الخميس 15 إبريل 2021
فن وثقافة

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ".. زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (5)

عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ".. زمن ومكان نشأتها وحضور شعر الغزل في متونها (5) الفنان الموسيقي حسن الزرهوني (يمينا) والزميل أحمد فردوس

تواصل جريدة "أنفاس بريس" فتح شهية علبة مخزون الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني على مستوى فن العيطة المغربية، للخوض هذه المرة في روائع شعر الغزل من خلال ملفنا الإعلامي الجديد في موضوع "شعر الغزل في العيطة العبدية".

يتفق أغلب الأدباء على أن الغزل "هو فنّ من فنون الشعر، وغرض أساسيّ من أغراضه، صنّف على أنّه من أعظم فنون الشعر العربي القديم، يعبر الشاعر من خلاله عن أحاسيسه تجاه محبوبته، واصفاً محاسنها، متغنياً بجمالها، مشتاقاً لرؤيتها، حزيناً على فراقها، مع تركيزه في وصفه لها على مواطن التميّز فيها... وهو يصور خلجات النفس، وفرحتها بلقاء المحبوبة، وحزن الشاعر على فراقها، إذ تميز بقوة العاطفة وحرارتها".

لقد وجدنا أن الغزل قد حظي باهتمام كبير من قبل الشاعر(ة)/ الناظم(ة) لقصائد العيطة المغربية عامة وخصوصا الحصباوية منها، حيث نقدم في هذه السلسلة من حلقاتنا مع ضيف الجريدة، نموذجا رائعا لتألق ناظم (ة) قصيدة عيطة "بِينْ الجًمْعَةْ والثْلاَثْ، السًكًةْ حَبْسَاتْ وٌرِيتَاتْ"، والتي سنحاول تفكيك بعض متونها الشعرية في سياق أحداث تاريخية شهدتها منطقة أسفي وعبدة في الفترة التي تشكلت فيها هذه العيطة الجميلة المتكاملة البنيان.

فهل توفق الناظم/ الشاعر في وصف الحبيبة/ المرأة الفاتنة التي كانت سببا في معاناته، وهل صاغ متونه الشعرية وكلماتها وصورها البلاغية بنفس يعكس حجم عشقه للمحبوبة في زمن غير زماننا، وأسئلة أخرى سنجيب عليها في الحلقات المتتالية؟

خصصنا الحلقة الخامسة من هذا الملف للحديث عن شخصية الشيخ أبو محمد صالح الماجري الذي كان ضد الفتوى المتعلقة بمنع الحج في زمن الأوبئة والأمراض وكيف استطاع تأمين قوافل وركب الحجاج نحو بيت الله الحرام، واستفادة فرنسا من أحداث سيد بليوط بالدار البيضاء وكيف تجاوزت تكرار أخطائها بمدينة أسفي، استنادا على مضمون المتن العيطي الذي أنشد فيه الشاعر قائلا: "بٌو مْحَمْدْ صَالَحْ، رَايْسْ اَلرْيَاسْ، قْبَالْةْ طَنْجِي فَاسْ".

 

"بٌو مْحَمْدْ صَالَحْ، رَايْسْ اَلرْيَاسْ، قْبَالْةْ طَنْجِي فَاسْ"

من المؤكد أن المتن الشعري "بٌو مْحَمْدْ صَالَحْ، رَايْسْ الرْيَاسْ، قْبَالْةْ طَنْجِي فَاسْ"، في عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وُالثْلَاثْ"، يحيل على نفس الفترة والظرفية التاريخية التي دخلت فيها الجيوش الفرنسية بعد معاهدة الحماية سنة 1912، وهو لا يخلو من أهمية دينية واجتماعية واقتصادية، بل أن الشاعر/الناظم، جسد من خلاله أحداثا بالغة الأهمية في تاريخ مدينة أسفي حاضرة المحيط.

لذلك وقبل إخضاع متن "بٌو مْحَمْدْ صَالَحْ، رَايْسْ الرْيَاسْ، قْبَالْةْ طَنْجِي فَاسْ"، لعملية التفكيك والتشبيه، لابد من التعريف بالولي الصالح الشيخ الجليل أبو محمد صالح الماجري، والإجابة عن سؤال: لماذا لقبه ذات الشاعر في المتن العيطي بـ "رَايْسْ اَلرٍيَاسْ"؟ وهل له علاقة بالبحر كما يفسر البعض أم أن هناك أمورا أخرى ارتبطت بشخصية هذا الشيخ العالم الجليل؟ وما المقصود من "قْبَالْةْ طَنْجِي فَاسْ"؟

