حد ذاته.

وقد تم ذكر الوشم في العيطة العبدية كما أسلفنا في المتن العيطي أعلاه، حيث يخاطب من خلاله الناظم/ الشاعر تلك المرأة الناضجة التي بلغت سن الزواج، أو يقصد به النساء (اَلْوَاشْمَاتْ) اللواتي كن يؤثثن الجلسات الفنية (اَلْهَيْجَاتْ) المتمردات على أسرهن وعلى أعراف القبيلة.

كانت المرأة تتخذ من الوشم دليلا وعلامة من أجل إستقطاب الرجال وطلب الزواج، لذلك فمن الناحية الأنثروبولوجيا يعتبر الوشم ضربا من الزينة حيث لم يكن من الممكن للمرأة أن تتزين بالحلي ويمثل الوشم شكلا سيميائيا لتقديم الفتاة لمن يرغب فيها. بحيث يصبح الوشم "بوابة عبور لسن الرشد ومعه بوادر الزواج وهو في هذه الحالة يصبح مظهرا جماليا تود من خلاله المرأة الشابة إبراز مفاتنها، وإعلان نضج أنوثتها".

ويسمى الشخص الذي يمتهن وظيفة الوشم حسب ما ذكره الناظم في العيطة العبدية بـ "اَلرًامِي" استنادا على سؤال الشاعر: "سُوْلُوا اَلرًامِي عْلَى لَوْشَامْ" بحكم أن الرامي الذي يسدد لإصابة الهدف ببندقيه معروف بالدقة والتركيز والهدوء والصبر والتفنن، لذلك فهو يرسم الوشم بدقة متناهية على جسد المرأة و في أماكن الإثارة مثلا: (بين النهدين، على الخذين، الجبهة، العنق، الذقن، الساق، الرﯕبة ، اليدين، الرجلين..).

في سياق متصل بالوشم قال الناظم في عيطة "هَنِينِي هَنِينِي" أو في "حَاجْتِي فِي ﯕْرِينِي" :

"لَوْلِيدْ إِلَا وْلِيدْكُمَ

إِلَا مَا ﯕَـلْتَوشْ أَوْلِيدْنَا

هَزِي اَلسًرْوَالْ حْتَى يْبَانْ وْشَامُو"

إن المخاطب في هذا المتن العيطي هو الطفل الذي يجب التحقق من وشمه، لأن الأطفال كانوا بدورهم يخضعون لعملية الوشم على أجسادهم، وشم بلون قوي تستعمل فيه مكونات (الحناء والشبة وبعض المواد التقليدية..) حيث يدوم الوشم مدة طويلة، والسبب في وشم الأطفال يرجع إلى تعدد زوجات الرجل في البيت حيث يتكاثر النسل والإنجاب تحت سقف واحد مما يتعين معه وضع علامات ورموز بالوشم على يد أو قدم الطفل لتحديد نسبه وأمه.

وقد وظف الناظم إسم "اَلْمُوشُومَاتْ أَجِي نْعَاوْدُو لِيلَاتْ" لتوجيه خطابه إلى الفتيات اللواتي بلغن سن الزواج وظهرت عليهن علامات النضج والخصوبة، أو إلى اللواتي كن يؤثثن الجلسات الفنية والموسيقية، علاوة على أن الشاعر يخاطب الرجل أيضا من خلال ذكر جماله و محاسنه ومبادئه وسلوكه وأخلاقه حين ينشد قائلا:

كْحَلْ لَعْيُونْ خُو خْوَاتَاتُو

بْنَادَمْ اَلزًينْ مَنْ اَلْوَالِدِينْ

اَلزِينْ وُلَبْيَاضْ سْلَالَةْ اَلْقِيًادْ

اَلزِينْ وُلُكْمَالْ سْلَالَةْ اَلْعُمًالْ

بْنَادَمْ لَحْلُو ظَاهَرْ مَنْ فَعْلُو

بْنَادَمْ لَمْنَخْوِي عْلَاشْ كَنَدْوِي

وتنتهي هذه القصيد/المعلقة الجميلة التي رسم الشاعر/الناظم العبدي ملاحم رائعة عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وُالثْلَاثْ" بانتهاء الجلسات الموسيقية والفنية على أمل تجديد اللقاء، وترفع أكف الضراعة والدعوات لله لطلب العفو والمغفرة عن كل الذنوب التي ارتكبها الحضور في "اَلْقُبًةْ"، مادامت الحياة مرحلة ظرفية وعابرة تتوقف عند فاجعة الموت والفراق.

الحلقة الأخيرة/انتهى