الثلاثاء 22 يونيو 2021
مجتمع

عبد الغني الراقي: الدولة تعرف جيدا لماذا تحارب العمل النقابي

عبد الغني الراقي: الدولة تعرف جيدا لماذا تحارب العمل النقابي عبد الغني الراقي

في سياق الحراك الذي تعيشه الساحة التعليمية وخصوصا خلال شهر مارس 2021، استضافت جريدة "أنفاس بريس" الأستاذ عبد الغني الراقي، الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فكان لنا معه هذا الحوار:

 

+ الملاحظ أن هناك تراجع في أدوار النقابات، فما هي عوامل هذا التراجع؟

إلى حد ما هناك تراجع في أدوار النقابات، لكن دعني أقول لكم بأن هذا التراجع هو نسبي، ويمكن إجمال أسبابه في أربعة عوامل أساسية.

 

العامل الأول:

مرتبط بالدولة، وسأذكر كل من يهمه الأمر بأننا عشنا عقودا من الزمن والدولة تحارب العمل النقابي بشكل ممنهج، وأعتقد أن كلمة "محاربة النقابة" لم يسمعها المواطن المغربي لأول مرة، وخصوصا وسط الحقل الإعلامي المتتبع للعمل النقابي بالمغرب.

محاربة العمل النقابي الممنهج على عدة مستويات منها موجة الاعتقالات وتشريد النقابيين ومحاكماتهم.. وهذا الأمر زرع الرعب في صفوف الشغيلة التعليمية إلى درجة أن بعض المنخرطين في صفوف النقابة يؤدون واجب بطاقة العضوية ويرفضون تسجيل أسمائهم بلوائح النقابة كما يرفضون تسلم البطائق.

نعم لقد وصل الأمر إلى هذا الحد من الترهيب اتجاه المنخرطين وهذا عامل أسس لثقافة وعقلية نؤدي ثمنها اليوم، أكيد أن الدولة تعرف جيدا لماذا تحارب العمل النقابي، وتحارب وجود النقابات، على اعتبار أن الدولة جهاز منفذ لجزء من الصراع بين الباطرونا والشغيلة (الصراع يعني الباطرونا ورأس المال بشكل عام)، وكأن الدولة تكمل بعض أدوار لصراع الطبقي للرأس مال.

 

العامل الثاني:

عشناه داخل الساحة التعليمية وهو خلف الفئات على المستوى القانوني، فالأنظمة الأساسية التي تنظم نساء ورجال التعليم داخل المنظومة وعلاقتهم مع الوزارة (الأنظمة الأساسية) خلقت هذا النوع من الفئات المتمايزة، فئة لا تشبه الأخرى، فئة تشعر بأنها مظلومة أكثر من فئة أخرى... هذه الفئوية التي خلقت على المستوى القانوني من طرف الوزارة ساهمت بدورها في وضع أسس ظاهرة الفئوية والتي تحولت في مرحلة لاحقة إلى تنسيقيات.

 

العامل الثالث:

يرتبط بعدم حل الملفات ومعالجة المشاكل من طرف الوزارة، فلو كان هناك حوار حقيقي ممأسس وجاد وفعال (ويا ما طالبنا بمأسسة الحوار) على الأقل مرتين في السنة إسوة بما هو معمول به في بعض الأنظمة الأخرى.. حوار منتظم قادر على حل ومعالجة ملفات الشغيلة التعليمية.

 

غليان الساحة اليوم في شهر مارس 2021، مستمر وامتد إلى التلاميذ الذين خرجوا للتضامن مع أساتذتهم ويدافعون عن مصلحتهم في الدراسة والتحصيل.. هذا الاحتقان ناتج عن عدم احترام آلية الحوار، وأذكر القراء أن آخر لقاء كان مع وزير التعليم والنقابات التعليمية يعود إلى أكثر من سنتين وتحديدا بتاريخ 25 فبراير 2019. هذا دليل على أنه ليست هناك إرادة لمعالجة ملفات الشغيلة التعليمية، ولا يمكن أن تعالج إلا على طاولة الحوار. وهذا عامل أساسي ورئيسي ساهم في خلق التنسيقيات لأن أصحاب الملفات يبحثون على صيغة من الصيغ للخروج إلى الشارع للتنظيم والانتظام والاحتجاج بشكل حضاري.

 

العامل الرابع:

يتمثل في ظاهرة التشرذم التي تعرفها الحركة النقابية من خلال تناسل العديد من النقابات، فالكونفدرالية الديمقراطية للشغل والنقابة الوطنية للتعليم، أدت الثمن غاليا في الفترة الأخيرة بحيث تفرقت عنها العديد من النقابات، ونتساءل هل هذا التشرذم له ما يبرره حقيقة؟ هل حلت المشاكل؟ هل عولجت الملفات؟ وهل قضي الأمر بتأسيس وخلق نقابة جديدة؟ لا أعتقد. هذه بعض العوامل، نعتبرها كنقابة وطنية للتعليم مفاتيح لتفسير وشرح أسباب تراجع الحقل النقابي.

