الأحد 9 مايو 2021
سياسة

"البيجيدي".. حزب التماسيح الذي نهش لحم أساتذة التعاقد

"البيجيدي".. حزب التماسيح الذي نهش لحم أساتذة التعاقد حزب التماسيح مصر على مص دماء أساتذة وأطر التعليم

حين قررت حكومة عبد الإله بنكيران، في سنة 2016، إلغاء باب التوظيف العمومي وتعويضه، داخل قطاع التعليم، بنظام التعاقد كان واضحا أن حزب العدالة والتنمية (الذي يرأس الجهاز التنفيذي بصلاحيات غير مسبوقة، ويقود الأغلبية الحكومية) مستمر في تخريب مجال التربية والتعليم، وفي تعريضه للعبث والارتجال، خاصة إذا وضعنا نظام التعاقد في سياق جملة القرارات التي أقرها بنكيران من أجل مص دماء المغاربة، وتحميلهم كل تبعات الأزمات في المغرب والعالم. نذكر، في هذا الإطار، بالخطوات المشؤومة التي اقترفها الأصوليون:

 

إبطال عمل صندوق المقاصة عبر التراجع عن دعم المحروقات، وترك المواطنين عزل أمام غول الغلاء، وعبر تخريب أنظمة التقاعد بدعوى الاصلاح. إضافة إلى تعطيل كل مشاريع الإصلاح المتحدث عنها خلال حمى الوعود الانتخابية من قبيل محاربة الفساد والريع، والرفع من نسبة النمو، وتقليص الفوارق بين الطبقات والجهات، وإقامة العدالة الاجتماعية، بموازاة ذلك عملت الحكومة الملتحية على إبطال الحوار الاجتماعي مع النقابات والباطرونا، واستمرار التضييق الممنهج على الحريات العامة.

 

إذن، وضمن هذا الانحدار التراجيدي المكلف نفسيا واجتماعيا، قرر رئيس الحكومة الشروع في فرض نظام التعاقد لتشغيل الراغبين في مزاولة مهنة التدريس. وقد أحاط   بن كيران ومن معه الموضوع بكثير من الغموض حتى يجعل المهزلة تمر، حيث تم تقديم النظام على أساس أنه فتح مبين في مجال التعاطي الحكومي مع المسألة الاجتماعية، وأنه تدبير عقلاني لملف الموارد البشرية، خاصة بعد تأطير الموضوع قانونيا، في ما بعد، عبر إصدار النظام الأساسي الخاص بأطر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين الذي دخل حيز التنفيذ بدءا من فاتح شتنبر من سنة 2018. والحال أن هذا النظام يجب أن يقرأ في حدوده الحقيقية:

 

أولا: إنه يعني أولا استقالة الحكومة من مسؤولياتها في التوظيف الذي هو حق دستوري، ويعني كذلك تحويل جزء من اختصاصات وزارة التعليم للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين بدعوى تثبيت نظام اللامركزية واللاتمركز، وتقوية الجهوية المتقدمة. مع إخضاع قواعد هذا التحويل لجعلها ممركزة في سلطة مديري الأكاديميات. ومما يزيد الطين بلا هو أن بناء آليات التعاقد قد تم في غياب المعنيين بالأمر، أي الأساتذة المتعاقدين الذين وجدوا أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما قبول سلطة الأمر الواقع، والإذعان لقوى الأمر القاهر، أو استمرار التشرد والعطالة، وتواصل الغضب من دولة تحقر أبناءها، وتزدري الدارسين والنابغين. وحين دخل الموقعون الحلبة وجدوا أنفسهم أمام شروط تؤكد أن التعاقد لم يكن فقط خطة مجحفة، بل مصيدة أو لنقل تعاقد القوي مع الضعيف الذي يكون مضطرا إلى تسليم رقبته للذباح بدون تردد أو اختيار، ومن ثم جاء قرار الانتظام في التنسيقيات الوطنية الحاملة لمعنى معاناتهم.

 

ثانيا: إنه يعني كذلك تغيير «شروط اللعب»، حيث تبدل الأمر ليصبح التوظيف مرادفا للمستوى المبتذل للاستخدام والتشغيل، دون أن تتهيأ الشروط الموضوعية لإقامة هذا النوع من الاستخدام حين يفرض على قطاع له طبيعة خاصة، لا تتعلق بمجال الصناعة التحويلية مثلا، أو بمجال الاستثمار في العقار أو المقالع أو في اواسط البحار، بل يتعلق بمجال مرهف يخص الاستثمار الرمزي في الثقافة والإنسان، وفي بناء القيم التي من المفروض أن تهندس حاضر الامة ومستقبلها.

 

ثالثا: يعني نظام التعاقد كذلك ضرب الاستقرار الاجتماعي والنفسي للمتعاقدين، حيث أصبح مديرو الأكاديميات لا يتحكمون فقط في مستقبل الأساتذة، خاصة في ما يتعلق بقرارات التوقيف أو إنهاء الخدمة. بل يتعمق اللااستقرار حين يرى المتعاقد أنه لا يتمتع بكل الحقوق الأساسية وفي مقدمتها الترقية والانتقال والتقاعد وتدبير المآل إذا ما كتبت على المتعاقد ظروف العجز عن العمل.

 

لأجل كل ذلك اعتبر المحتجون اليوم من نساء ورجال التعليم أنهم وقعوا فعلا عقدة مفروضة. ولأجل ذلك   يتظاهرون من أجل الحوار لملء بياضات ذلك النظام، ومن أجل أنسنته بما يتلاءم مع خاصية القطاع لا مع إملاءات المؤسسات المالية الدولية.

 

أمام ذلك تصمت الحكومة إزاء قطاع يتورم يوميا، وتحتدم داخله مشاعر اليأس والتذمر منذ أربع سنوات، فرئيس الحكومة صار بلا لسان، ووزير التعليم المفروض أنه الناطق الرسمي للحكومة سمعناه يتفوه بعبارات تعبر عن أن ما يجري لا يهمه، بل يهم المتظاهرين؟! وهكذا نصبح أمام إهدار جديد للزمن النفسي للمغاربة، وعبث آخر بأمنهم الاجتماعي بعد أن أغلقت كل أبواب الحوار مع هؤلاء الذين نسلمهم أبناءنا كل صباح ليرسموا في مخيلتهم جمال الحياة، ولينوروا عقولهم بالأفكار والمشاعر الطيبة.

 لكن ها هم يسلخون، ومع ذلك يحتجون ويعدون بالتصعيد لأنهم لا يريدون أن يكونوا بلا لسان أمام من «يُغسلهم»، ولأنهم ببساطة ليسوا موتى بل رجال فكر وتربية وأحلام.

 

(تفاصيل أوفى تقرأونها في العدد الجديد من أسبوعية "الوطن الآن")