الجمعة 23 إبريل 2021
فن وثقافة

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ"..زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (6)

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ"..زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها  (6) الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني (يمينا) والزميل أحمد فردوس

تواصل جريدة "أنفاس بريس" فتح شهية علبة مخزون الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني على مستوى فن العيطة المغربية، للخوض هذه المرة في روائع شعر الغزل من خلال ملفنا الإعلامي الجديد في موضوع "شعر الغزل في العيطة العبدية".

يتفق أغلب الأدباء على أن الغزل "هو فنّ من فنون الشعر، وغرض أساسيّ من أغراضه، صنّف على أنّه من أعظم فنون الشعر العربي القديم، يعبر الشاعر من خلاله عن أحاسيسه تجاه محبوبته، واصفاً محاسنها، متغنياً بجمالها، مشتاقاً لرؤيتها، حزيناً على فراقها، مع تركيزه في وصفه لها على مواطن التميّز فيها... وهو يصور خلجات النفس، وفرحتها بلقاء المحبوبة، وحزن الشاعر على فراقها، إذ تميز بقوة العاطفة وحرارتها".

لقد حظي الغزل باهتمام كبير من قبل الشاعر(ة)/ الناظم (ة) لقصائد العيطة المغربية عامة وخصوصا الحصباوية منها، حيث نقدم في هذه السلسلة من حلقاتنا مع ضيف الجريدة، نموذجا رائعا لتألق ناظم (ة) قصيدة عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ"، والتي سنحاول تفكيك بعض متونها الشعرية في سياق أحداث تاريخية شهدتها منطقة أسفي و عبدة في الفترة التي تشكلت فيها هذه العيطة الجميلة المتكاملة البنيان.

فهل توفق الناظم/ الشاعر في وصف الحبيبة/المرأة الفاتنة التي كانت سببا في معاناته، وهل صاغ متونه الشعرية وكلماتها وصورها البلاغية بنفس يعكس حجم عشقه للمحبوبة في زمن غير زماننا، وأسئلة أخرى سنجيب عليها في الحلقات المتتالية؟

في هذا السياق نخصص الحلقة السادسة من هذا الملف لتحليل متن "عَايْشَةْ وْخَدٌوجْ، هٌمَا بْجٌوجْ، كِيفْ الْخَيْلْ، بْلَا سْرٌوجْ"، وتفكيكه في علاقة مع موضوع القصيدة الجميلة لعيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ"، التي وظف فيها الشاعر العاشق لحبيبته "عَايْشَةْ بَنْتْ اَلْمَكٍي"، بلاغة الألفاظ والكلمات المستوحاة من قاموس الدارجة المغربية، مرة بحس مادي وتارة أخرى بحس مجازي للتعبير عن حبه العذري لعشيقته وعلاقته الغرامية التي لم تكتمل كما ورد في العيطة موضوع ملفنا الإعلامي، و ضبطه العلاقات الإجتماعية والإنسانية بين العشائر والقبائل ومجالاتها الجغرافية، واستعماله صورا شاعرية غاية في دقة وصف كيفية تهيئ وتنظيم بعض الجلسات الفنية لأعيان القبائل ورجال المخزن المحلي وغيرهم.

فمن تكون "عَايْشَةْ"، التي أغرم بها الشاعر/الناظم لقصيدة عيطة "بِينْ اَلْجَمْعَةْ وَالثْلَاثْ" التي تعد أرقى تعبير في الغناء الشفهي العيطي بمنطقة عبدة على مستوى شعر الغزل العذري، وما هي الأسباب التي أعدمت تلك العلاقة الغرامية وحكمت عليها بالفشل وأدت بالشاعر/العاشق إلى الإنهيار النفسي والمعنوي...وأشياء أخرى جاءت على لسان الضيف؟

"عَايْشَةْ وْخَدٌوجْ، هٌمَا بْجٌوجْ، كِيفْ الْخَيْلْ، بْلَا سْرٌوجْ"

من هو الشاعر/العاشق المفترض الذي ألهمته حبيبته "عَائِشَةْ" ليتغزل بجسدها، بفن القول والنظم شعرا بدويا عميقا، يترجم أحاسيسه العاطفية في زمن الحرب؟ ومن هي مرافقتها "خَدٌوجْ" التي ورد ذكر إسمها في هذا المتن العيطي ؟

حسب رواية ضيف الجريدة الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني فإن الشاعر/الحبيب "هو أحد الأشخاص الذي كان يقطن بضواحي مدينة أسفي في الجهة الشرقية بالطريق المؤدية لمدينة مراكش، وكان عاملا بالشركة الفرنسية صاحية مشروع تقوية وتوسعة الخط السككي الرابط بين اليوسفية وأسفي الذي تحدثنا عنه في الحلقات السابقة، حيث ستتوقف أشغاله خلال فترة الإنزال العسكري للقوات الأمريكية بميناء أسفي وإشتباك الجيشين بين ضواحي منطقة "سيد التٍيجِي و ثْلَاثْ بٌوﯖَـدْرَةْ". وأضاف في حكيه المسترسل لربط الأحداث ونوازلها بموضوع عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ" والشاعر/الحبيب ليوضح قائلا:"حدث المعركة بين الجيشين كان سببا في توقف الأشغال وهروب عمال الشركة خوفا من الموت بسبب الحرب المشتعلة، ودوي المدافع وهدير الطائرات..إلى حين عقد إتفاقية هدنة وصلح بين فرنسا وأمريكا".