 

من هو الشيخ الجليل أبو محمد صالح الماجري؟

عاصر العالم الشيخ أبو محمد صالح الماجري الدولة الموحدية، (ولد سنة 1156م، وتوفي سنة 1236م)،  قريشي النسب من بني أمية، ينتمي لقبيلة بنو ماجر، أصله من دكالة، يوجد رباطه بمدينة أسفي وهو مركزه الوحيد، حيث اشتهر الرجل بالدعوة لحج بيت الله الحرام، وزيارة قبر الرسول، لما أفتى علماء المغرب والأندلس بأن الحج ساقط على أهل المغرب وتعويضه بالجهاد، لعدم استتباب الأمن، وصعوبة السفر وانتشار الأمراض والأوبئة، فمهد الرجل السبيل للحج، وكوًن الركب الحجازي، معتبرا أن حج بيت الله الحرام هو أهم الشروط.

 

لماذا لقبه الشاعر بـ "بٌو مْحَمْدْ صَالَحْ رَايَسْ اَلرْيَاسْ"

استطاع رحمة الله عليه، تأسيس مجموعة من الزوايا والرباطات، التي ترأسها أبنائه، وأحفاده، إذ عين ولده عبد العزيز بمصر، وحفيده إبراهيم بن محمد صالح بالإسكندرية، ثم ولده أبو العباس أحمد مؤلف "المنهاج الواضح"، ووفر لهذه الرباطات جميع الوسائل لتمويل ركب الحجاج الذي كان يمر على 46 محطة للتوقف وأخذ قسط من الراحة صوب الحج، نظرا لوعورة وصعوبة الطريق، وكثافة الموانع، وتنوع التضاريس.

كانت طائفة الشيخ أبو محمد صالح تشبه جمعية تبشيرية تحبب للناس الحج، وتسهل عليهم الطريق لمرور قافلة الحجاج عبر هذه المحطات انطلاقا من رباطه بأسفي، مرورا بهذه المحطات التي يترأسها أبنائه وأحفاده ويتولى الشيخ أبو محمد صالح رئاستهم . لهذا عظم الشاعر شأنه واصفا إياه بقوله: "بٌو مْحَمْدْ صَالَحْ، رَايْسْ الرْيَاسْ"، بحكم أنه كان يترأس هذه الزوايا والمحطات. فضلا على أن زاويته كانت قد تعرضت للهدم من طرف البرتغاليين، وتم إصلاحها من طرف أحد ملوك الدولة المغربية، ثم تعرضت للتصدع بسبب زلزال سنة 1865م، وقام بإصلاحها وترميمها مجددا القائد عبد الرحمن بن ناصر قائد "الْجَرَامِنَةْ" بمنطقة عبدة.

 

ما هي دلالة ورمزية الشطر الأخير من المتن العيطي "قْبَالْةْ طَنْجِي فَاسْ"؟

إن إنهاء المتن العيطي بشطره الأخير "قْبَالَةْ طَنْجِي فَاسْ"، يروم من خلاله الشاعر توثيق زمن إحداث مشروع خطوط السكة الحديدية التي تم إنجازها بأسفي سنة 1919م، حيث أشرفت على تشييده المشروع "الشركة القومية للسكك الحديدية" كشركة كبرى، بعد إحداثها لخط سككي آخر يربط بين مدينتي طنجة وفاس على مسافة 315 كلم، والذي انتهت من أشغاله سنة 1927م، حيث لعب دورا محوريا في نقل العتاد العسكري للقوات الفرنسية لتسهيل احتلال المدن والقرى المغربية بالتدريج.

في تلك الفترة تحول اسم الشركة وأصبحت تسمى بـ "الشركة الفرنسية الإسبانية لطنجة فاس"، بعد أن مهد مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906م، لإعطاء امتيازات كبرى لفرنسا وإسبانيا فيما يخص الأعمال التجارية، وتخلت ألمانيا لفرنسا عن احتلال المغرب مقابل الكونغو والكاميرون، وحدد مصير المغرب كمستعمرة أوروبية بين فرنسا وإسبانيا.

في هذا السياق بادرت فرنسا بإنشاء ميناء كبير بالدار البيضاء لاستقبال السفن الحربية والتجارية، وحاولت إحداث خط سككي آخر سنة 1907، قرب ضريح سيدي بليوط بالقرب من المقبرة بهدف نقل الأحجار من مكان قريب لسيدي عبد الرحمن لإنجاز ذات المشروع السككي، الشيء مما أدى إلى خلق اضطرابات قوية بين القوات الفرنسية والقبائل المجاورة للدار البيضاء التي رفضت انتهاك حرمة ضريح سيدي بليوط والمقبرة المتواجدة قرب الميناء.

وحسب الوثائق التاريخية فقد أسفرت المواجهات عن مقتل 10 أوروبيين، وعدد كبير من المغاربة، وأحرقت المتاجر والبنايات القريبة من الميناء نظرا للقصف الكثيف من طرف القوات الفرنسية. واستطاعت فرنسا احتلال البيضاء سنة 1907م، ممهدة بشكل رسمي للتوقيع على معاهدة الحماية سنة 1912م.

هذا الحدث المأساوي كاد أن يتكرر في مدينة أسفي حلال بداية إنجاز أشغال المشروع السككي بالقرب من ضريح الولي الصالح أبو محمد صالح الماجري، الذي أشرفت عليه "الشركة الفرنسية الإسبانية لطنجة فاس"، بعد أن انتفضت ساكنة المدينة عامة وبالخصوص أحفاد الشيخ أبو محمد صالح، الذين اعتبروا المشروع يهدد بناية الزاوية ويعرض أسوارها للتصدع وطالبوا بتوقيفه. لكن القوات الفرنسية استفادة من تجربة حادث سيدي بليوط بالبيضاء، وتمكنت من إخماد الانتفاضة وأقنعت الساكنة بإيجابية المشروع وهدفه خدمة الصالح العام، وتحقيق تنمية اقتصادية، وخلق مناصب شغل لليد العاملة المغربية.

معالجة هذا الحادث دون إراقة الدماء، أصبح حديث الخاص والعام في علاقة مع مشروع الشركة الفرنسية الإسبانية للسكك الحديدية لطنجة فاس، مما فرض على الشاعر توظيف هذا الشطر "قْبَالَةْ طَنْجِي فَاسْ"، في المتن العيطي لتحديد الفترة الزمنية وظرفية سياقها التاريخي وتوثيق اسم الشركة التي ذكرنا.

عند اكتمال أشغال المشروع، وشق خندق الطريق الرابطة بين حي تراب الصيني والمعلمة الأثرية قصر البحر أطلقت الساكنة اسم "بَابُورْ اَلْبَرْ" على القطار الذي شق الأرض بالمحاذاة من ضريح أبو محمد صالح، استلهاما من اسم "بَابُورْ اَلْبَحْرَ" الذي يشق الأمواج ويصارع الرياح في إشارة للسفن البحرية التي كانت تلج للميناء، وتداول الناس بعد مرور الوقت اسم آخر من إبداع ثقافتهم الشعبية أطلقوه على  القطار وهو "عَوْدْ لَحْدِيدْ" للإشارة إلى صناعته الثقيلة  من الحديد ومقارنة سرعته بسرعة الحصان.

 

"عَايْشَةْ وْخَدٌوجْ، هٌمَا بْجٌوجْ، كِيفْ الْخَيْلْ، بْلَا سْرٌوجْ"

في الحلقة السادسة سنتناول بالدرس والتحليل والتفكيك موضوع القصيدة الجميلة ومتون عيطة "بِينْ اَلجًمْعَةْ وَالثْلَاثْ"، التي وظف فيها الشاعر العاشق لحبيبته "عَايْشَةْ بَنْتْ اَلْمَكٍي"، بلاغة الألفاظ والكلمات المستوحاة من قاموس الدارجة المغربية، مرة بحس مادي وتارة أخرى بحس مجازي للتعبير عن حبه العذري لعشيقته وعلاقته الغرامية التي لم تكتمل كما ورد في العيطة موضوع ملفنا الإعلامي، وضبطه العلاقات الاجتماعية والإنسانية بين العشائر والقبائل، واستعماله صورا شاعرية غاية في الدقة لكيفية تهيئ وتنظيم بعض الجلسات الفنية لأعيان القبائل ورجال المخزن المحلي وغيرهم.

فمن هي "عَايْشَةْ بَنْتْ اَلْمَكٍي"، التي أغرم بها الشاعر/الناظم لقصيدة عيطة "بين الجمعة والثلاث" التي تعد أرقى تعبير في الغناء الشفهي العيطي بمنطقة عبدة على مستوى شعر الغزل العذري، وما هي الأسباب التي أعدمت تلك العلاقة الغرامية وحكمت عليها بالفشل وأدت بالشاعر/العاشق إلى الانهيار النفسي والمعنوي... وأشياء أخرى؟