الأربعاء 21 إبريل 2021
منبر أنفاس

سليمان العلوي: التعاقد في قطاع التعليم مرحلة متقدمة في ضرب مجانية التعليم

سليمان العلوي: التعاقد في قطاع التعليم مرحلة متقدمة في ضرب مجانية التعليم سليمان العلوي
منذ فجر الإستقلال وقطاع التعليم مفتوح أمام أوراش ومشاريع إصلاح (الإجراءات الأربع، الميثاق الوطني، البرنامج الاستعجالي، الرؤية الاستراتيحية....)، اتسمت في مجملها بكثافة الفقرات والمضامين، وافتقدت لعمق الرؤية والإرادة،  فكان مآلها الفشل، بل تعمقت معها جروح القطاع، وانكسرت الرهانات والتطلعات.
وإذا كان الفشل في مجالات وقطاعات أخرى قد لا يثير انتباها، أو قد لا تكون له تداعيات قوية على الوضع العام للبلد، فإن الأمر مختلف، عندما يتعلق الأمر بالتعليم، فهو محدد حاسم لوضع البلد والمواطن، بل إن مخرجاته تمتد إلى كل تفاصيل المجتمع( الأسرة، العلاقات الاجتماعية، السلوك المدني، الهوية، الأمل ، الحلم....). فهو فن صناعة الإنسان-المواطن. فهل غابت هذه المعاني عن القائمين على القطاع، أم أنه يراد له أن يلعب دورا آخر وينجز مهام تختلف عن رهاناته الحقيقية ؟ أم أن الأمر مختلف وبعيد عن كل ذلك؟ فقد يكون السبب مرتبطا، فقط، بافتقاد الكفاءة في التدبير، وهنا يصبح الأمر يسيرا، إذ يكفي أن نختار من يكون مؤهلا للقيام بهاته المهمة الجليلة. أي أننا أمام سؤالين جوهريين يتعقان بالإرادة والمقدرة. والداعي إلى تناول الموضوع على هذا النحو، هو ما عرفه القطاع في السنوات الآخيرة من تعاقب مخيف لإجراءات عززت تخبطه، والتي كان آخرها إقرار نظام التعاقد، كإجراء استراتيجي، كما وُصِف، ولعل ذلك ما يثير الريبة والخوف على مستقبل المدرسة المغربية، ومجانية التعليم بها. وقد يقول قائل ما دخل مجانية التعليم بمشكلة تعيشها شغيلته؟ الجواب المقتضب ، هو أن هذا الإجراء معناه أن الشغيلة تمارس وظيفة عمومية في قطاع عمومي بشروط وتدابير القطاع الخاص، أي أنهم ماديا وإداريا غير مرتبطين بجهار و مؤسسة الوظيفة العمومية ( الوزارة الوصية). وبالتالي فقد أصبح وضعهم المهني، شبيها بموظفي القطاع الخاص، والموارد المالية المخصصة للأجور، سيكون تدبيرها من مهام الأكادميات التي يتوجب عليها البحث عن موارد وصيغ معينة للقيام بمهمتها.
والأدهى من ذلك أن الهشاشة والفوضى واللاجودة التي أصبح عليها القطاع ستدفع الأسر حتما، إلى البحث عن ملاذ آخر لمستقبل أبنائها، ولن تجد حينها إلا القطاع الخاص، بمساوئه وجشعه، كخلاص مر.
والحديث عن المس بمجانية التعليم ليس موضوعا جديدا، فقد تم التعبير عن خطورته، واتخدت حوله مواقف من طرف جهات وأشخاص في فترات وظروف مختلفة، لكن الذي يختلف اليوم أن ذلك أصبح واقعا يفرض نفسه، والأرقام تؤكد ذلك، حتى أنه تم اعتبار خوصصة التعليم هو الإختيار الأنسب لحلحلة المشاكل التي لا تنتهي في القطاع العام، أي أنه أُشّر للدولة بأن تمضي في خيارها، الذي من الواضح أنه سيعمق الفوارق الإجتماعية، وسنكون أمام، ونحن فعلا كذلك،  إعادة إنتاج نفس الأوضاع والوضعيات، أو جعلها أكثر سوءا، وذلك حاصل بالفعل منذ إقرار هذا الخيار المهني-السياسي، بدليل حجم الاضاربات والإحتجاجات المتوالية التي يُهدر معها الزمن المدرسي، وفرص التعلم والإكتساب الجيد، أي أن جل مكونات الجسم التربوي تئن بهذا الإجراء، فالأستاذ منكسر بهشاشة وضعه، والتلميذ متضرر من تقزم زمن تعلمه، والأسر متضايقة من انحباس مستقبل أبنائها. ومعناه أن هذا الوضع لا يمس فقط هذه الفئات بل يمتد ليخنق أنفاس الوطن، لذلك قال الخبير التربوي المغربي محمد الدريج "أن التعاقد ليس قضية أستاذ وإنما قضية شعب، وهو بداية لضرب مجانية التعليم "، ولا مجال لتفصيل أكثر في هذا، بما أنه أصبح من الواضح أن هذا التوجه سيعصف بكل ما تبقى من أمل في أن ينعم هذا الوطن بتعليم جيد يحقق كل التطلعات.
ومن تم فإن المجازفة بالمس بتوابث النهضة في كل بلد والتي علة رأسها التعليم المجاني الجيد للجميع، سيكون إندحارا  يصعب تحمل ضريبته.