الثلاثاء 22 يونيو 2021
فن وثقافة

أسباب نزول عيطة "شريفي سيدي حسن" على لسان الفنان حسن الزرهوني (7)

أسباب نزول عيطة "شريفي سيدي حسن" على لسان الفنان حسن الزرهوني (7) الزميل أحمد فردوس رفقة الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني بجانب مشهد من لمحلة السلطانية

تعتبر عيطة "شريفي سيدي حسن" من العيوط الجميلة والرائعة التي ساهمت في توثيق أحداث تاريخية عاشها المغرب في فترة حكم السلطان المولى الحسن الأول، وتعرضت هذه "القصيدة" للإندثار والتلاشي والنسيان، إلى أن جمع بعض متونها الشعرية شيوخ العيطة من مدينة أسفي، على لسان الرواد من أمثال الشيخ ميلود الداهمو والشيخة عيدة وغيرهم.

ضيف جريدة "أنفاس بريس" الفنان التشكيلي والموسيقي الأستاذ حسن الزرهوني استجاب لنداء ثلة من أصدقائه المهووسين بفن العيطة، فغرد بلبل منطقة الكاب، وقام بتفكيك وتحليل قصيدة هذه العيطة في سياق أحداثها التاريخية ومواقعها ومجالاتها الجغرافية، وشرح مجموعة من متونها ومفرداتها، فكانت فرصة ثمينة لإشراك القراء في هذا الطبق التراثي في انتظار تفاعل المهتمين بفن العيطة والموسيقى التقليدية المغربية الأصيلة.

 

أهمية مقاطع "الْبَرْوَالْ" في غناء العيطة العبدية

 

إن استحضار "الْبَرْوَالْ" كمقاطع أساسية في الغناء العيطي في حلقات ملفنا الإعلامي، استدعاه شرط تناوله وتحليله وتفكيكه في سياق تاريخي من زمن "السيبة"، ضمن غناء العيطة الحصباوية على الخصوص، (مرادف "اَلْبَرْوَالْ" في الأندلسي هو "التْوَاشِي" )، حيث يتصف "الْبَرْوَالْ" في أغاني العيطة بسمة (لْهَزْ أو الرْفُودْ الحوزي) و يحضر في غناء العيطة كفاصل موسيقي وغنائي تفاديا للرتابة والملل، لذلك يبدع الشيخ العازف في تَزْوَاقْ موسيقى الآلة الوترية والعودة للعيطة، والإنتهاء بـ (القفل) أو (الطًمًةْ) كخاتمة بإيقاع بطيء، "كان أداء عيطة واحدة من طرف (الرْبَاعْةْ) الشيوخ الرواد يتطلب وقتا زمنيا طويلا، حرصا منهم على جمالية نصها الغنائي، ودقة أجزائه و "لَعْتُوبْ" و "براويلها" المختارة في علاقة مع انتقالاتها الموسيقية والإيقاعية". يوضح ضيف الجريدة .

 

فحسب مجموعة من الباحثين في مجال الغناء والموسيقى التقليدية فإن "الْبَرْوَالْ"عبارة عن شذرات شعرية قصيرة لم تصل بعد إلى مستوى العيطة، بحكم أنه لم يخضع لعملية التركيب، ومن أهم مميزات "الْبَرْوَالْ" أنه يتكون من قصائد شعرية قصيرة، يتصدرها البيت الأول الذي يكرر بعد غناء كل مقطع، ويسمى بـ "اللازمة" أو البيت المتداول في غناء "البروال" سواء، "بَرْوَالْ عاطفي" أو "بَرْوَالْ صوفي".