لقد قرر شاعرنا العبدي المغرم بعشيقته الفرار من ويلات الحرب المشتعلة مثل سائر العمال و "الرحيل لمدينة أسفي للبحث عن عمل يعوض به عمله السابق بشركة السكك الحديدة التي توقف مشروعها مدة زمنية معينة"، حاملا معه لوعة فراق حبيبته "عَائِشَةْ بَنْتْ اَلْمَكٍي" التي تعد إحدى قريباته عائليا، حيث كانت أسرتها تستقر بدوار زاوية سيدي مبارك بوـدرة .

كانت معشوقته الجذابة "عَائِشَةْ" تحمل الكثير من صفات الجمال، وكان شاعرنا العبدي متيما بها وبأوصاف ومفاتن جسدها الساحر حد الجنون، لكن فرص اللقاء بها والحديث معها كانت استثنائية وقليلة جدا، بحكم مرافقة أختها "خَدٌوجْ" لها خارج البيت واصطحابها مثل ظلها الذي لا يفارقها، أو لنقل توأمها الروحي، سواء لجلب الماء أو الحطب أو قضاء مآرب ومتطلبات العيش في القرية. لذلك أنشد الشاعر مركزا في مطلع البيت الشعري على الشخصيتين معا بالقول: "عَايْشَةْ وْخَدٌوجْ، هٌمَا بْجٌوجْ".

كانت أعين شباب القرية تلاحقهما و تتربص بخطى الأختين، وتسترق النظر عن بعد لجمالهما الأخاذ، وتلوك ألسنتهم الحديث عن تفاصيل مفاتنهما ورشاقتهما التي سلبت الأفئدة، وكان شاعرنا/المتيم يتنافس ويسابق الزمن للإستفراد بحب "عَائِشَةْ" التي يراقب حركات جسدها كلما سنحت الفرصة لذلك، وظل العاشق الولهان يترقب إطلالتها خارج البيت كل يوم جمعة كموعد لزيارة قبر والدتها رفقة أختها "خَدٌوجْ" بمقبرة زاوية ثلاثاء سيدي مبارك بوﯖـدرة.

لقد اخترقت سهام العشق قلب الشاعر العبدي وأصابته في مقتل، لكن حواسه التي لا تخطئ، أخبرته بأن معشوقته تبادله نفس النظرات والأحاسيس العاطفية، سواء بالإشارات أو بلغة عيونها الجذابة، وتطورت العلاقة العاطفية عن بعد إلى لقاءات خاطفة وعابرة بعيدا عن الأعين المتلصصة، إلى أن جمعهما لقاء العشق للحديث عن مشروع زواجهما الذي يتطلب الدخول من باب بيت والدها المكي وطلب يدها بشكل رسمي وفق عادات القبيلة.

تسلح الشاعر العبدي بشجاعة الحب وصورة الحبيبة/ زوجة المستقبل التي لا تفارق خياله، وفاتح والديه في موضوع الخطوبة، واستعداده بشكل رسمي لزيارة بيت "اَلْمَكٍي" صهره المفترض، بعد أن وفرت عائلته شروط ذلك اليوم الذي كان يعتبره أسعد أيام حياته وهو يطلب يد الحبيبة "عَايْشَةْ".

لكن رجوع الشاعر بخفي حنين، جراء رفض "اَلْمَكٍي" تزويج ابنته لقريب من العائلة (الشاعر المفترض)، متضرعا بكونه قد التزم مع أحد أعيان القبيلة الذي تقدم لخطبتها سابقا، كان سببا في تدبدب وبرودة العلاقة العائلية بين الأسرتين إلى درجة المقاطعة والخصام، وتطورت إكراهات الزواج بين العشيقين وأسرتيهما بفعل القيل والقال على موائد الأهل والأقرباء وتسبب ذلك في تفجير مشاكل جانبية وتأجيج الخصام حيث ضمن الشاعر ذلك في إنشاده بالقول:

"كَانْ تْخَاصَمْنَا نَتْصَالْحُو، كَانْ تْصَالَحْنَا يْخَاصْمُونَا

حَيًدْ حَيًدْ، مَا فِيكْ نِيًةْ، لَا حِيلَةْ لَا سْبَابْ، سِيرْ يَا مَنْ كَانْ لِي سْبَابْ

خَصَمْتِينِي مْعَ لَحْبَابْ، خَصَمْتِينِي مْعَ أمٍي، وُزَدْتِي حْتًى بُويَا"

الإستعارة في التشبيه بأبلغ الصور الشعرية للتعبير عن جمال الحبيبة "عَايْشَةْ"

