الأحد 9 مايو 2021
كتاب الرأي

لحسن أيت الفقيه: مثبطات الرصد الصحافي الحقوقي بمواضع الانتهاكات بالمغرب

لحسن أيت الفقيه: مثبطات الرصد الصحافي الحقوقي بمواضع الانتهاكات بالمغرب لحسن أيت الفقيه
رصد حقوق الإنسان [بفتح الصاد] فعل يتوجب ربطه بالقول طمعا في توضيح بعض الغموض. لا يختلف اثنان في أن عين الراصد مدعوة لتكون حادقة، تحيط بكل الجوانب. لكن الأعين ليست كلها حادقة، في الغالب. فإذا كان الماهن الحقوقي مُشغّلا لدى هيئة ما، جمعية حقوقية أو مؤسسة، فلا يجب اعتماد فعله أنه هو الوجه، ولا ينبغي تصديقه، ما لم يجرِ النظر في المسار الذي سلكته تلك الهيئة. ذلك أن كثيرا من الهيئات الحقوقية عجزت عن الرصد، لا لأن عظماءها ينحرفون عن المسار الصحيح، بل لأن حقوق الإنسان ثلة من القيم الجميلة، لا تفتأ تترهل كلما احتوشتها المؤسسة والتهمتها. فالقيم الحقوقية كدأب المسيحية والاشتراكية، وكل القيم التي تدعو إلى خلاص البشرية. لقد برزت حاملة أمل خلاص البشرية من الضيم لكنها فشلت، للأسف، داخل المؤسسة، مؤسسة الكنيسة بصدد هذه، ومؤسسة الدولة بصدد تلك، ولا يعني هذا الحكم أن ليس هناك ثقات في الدين والسياسة والفكر دفعتهم لقمة العيش إلى قبول استبداد المؤسسة. هنالك وجب إبعاد الماهن المؤسساتي، غير التقي، جانبا. فلا مصداقية له في ممارسة الرصد [بفتح الصاد دائما].
إن القول الفصل ينشأ من كل ما قد يتأسس على آداء الراصد المتطوع، الراصد الذي يؤمن بفلسفة الواجب، ويخدم التاريخ، بعيدا عن ذلك الراصد الذي يخشى أن يعبر عن الحقيقة وتحاسبه المؤسسة، يخشى أن يكتب فيمس بصرير قلمه مزاج القائد، قائد سلطوي. فالراصد المتطوع يرسي بمحصوله مجال الممارسة الحقوقية، وييسر الطريق لوضع الأصبع في مكمن الداء، ولا يخشى القواد [جمع قائد] في شيء، ولا يفكر فيهم إلا حينما يتصل شأنهم بنبأ انتهاك حقوق الإنسان، عكس الماهن المؤسساتي الذي يدعو لإبراز ما يرضي القواد، للأسف، لأنه لا يرغب في الاستقلال عن أولئك الرجال الذين هم من انقطع لانتهاك حقوق الإنسان، في الغالب.
وقد لا يختلف الصحافي في فعله عن الراصد الحقوقي. فكلاهما يترهل إن زاغ عن فلسفة الواجب، وكلاهما ينحرف عن المسار إن كان قلمه موجها خوفا وطمعا، خوفا من رجل السلطة وطمعا في كسب وده. ذروني أتذكر أحد القواد، كان علا شأنه بجبال الأطلس المتوسط المغربية. ولما فُرض عليه تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية أظهر الرغبة عن الانخراط، وبات يفصح سنة 2010، لكل أقربائه أن هذه المهمة تسيء لواجبه. لقد كان بالأمس قائدا للانتهاكات بموضع مولاي بوعزة، بإقليم خنيفرة، حاليا، وجيء به قائدا عاليا ليساهم في تفعيل توصيات ذات الصلة بالعدالة الانتقالية، غير بعيد عن الموضع الذي أشرف فيه عن الانتهاك، فهذا خُلف كما يقول المناطقة. ظل القائد يفصح أنه ليس من طينة الحرباوات الذين يتغير لونهم، ويميلون أين مالت الريح، إنه وفي للتعليمات الموجهة له بالأمس. ويحسب القائد أن اعتماد فعل المصالحة قد يعريه، وسيُخلعه لباس ذلك الجلاد الملتزم. ورغم ذلك، يكلف الصحافة ليظهروه أنه ثانيا، وبعد مضي أمد بعيد، أنه يدشن منجزات تنموية وحقوقية، وما حصل أن ذكر صحافي ما ماضيه المفعم بالسواد، لأن ذلك الصحافي مأجور لتزيين الوجه، أو مكلف بحمل «البالطا» ليقطع الخشب تيسيرا لمسار مرور خيول القائد. ذروني مرة أخرى أتذكر قائدا جئ به لانتهاك القيم العرفية بإملشيل، بجبال الأطلس الكبير الشرقي، في بحر سنة 2003. وقد حصل في ولايته أن تطوعت جمعية إقليمية في تنظيم ورشة تكوينية في «مقاربة النوع الاجتماعي» لفائدة 40 مُدَرسة، تُمارسن التدريس بالمدارس الجبلية، طالما يحصل شنآن وتوتر مع زملائهن المدرسين. وخدمة للفعل التنموي راود الجمعية أمل كبير أن تكون لتلك الورشة فائدة على هذه المنطقة التي تتخبط في أهوال التخلف. هنالك أعدت الجمعية العدة، وحصلت على الترخيص، وقدمت ما يكفي من الشروحات للقائد حول مغزى الورشة، لكن القائد أبى أن يستوعب ما هو تنموي هادف، ويبحث عن عيب ليبخس به آداء الجمعية، بل ليخبر عامل الإقليم أنه اكتشف بؤرة الفساد. لذلك فضل أن يعتمد على ما سيأتي به عون السلطة «المقدم»، من خبر، عونٌ لا يعرف القراءة ولا الكتابة. إنه حدث غريب، فماذا يجري بإملشيل؟ 