 

+ ما هو دور الجمعيات المهنية، وهل هناك تداخل في الاختصاصات؟

- الجمعيات المهنية داخل قطاع التعليم ظاهرة صحية، وهي كثيرة (الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، جمعيات المفتشين، جمعيات المديرين...) والعديد من الجمعيات المهنية. لكن متى يحصل نوع من التداخل والخلط في الأدوار؟ لما تتبنى الجمعية مطالب نقابية، وأظن أن هذه المسألة محدودة، ولا يجب أن نبالغ فيها.

 

في تجربتنا النقابية هناك العديد من الجمعيات المهنية يميزون بين الأدوار الجمعوية والأدوار النقابية، لهذا فإن الجمعيات المهنية تهيئ ملفات نقابية وتصوغها وتقدمها للنقابات للترافع والدفاع عنها، مثل (جمعيات المديرين وأطر التوجيه والتخطيط التربوي...)، لكن هذا التمييز في بعض الأحيان يحدث فيه شيء من التداخل على مستوى الأدوار لكنه يظل محدودا .

 

كون الجمعية المهنية تخرج لتطالب بتنظيم المهنة، نعتبر هذا من صميم العمل الجمعوي ومن اختصاصه (تنظيم مهنة المدير، تنظيم مهنة المفتش، الوجيه التربوي والتخطيط ...). كذلك من صميم عمل الجمعية المهنية أن تخرج وتطالب بمكانة اعتبارية لمهنة معينة بحقل التعليم (المكانة الاعتبارية للمدرس، للمفتش، للمستشار في التوجيه والتخطيط..) أمر عادي وطبيعي وهذا هو كنه وطبيعة الحقل الجمعوي بالنسبة لجمعية مهنية.. لكن أن تطالب بالزيادة في الأجور وفي التعويضات فهذا الأمر تشتغل عليه الجمعية وتعد ملفاته وتحيله على النقابات في تمييز واضح وواعي وناضج ما بين الحقلين النقابي و الجمعوي. لذلك فالاحتجاج حق مشروع للجمعيات المهنية فيما يتعلق بالمطالب الخاصة بمهنة معينة والتي تدخل في صميم عملها.

 

+ حدثنا عن التنسيقيات، وكيف يتم التنسيق مع النقابات؟

- يجب أن نميز بين نوعين بين التنسيقيات، هناك من يعتقد مسبقا بأن التنسيقيات لا علاقة لها بالنقابات، لا. هناك تنسيقيات نقابية، وهناك بعض التنسيقيات لا علاقة لها بالنقابات فعلا، على مستوى تكوينها.. هناك ملفات فئوية فيها تنسيق نقابي، ولما تجتمع النقابات لتنسق في ملف محدد لفئة معينة، تؤسس تنسيقية نقابية والملف الحي والذي نعيشه حاليا.

 

ليست هناك تنسيقية خاصة بأطر التوجيه أو أطر التخطيط وهم يخرجون للاحتجاج باستمرار أمام الوزارة في إطار تنسيق نقابي تارة يكون التنسيق النقابي ثنائي وتارة أخرى ثلاثي، بل عشنا مراحل وصل فيها التنسيق النقابي خماسي وسداسي. وهذا التنسيق يندرج في خانة تنسيقية نقابية تروم الدفاع الموحد على ملف محدد وقضية معينة، ونعتبره شيء طبيعي وعادي فيه إحساس لدى فئة معينة، والفئوية خلقتها الوزارة وأسست لها بأنظمتها الأساسية.

 

+ هل هناك أمل في العمل الموحد والميداني؟

- جوابي سيحمل نبرة تفاؤلية، رغم أن تعدد وتناسل التنسيقيات (أكثر من عشرة تنسيقيات) بحكم أن هناك ملفات عالقة، ملفات خاصة بهذه الفئة أو تلك، وهذا هو الذي خلق نوع من الإحساس لدى الفاعلين في هذه التنسيقيات يتمحور حول الوحدة النضالية والميدانية.

 

الملف الذي يمكن أن يجمع كل هذه الملفات الفئوية هو الملف النقابي باختصار شديد، هو النقابة، بصفتي مسؤول نقابي أقول بأنني متفائل في المستقبل القريب والمتوسط بأن هناك وعي لدى الفاعلين في العديد من التنسيقيات، وهناك قناعة بأن التنسيقية لوحدها لن تحل المشكل، ولن تعالج الملفات بشكل معزول، لذلك هناك إحساس بتجميع الملفات وتوحيد النضالات في وحدة نقابية والعمل النقابي الخالص بامتياز.

 

أنا متفائل بأن هذه مجرد مرحلة فقط، مرحلة التشرذم وتناسل التنسيقيات بحيث ستتلوها بالضرورة مرحلة تجميع ووحدة العمل النقابي، سواء داخل النقابة الوحيدة أو في إطار تنسيق نقابي في إطار نقابات فاعلة في الساحة.