إن الشاعر منشد قصيدة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ" قد وظف الفرس في هذا المتن العيطي باعتبار أن الحصان استأثر بنصيب وافر من الإستعمال في المتون الشعرية للعيطة العبدية، للتأكيد على الحضور القوي للخيل كمصدر قوة بمنطقة عبدة، وكدلالة ورمز يحيل على النخوة والهبة والعظمة والجمال والشجاعة والصبر والإقدام، إذ شبه الشاعر المصدوم من موقف رفض "اَلْمَكٍي" طلب الزواج، حبيبته بالفرس العربي البربري الأصيل. واستعمل خياله الواسع وحسه المرهف لربط صفات جمال خليلته الفاتن في جسدها وشخصيتها، بتركيزه على صفات الخيل التي وهبها الخالق المصور نفس الحسن و الجمال الجذاب في جسمها و حراكتها وقوائمها وعيونها وشعرها ونخوة مشيتها بكبرياء وجموحها وصعوبة ترويضها.

إن خيال الشاعر المغرم بحبيبته "عَايْشَةْ" استعمل ملكة التشبيه بالفرس العربي البربري الأصيل، التي يصعب الإقتراب منها، والتحكم فيها، وامتطاء صهوتها دون مستلزمات وشروط الركوب المتمثلة في (اللجام والسرج والركاب..)، وامتلاك لغة التواصل معها للإستئناس بها. وهذا التشبيه لا يعني أن هناك ندرة في الألفاظ والصفات الراقية التي تفي بالغرض الشعري وتحمل معاني حسية أو مادية تناسب مشاعر الأنوثة مثل الحنان والرقة والألفة والعطف والوفاء، بل أن الحصان/ الفرس يكتسب بنية جسمانية مثيرة ومغرية، بعضلات مفتولة يزيدها جمالا تقلصها وتمددها كلما قامت بحركات تسلب العين بالرقص على قوائمها الرشيقة، وتمايل جيدها المدثر بشعرها الطويل، و لونها الساخن والبراق في تناسق مكتمل مع لون عيناها الساحرتين.

لقد استعمل الشاعر في المتن العيطي "عَايْشَةْ وَ خَدٌوجْ هُمَا بْجُوجْ"، تشبيها له دلالة حسية نابعة من ملكات خياله وحمولته العاطفية، وتجلى هذا الشتبيه في الخيل مرتين، تارة بـ " كِيفْ اَلْخَيْلْ بْلَا سْرُوجْ" وتارة أخرى بـ "كِيفْ اَلْخَيْلْ بِالسْرُوجْ". على اعتبار أن خيل التبوريدة لما يتم تسنيحها بمستلزمات الركوب (سروج، و الركبات، وخيوط الحرير المزركشة، والنواقيس النحاسية والنشاشات...) تبدوا مشاهدتها مثل لوحات فنية تشكيلية غاية في الإبداع و الجمال، مثلها مثل المرأة التي تتجمل وتتزين في مناسبات الأعراس والأفراح وترتدي لزوجها/حبيبها أحسن ما لديها من ملابس تقليدية زاهية الألوان الساخنة (القفطان ولَمْضَمًةْ و الشًرْبِيلْ ونٍقَابْ بوسليم)، وتضع مجوهراتها وحليها، وتستعمل وسائل التزيين التقليدية من حناء، وكحل، وعطر..وغيرها من وسائل التزيين التقليدية..

"تَبًتْ يَا بْنَادَمْ الزٍينْ يْفَاﯖَمْ"

أما بخصوص هذا الشطر "تَبًتْ يَا بْنَادَمْ الزٍينْ يْفَاﯖَمْ" الذي استعمله الشاعر في الجزء الأول من العيطة، فهو يحيل على فترة الجفاف والمجاعة التي كانت سببا في خروج الآباء من قبائلهم للبحث عن لقمة العيش خارج الديار، وتحمل مسؤوليات تدبير شأن أسرهم أبنائهم الشباب، سواء على مستوى توفير الحطب أو البحث عن موارد الماء فضلا عن رعي الماشية وحراسة فضاء الأسرة.

في هذه الفترة طرأ تحول في العلاقات الإجتماعية والعاطفية في غياب رب الأسرة كراعي للعرف والعادات والتقاليد، قد نقول بأنها بداية تحرر المرأة البدوية من الرقابة العائلية، حيث بدأ الشباب يمارس نوعا من الحرية عبر لقاءاته مع شابات القبيلة خارج بيوتهم دون حرج وتحولت اللقاءات بينهما إلى سلوك عادي بالعالم القروي، حيث خلف هذا التحول ردود أفعال متباينة ، الشيء الذي لم يعب عن ذهن الشاعر فاضطر إلى التنبيه للظاهرة مستعملا هذا المتن "تَبًتْ يَا بْنَادَمْ الزٍينْ يْفَاﯖَمْ" لتحذير من يهمه الأمر.

في حلقتنا السابعة سنقدم رفقة ضيفنا حسن الزرهوني تحليلا وتفكيكا لما ورد في المتن العيطي الذي أنشد فيه الشاعر بالقول : "قْلَالَتْ صَحْتِي، تْقَاضَى جَهْدِي، تْشَفًاوْ فِيًا عَدْيَانِي"، وعلاقته ببعض الأبيات الأخرى من رائعة عطية "بِينْ اَلجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ".