الاثنين 18 أكتوبر 2021
فن وثقافة

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ"..زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (14)

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ"..زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (14) الحمام الزاجل، يتوسط الزميل أحمد فردوس،والفنان الموسيقي حسن الزرهوني(يسارا)

تواصل جريدة "أنفاس بريس" فتح شهية علبة مخزون الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني على مستوى فن العيطة المغربية، للخوض هذه المرة في روائع شعر الغزل من خلال ملفنا الإعلامي الجديد في موضوع "شعر الغزل في العيطة العبدية".

يتفق أغلب الأدباء على أن الغزل "هو فنّ من فنون الشعر، وغرض أساسيّ من أغراضه، صنّف على أنّه من أعظم فنون الشعر العربي القديم، يعبر الشاعر من خلاله عن أحاسيسه تجاه محبوبته، واصفاً محاسنها، متغنياً بجمالها، مشتاقاً لرؤيتها، حزيناً على فراقها، مع تركيزه في وصفه لها على مواطن التميّز فيها... وهو يصور خلجات النفس، وفرحتها بلقاء المحبوبة، وحزن الشاعر على فراقها، إذ تميز بقوة العاطفة وحرارتها".

لقد حظي شعر الغزل باهتمام كبير من قبل الشاعر(ة)/ الناظم (ة) لقصائد العيطة المغربية عامة وخصوصا الحصباوية منها، حيث نسوق في سلسلة حلقاتنا مع ضيف الجريدة، نموذجا رائعا لتألق ناظم(ة) قصيدة عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ"، والتي نحاول تفكيك بعض متونها الشعرية في الحلقة الرابعة عشر، في سياق أحداث تاريخية شهدتها منطقة أسفي و عبدة في الفترة التي تشكلت فيها هذه العيطة الجميلة المتكاملة البنيان.

في الحلقة الرابعة عشرة من سلسلة حلقاتنا في موضوع "شعر الغزل في فن العيطة الحصباوية" سننتقل إلى الجزء الخامس لمناقشة المتون الشعرية/العيطية التي قال فيها الناظم/الشاعر العبدي ما يلي:

"كَانْ تْخَاصَمْنَا نَتْصَالْحُو، كَانْ تْصَالَحْنَا يْخَاصْمُونَا

حَيًدْ حَيًدْ، مَا فِيكْ نِيًةْ، لَا حِيلَةْ لَا سْبَابْ، سِيرْ يَا مَنْ كَانْ لِي سْبَابْ

خَصَمْتِينِي مْعَ لَحْبَابْ، اَلًلهْ يْتَالِيكْ بِالْعْذَابْ

خَصَمْتِينِي مْعَ أمٍي، وُزَدْتِي حْتًى بُويَا

حَيًدْ حَيًدْ، مَا فِيكْ نِيَةْ، اَلًلهْ يْصَاوَبْ، الزْمَانْ يَا سِيدِي"

إن الناظم/الشاعر العبدي يقف في هذه المتون ليوضح من خلالها وينقل للمتلقي/المستمع كيف أصبحت العلاقة الاجتماعية والعاطفية والإنسانية بين عائلة عائشة ابنة المكي وعائلة العاشق الولهان، هذه العلاقة التي أصبح يطبعها الخصام والنفور والعداوة بسبب رفض الخطوبة والإقتران بين العشيقين، وقد ساهم في تظهور هذه العلاقة تدخلات بعض الأطراف التي تؤثر في العلاقة بين العائلتين وتحول دون تحقيق هدف الزواج وتكوين أسرة مستقرة نفسيا ومعنويا و تعيش حياة الحب والإطمئنان وصلة الرحم بين "عَايْشَةْ بَنْتْ اَلْمَكٍي" وعاشقها الذي تحدثنا عن شخصيته ووضعيته في الحلقات السابقة بإسهاب. وهذا ما يؤكد إنشاده للمتن "كَانْ تْخَاصَمْنَا نَتْصَالْحُو، كَانْ تْصَالَحْنَا يْخَاصْمُونَا" ويضيف موضحا بقوله في رائعة عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وُاَلثْلَاثْ" ليؤكد توتر العلاقة بـ " حَيًدْ حَيًدْ، مَا فِيكْ نِيًةْ، لَا حِيلَةْ لَا سْبَابْ، سِيرْ يَا مَنْ كَانْ لِي سْبَابْ"

لقد أصبحت العلاقة بين العائلتين متدبدبة بفعل التوتر وتأجيج الأوضاع بينهما، وساهمت في عذابات العاشق وحبيبته عائشة ابنة المكي، فتارة يسود صلح حذر بينهما، وتارة أخرى يسود الخصام وتشتعل العداوة والقطيعة التامة، بل يؤكد العاشق أن هذه الوضعية غير المستقرة أثرت في علاقة العاشق داخل أسرته بالنسبة لوالديه وحتى بالنسبة لأفراد عائلته الكبيرة من أقربائه وأهله، والذين مَلٌوا من تقلبات عواصف الحب التي حولت العاشق إلى كائن منعزل يقاسي من عذابات الفراق ولوعة الاشتياق من خلال إنشاده بالقول: "خَصَمْتِينِي مْعَ لَحْبَابْ، اَلًلهْ يْتَالِيكْ بِالْعْذَابْ، خَصَمْتِينِي مْعَ أمٍي، وُزَدْتِي حْتًى بُويَا، حَيًدْ حَيًدْ، مَا فِيكْ نِيَةْ، اَلًلهْ يْصَاوَبْ، الزْمَانْ يَا سِيدِي".

إن مضمون المتن الشعري يؤكد بدون تحفظ عزلة الشاعر/الناظم، و وحدته كالغريب في القبيلة، حيث استفحلت أزمة وضعيته داخل محيطه الاجتماعي ليخلص إلى تقديم شكواه إلى الله للخلاص ممن كان سببا في تأجيج العلاقة المتأزمة بين العائلتين والعمل على تفكيكها لغرض في نفس "اَلْمَكِي" ومن يدور في فلكه ويخطط لتحقيق هدف تزويج عائشة من أحد الأعيان، دون مراعاة للعلاقة العاطفية القائمة بين الحبيبين، حيث ينهي المتن الشعري متوجها بمناشدته لله كونه جميل ويحب الجمال بأن ينتقم له ممن ساهم في تشتيت العلاقة العاطفية، ويعيد له معشوقته عائشة ويتحقق المراد مادام هناك أمل في الحياة بقوله: " حَيًدْ حَيًدْ، مَا فِيكْ نِيًةْ، لَا حِيلَةْ لَا سْبَابْ، سِيرْ يَا مَنْ كَانْ لِي سْبَابْ".

أما في الجزء السادس من قصيدة/عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وُالثْلَاثْ" والذي يقول فيه الشاعر ما يلي:

"عَلٍي يَا فْرِيـﯖْ لَحْمَامْ، عَلٍي وْزِيدْ فِـ لَوْهَامْ، وَقْرَا لَوْحَيْدَةْ السًلَامْ

سَبْعَ سْلَامَاتْ فِـ سْلَامْ، هَذَا رَمْضَانْ بِالصْيَامْ

قَلًةْ لِيمَانْ فِـ بْنَادَمْ، لَحْرَامِي مَا فِيهْ نِيًةْ"

لماذا خاطب الناظم/ الشاعر العبدي سرب طائر الحمام، واستعمله كرمز للتواصل مع الحبيبة بقوله "عَلٍي يَا فْرِيـﯖْ لَحْمَامْ، عَلٍي وْزِيدْ فِـ لَوْهَامْ، وَقْرَا لَوْحَيْدَةْ السًلَامْ"؟

دور الحمام الزاجل عند العرب في نقل المراسلات

لقد كان العرب قديما من بين الأمم التي استعملت طائر الحمام كوسيلة في نقل المراسلات، واهتمت به كثيرا، حيث أصبح يمثل البريد الذي أسسوه في فترة سابقة اعتمادا على "ساعي البريد" بواسطة الفرسان وخيولهم، والبغال والجمال، ثم استعمال إشارات الدخان وقرع الطبول في إرسال الأخبار والمعلومات العسكرية حسب المراكز التي كانت في فترة الخلافة سواء العباسية أو الأموية ، ومع اتساع رقعة الخلافة وفتوحاتها الإسلامية، وطول المسافة وانتشار الحروب وصعوبة الطرقات مع كثرة الفتن والصراعات الداخلية ومحاولات الانفصال في بعض المناطق في تلك الفترة، فضلا عن ازدياد مصادر الثروة وتنوعها، وكثرة مؤسسات الدولة ودواليبها أصبح ولابد من وسيلة أكثر نجاعة وكفاءة وسرعة لضمان الفعالية لعمل ديوان البريد، لهذا السبب أدخل الخلفاء العباسيون استخدام طائر الحمام (الزاجل) لما يمتاز به من سرعة فائقة وسهولة في إعادة نقله لنقطة الانطلاق مرة أخرى ، إضافة إلى انخفاض كلفة تربيته والعناية به قياسا بالخيول والجمال والبغال وما إلى ذلك من وسائل تواصلية.

ويعرف عن الحمام الزاجل أن له ملكة وبوصلة في الرجوع إلى موطنه (مركز البريد) مهما طالت المسافات، ويمتاز بدقته في الوصول إلى أهدافه، فضلا عن جمال شكله وألفته حتى تنافس الناس في اقتنائه وتربيته واستعماله كوسيلة بريدية، وتوسيع أدواره وتحسين نسله، فأخضعوه لمراقبة دقيقة ونظموا له سجلات خاصة بحركاته وتحركاته وخصصوا له مربون يهتمون بتربيته والعناية به وترويضه مقابل أجور.

يذكر أنه في فترة الفاطميين استعمل الحمام الزاجل لنقل رسائل مرموزة تفننوا في تقنياتها، حيث يصعب تشفيرها وتفكيك مضمونها، حتى لا يتمكن العدو من قراءتها إن وقع في الأسر. و حتى الشعوب القديمة مثل الفراعنة والإغريق والفرس والرومان والصينيون استعملوا الحمام في بريدهم، بما فيهم الأوربيون مثل فرنسا التي استخدمته في حروبها كوسيلة للتواصل سنة 1871، عندما تم محاصرة باريس لعدة أشهر.

و كانت أول رسالة نقلها الحمام هي تلك التي أرسلها نوح (عليه السلام) لما رست سفينته بعد الطوفان، حيث عاد الحمام للسفينة محملا بغصن زيتون، ومن تم أصبح غصن الزيتون والحمام رمزا للسلام .

الشاعر يخاطب سرب الحمام لتبيلغ رسالة السلام

الشاعر في هذا المتن يشير إلى سرب من الحمام بقوله: "عَلٍي يَا فْرِيـﯖْ لَحْمَامْ، عَلٍي وْزِيدْ فِـ لَوْهَامْ، وَقْرَا لَوْحَيْدَةْ السًلَامْ"، ولا يتحدث عن طائر واحد ..علاوة على أن الناظم/الشاعر العبدي يعي جيدا الظروف المناخية والتيارات الباردة والحارة والأمطار التي تعكر صفو الحمام، وقد يتعرض خلال الإضطرابات الجوية إلى مشاكل صحية، أو قد ينجذب لسرب آخر من الطيور المهاجرة فيغير وجهته ولا يؤدي مهمته. لهذا فإنه خاطب سرب الحمام بقوله: "عَلٍي يَا فْرِيـﯖْ لَحْمَامْ"، و وجه له الكلام بصفة عامة حتى يكون متأهبا للطيران والسفر والتحليق في الأعالي للوصول بسلام للهدف دون مكروه حيث قال "عَلٍي وْزِيدْ فِـ لَوْهَامْ، وَقْرَا لَوْحَيْدَةْ السًلَامْ" من أجل تبليغ الحبيبة سلامه واشتياقه.

وقد شدد الناظم/ الشاعر العبدي في خطابه الشعري في المتن المذكور على كلمة "اَلْعُلُوْ" حينما قال:"عَلٍي وْزِيدْ فِـ لَوْهَامْ، وَقْرَا لَوْحَيْدَةْ السًلَامْ"، بمعنى أن سرب الحمام وجب عليه التحليق عاليا بعيدا عن المشاكل التي يمكن أن تعترضه في مجال نقل مراسلته للحبيبة وتبليغها سلامه. ويحث سرب الحمام على التحليق عاليا في مأمن كما يفعل الطائر الحر (الباشق/الصقر/ النسر/الباز...) حتى لا تعترض طريقه طيور جارحة ولا يكون سهل الإصطياد والوقوع في شباك العرقلة.