 

إن "الْبَرْوَالْ" لعاطفي يتسم مضمونه بمواضيع ذات الصلة بغناء الغزل والغرام والعلاقات العاطفية، في حين أن "الْبَرْوَالْ" الصوفي يرتبط بمدح الأولياء والزوايا والتغني بالصلحاء وكراماتهم، واستحضار تراث الفروسية وركوب الخيل والبارود. وقد تغنى بهذه "البراويل" (الشذرات الشعرية القصيرة) أغلب المجموعات الغنائية الشعبية وخصوصا تلك المتمرسة على أداء فن العيطة بشكل محترف للتخفيف من وطأة الملل والرتابة وإضفاء لمسة فنية على مستوى العزف والإيقاع خلال أداء العيطة.

 

لماذا تغنت العيطة العبدية بهذا "الْبَرْوَالْ" في زمن السيبة ؟

 

"رَفْدِي شْطَايْطَكْ لاَ تْبَاتِيشْ هْنَا

أتْخَرْشِيشْ فِـ نْوَالَةْ وَلْفَارْ يْطُلْ

أطٌلْ أخُويَا طٌلْ

وَاوْ أرْسَى، وَأرْسَى حَتَى طٍيبْ الْـﯖٌرْصَةْ

 نَعْطِيكْ نٌصْهَا، والله لاَ ذَقْتِيهْ

كٌونْ مَا لَحْسَدْ، آشْ جَابْ حَدْ فِـ حَدْ

كٌونْ مَا لَحْسَد فِـ زْمَان كَيَتْبَدًلْ"

 

 

إن القيمة الفنية والتاريخية ورمزية ودلالة هذا "الْبَرْوَالْ" تكمن في حمولته ومضمون موضوعه الذي سنتناوله في سياق أحداث "السيبة" بمنطقة عبدة خلال فترة السلطان الحسن الأول وبعد تولي السلطان المولى عبد العزيز ثم المولى عبد الحفيظ، سواء بين القبائل أو ضد المخزن المحلي والسلطة المركزية. إن هذا "الْبَرْوَالْ" يحيلنا على هاجس كابوس الخوف والرعب الذي كان يسيطر على أفئدة الساكنة داخل بيوتهم البسيطة (النوايل) التي كانت تتعرض لهجومات مباغتة وسرقة مواشيهم و أمتعتهم وحاجياتهم على بساطتها في ظل انعدام الأمن والاستقرار داخل القبيلة .

 

هل يدرك الفنان الشعبي حاليا معاني ودلالات "بَرْوَالْ" موضوع الحلقة السابعة؟

 

"رَفْدِي شْطَايْطَكْ لاَ تْبَاتِيشْ هْنَا" : خطاب الناظم (ة) موجه للمرأة المرعوبة، التي سكن خيمتها (النوالة) الخوف والفزع في زمن "السيبة" والفوضى، حيث يطلب منها أن تحمل حاجياتها وأغراضها البسيطة التي وصفها بـ "شْطَايْطَكْ"، على وجه السرعة في وقت متأخر من الليل ، وأن تغادر القبيلة والهروب بجلدها من بطش المتمردين أو رجال المخزن المحلي.

 

"أتْخَرْشِيشْ فِـ نْوَالَةْ وَلْفَارْ يْطُلْ.. " : لقد استعمل الناظم (ة) رمزية الفأر لوصف وتشبيه حالة الرعب التي تسيطر على نفسية ساكنة النوايل المبنية بالقش والتبن والقصب، على اعتبار أن الفأر الخائف من الكمائن، لا يجد الأمان خارج جحره لما يشعر بحركة تدب بالقرب من مكان تواجده، لذلك فهو يقظ وحذر ممن يتربص به، وتجده مرتبك ولذلك يحدث "أتْخَرْشِيشْ فِـ نْوَالَةْ" أثناء بحثه عن الأمان.  أما معنى "أطٌلْ أخُويَا طٌلْ "، فيدل على الرعب الذي تحول إلى هاجس ليلي، بفعل تربص العدو بالقبيلة، و يرافقهم في حلهم وترحالهم وفي سكناتهم وحركاتهم وتحركاتهم داخل النوالة وخارجها.

 

"وَاوْ أرْسَى، وَأرْسَى حَتَى طٍيبْ الْـﯖٌرْصَةْ..نَعْطِيكْ نٌصْهَا، والله لاَ ذَقْتِيهْ" : ارتباطا بزمن السيبة وعامل الجفاف والفقر والمجاعة، فالناظم (ة) وصف سرعة الفرار من مداهمة المتمردين أو رجال المخزن المحلي للقبيلة، دون الظفر بكسرة خبز تسد رمق البطون الجائعة والخائفة من البطش والتنكيل.

 

كٌونْ مَا لَحْسَدْ، آشْ جَابْ حَدْ فِـ حَدْ ...كٌونْ مَا لَحْسَد فِـ زْمَان كَيَتْبَدًلْ": بالنسبة للسطرين الأخيرين من البروال، يتحسر الناظم (ة) على أيام الحياة الهنية والمطمئنة بعيدا عن الحسد والإنتقام وإشاعة عدم الإستقرار، بعد حلول زمن السيبة وزمن الرعب والفزع في سياق الصراعات والإنتفاضات والتمردات، وكأنه يتطلع إلى تطبيق القانون و الشرع في بلاد المخزن.

 

رأي المؤرخين في ظاهرة "السيبة"

 

لقد اختلف المؤرخون في تحديد مفهوم "السيبة"، يوضح ـ حسن الزرهوني ـ على اعتبار أن هناك فريق أول "يحدد (السيبة) في مجال ترابي جغرافي معين، يشهد قلاقل وفوضى ونوع من التسيب، وينعدم فيه الأمن والأمان والإستقرار، وهو مجال غير خاضع للمخزن المحلي المتمثل في القياد وأعوانهم، بحكم أن (السيبة) كانت وسيلة دفاعية لأفراد اغتصبت حقوقهم ويريدون انتزاعها بأياديهم خارج القانون و الشرع بشكل فوضوي". و فريق ثاني يفسر مفهوم (السيبة) كونه "برز في مجال ترابي وجغرافي تستوطنه بعض القبائل، التي تدبر شؤونها وتحتكم لأعرافها وتقاليدها داخل نطاق ترابها بشكل مستقل عن المخزن المركزي أو المخزن المحلي "، وفي كلتا الحالتين تتدخل السلطة المركزية لإنهاء التمرد ضدها كما وقع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر .

 

ما هي العوامل والظروف التي ساعدت على تنامي ظاهرة "السيبة"

 

اندلاع أحداث "السيبة" في هذه الفترة كان بسبب عوامل خارجية تمثلت في "انهزام المغرب في معركة إيسلي سنة 1844، والإنعكاسات السلبية للمعاهدة المغربية البريطانية سنة 1856، فضلا عن حرب تطوان سنة 1860، بالإضافة إلى تنامي الضغوط الإستعمارية التي فرضت على المغرب شروط مالية تعجيزية أنهكت الخزينة المركزية ". هذا علاوة على الظرفية الداخلية المتمثلة في "ظروف الجفاف والفقر والمجاعة وانتشار الأمراض والأوبئة، بالإضافة إلى فرض المزيد من الضرائب ورفع منسوب الجبايات والبحث عن موارد مالية جديدة على حساب القبائل، مثل ما وقع من تمرد سنة 1873 على السلطة المركزية محليا ورفض أداء الضرائب نظرا لمحدودية الإمكانيات..". يوضح الفنان الموسيقي حسن الزرهوني

 

إن توسيع نفوذ المخزن المحلي من قياد وشيوخ وأعوان السلطة، والإمتثال لتوجيهات المخزن المركزي على حساب القبائل الثائرة والمتمردة، ترتب عنه مواجهات عنيفة بين القبائل ورجال المخزن خصوصا بعد وفاة السلطان المولى الحسن الأول سنة 1894.

 

ظروف أحداث "السيبة" بمنطقة عبدة

 

لقد رصد الباحث المتخصص في تاريخ أسفي الأستاذ إبراهيم كريدية في كتابه "عيسى بن عمر و ثورة أولاد زيد و واقعة الرفسة"، أن أولاد زيد كانوا بكل القرائن، أكثر سكان إيالة البحاترة تضررا وتذمرا من بطش القواسم الطبيعية، ومن الاعتصار الضريبي المخزني، فقد كانوا أفقر سكان عبدة طرا، فأرضهم صخرية لا تترك إلا بقعا محدودة تصلح للاستزراع ، وحتى نشاط تربية الماشية الذي كانوا يركزون عليه ، كانوا يجدون فيه عنتا ومشقة ومزاحمة، من جراء ضرر تلاحق سنوات الجفاف والجراد ، وتخصيص قسم كبير من المسارح لعذيرات المخزن وهويراته ، التي كانت تنتشر بربعهم..".

 الأكثر من ذلك يوضح الكاتب أن القائد عيسى بن عمر "كان بحكم العرف يحوز لنفسه أفضل المراعي بأولاد زيد وبغيرها من أراضي إيالته، أسوة بباقي قواد عصره، الذين كانوا مثله في إيالاتهم أكبر ملاكي الأراضي الزراعية والماشية؛ ومع تناقص المسارح وازدياد الثقل الجبائي وما ترتب عنه من ضنك في المعيشة ". ولهذه الأسباب ـ حسب الأستاذ كريدية ـ " لم يجد معه قسم من أولاد زيد، سوى الهروب خارج ديارهم عـشـية سـنة 1895، التي تؤرخ لانتفاضتهم، حتى سمي عامها (بعام الهربة)، في حين أعلن الباقي عصيانهم على المخزن وممثله عيسى بن عمر، متمثلين قول شاعرتهم حويدة :


"ابغيت السيبة

ما ابغيت احكام

من دابه ثمانية أيام

على السي عيسى الثمري"

 

فاهتدى بدهائه وحكمته إلى ركوب سياسة تجمع بين المرونة والاحتراس، فعمل على تجريدهم من سلطتهم ، و منحها لغيرهم من القبائل الأكثر وفاء له".

 

في هذا السياق يؤكد ضيف الجريدة ـ الفنان التشكيلي والموسيقي حسن الزرهوني ـ على أن "منطقة عبدة لم تخلو بدورها من مثل هذه المواجهات العنيفة، والتي عرفت مدا وجزرا، خصوصا بين القائد عيسى بن عمر وقبائل أولاد زيد المتمردة ضد سطوته وتمدد نفوذه"، حيث أوضح بأن: "هجومات أولاد زيد كانت تصل إلى حدود بئر بٌولَـﯖْشٌورْ قرب قصبة القائد (انظر الحلقات السابقة)، وكانت كتائب عيسى بن عمر ترد بالمثل وتقتفي أثر الثوار إلى حدود ساحل شاطئ الكاب وسيدي بوشتى، وتنسحب نظرا لعلو الشريط الساحلي وصعوبة اختراق تضاريسه التي كانت ملجأ يحصن فرسان أولاد زيد المتمردين"، وظل التمرد سيد الموقف إلى حدود "عام الرفسة".

 

 في سياق هذه الظروف العصيبة والحرجة تغنت متون شعرية زجلية بهذه الأحداث المؤلمة، (أشعار حادة الزايدية الغياثية نموذجا) وتوزعت شذرات وأبيات شعرية من "قصائدها" بين بعض العيوط الحصباوية (خربوشة، حاجتي في كريني، العمالة، الرادوني...وغيرها)، وتغنى بعض الشيوخ بـ "بَرَاوِيلْ" موسيقية أثناء أداء العيطة للإنتقال من الإيقاع المركب والمعقد إلى الإيقاع السريع المسمى بالحوزي، إنتهاء بـ "الطمة" أو "السوسة".