40 أستاذة مدرسة تدخل البلدة للاستفادة من التكوين في «مقاربة النوع الاجتماعي»! فما معنى «مقاربة النوع الاجتماعي»؟ طفق عون السلطة، وبأمر من سيده القائد، يتردد على مدير المؤسسة التعليمية المساهمة في تنظيم الورشة بتنسيق مع الجمعية. وأخيرا اكتشف عون السلطة النبأ العظيم، إذ فهم «المقدم» أن مقاربة النوع الاجتماعي تسلك مسار انفتاح المُدرسات على المحيط، وتروم أن تمكنهن من التعامل مع زملائهن المدرسين بدون عقدة، أي: بدون خجل ولا استحياء، في تقدير «المقدم». لقد تحقق المراد المرغوب فيه، وتوفقت السلطة في إفراغ الفعل من المحتوى. فما كان على العون إلا أن يبشر السيد القائد بالخير، «نعم سيدي، إن الورشة تهدف إلى تدريب المدرسات على ممارسة الجنس بكل حرية مع زملائهن المدرسين!». والغريب في الأمر أن السيد القائد، وهو من أكثر القواد استنارة وقتها، فهم أن مقاربة النوع لن تهدف سوى إلى إفساد الجماعة، وإبعادها عن قيم الانغلاق التي يُراد أن تسود في مواضع انتهاكات حقوق الإنسان. أليس لهذا القائد مهارة صحافية؟ ألم يتوفق رجل السلطة في تبخيس فعل جمعية ذات منهج تقدمي؟
فكيف انفعلت السلطة الإقليمية مع الحدث؟ جرى أن اتصل السيد عامل إقليم الرشيدية، وقتها، بالسيد النائب الإقليمي لوزارة التربية الوطنية وطلب منه إعفاء مدير المؤسسة، لا لشيء سوى أنه بعيد عن التربية، فلا ينشر سوى قيم الفساد والإفساد.
أرى أن هذين النموذجين يكشفان كيف يستقبل رجال السلطة الانفتاح على التنمية وحقوق الإنسان في مواضع الانتهاكات في المغرب. وإنه مع تطور الوقت، ولدت جهة كانت، بالأمس، تحتضن مواقع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، إنها جهة درعة تافيلالت. لنتذكر أنها كانت تحتضن السجون السرية بمواضع تازمامارت، وكرامة، وقلعة مكونة، وسكورة، وأكدز، وتاكونيت. وكانت شهدت وقائع انجرت عنها الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان سنة 1973. ولا تزال هذه الجهة تستقبل رجالا من صنف أولئك الذين يفهمون أن المقاربة النوعية تهدف إلى إفساد قيم المجتمع، لأنها جهة تستقبل المرحلين تأديبيا أولئك الذين ارتكبوا زلات في جهات أخرى، ونُقلوا إلى جهة درعة تافيلالت تأديبيا. وهؤلاء الرجال لا يترددون في تحقيق هدف أسمى لديهم، جعل كل هيئة حقوقية مترهلة، تركن لنزواتهم. فمن ينتقدك إذا طوعت أنت نفسك بعض الهيئات الحقوقية لفائدتك؟ فمن ينتقدك إذا طوعت الأقلام ليصبح حامليها يخرون لك طمعا وخوفا؟ فمن يميز فعلك إذا وجدت كل هؤلاء يلتهثون للجلوس معك؟ وأما هذا الترهل، أجدني أسأل: كيف يمكن تمييز تقارير بعض الهيئات الحقوقية من حيث المصداقية؟
وأمام استفحال الاسترزاق والبلطجية، وخدمة نهج بعض رجال السلطة، يصعب التقاط مقال صحافي يريك أن صاحبه يروم خدمة التاريخ، ولا تصادف المادة الحقوقية إلا نادرا. نعم، لن تجد مقالا يريك مكمن الانتهاك. فماذا يفعل الراصد الحقوقي أمام مقالات تغفر لمُنتهك حقوق الإنسان فعاله؟
صحيح أن هناك هيئاتٍ لها من المصداقية ما يمكنها من إنتاج الخبر الحقوقي الجاد، وتكسب بعض الاستقلالية، لكنها لا تنتبه إلى وجوب تنظيم أوراش التكوين لفائدة الصحافيين للاعتناء بالخبر الحقوقي.
وختاما وجبت الإشارة أن ليس الحدث الجاد كل ما يفعله رجل السلطة، بل الحدث ما انجر عن أهوال عامة الشعب، نحو انتهاك الحق في الماء، وانتهاك الحق في الأرض، وانتهاك الحق في الهوية الثقافية. وليس التقرير الحقوقي ذاك الذي يتضمن الثناء على عامل ما، بل التقرير الحقوقي ذاك المفعم بالاقتراحات والتوصيات. إنه من الصعب القيام بالرصد، ومن الصعب إنتاج تقرير جاد. أختم مقالي هذا، والأمل يراودني ألا أكون قد تجاوزت الحد.