الأربعاء 20 أكتوبر 2021
فن وثقافة

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (27 )

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (27 ) الباحث السوسيولوجي عمر إيبوركي، ومشهد من طواف دور ركراكة

تمكن الوباء اللعين "كورونا" من تأجيل موسم طواف شرفاء "ركراكة" برسم سنة 2020، ووقفت الجائحة سدا منيعا ضد قبائل ركراكة و الشياظمة و عبدة و دكالة وغيرهم في إحياء سنة التواصل الروحي والاجتماعي والاقتصادي.. وحرمتهم من الاحتفاء واستحضار موروثهم الشعبي وعاداتهم وطقوسهم وتقاليدهم التي ألفوا إقامتها كل سنة في فصل الربيع (بعد خروج الليالي).
 
في سفر "أنفاس بريس" والنبش في موضوع ظاهرة موسم طواف "ركراكة" الضارب في القدم، بعد الاستعانة في الحلقة الأولى ببعض المصادر التاريخية التي تناولت "السبعة رجال" والتعريف بهم، وبعلاقتهم بالمجال والإنسان، وكيف استوطنوا الأرض وقاوموا الغزاة، للمحافظة على استقرارهم وأمنهم واستمرار نسبهم، وقدمنا ملخص لمحة تاريخية عن "ركراكة" و"السبعة رجال" والسفر في زمن حروبهم وصراعاتهم مع المحتل والغزاة، وكيف استطاعت القبلية ضمان استمرارها وصولا إلى ترسيخ هذا الموسم السنوي الذي يحج له المغاربة من كل أنحاء الوطن لإحياء صلة الرحم.
 
لقد تقاطرت الشهادات والحكايات على موقع "أنفاس بريس" من أفواه الفنانين والمبدعين وشيوخ العيطة وفناني الحلقة، وساهم الباحث الأركيولوجي والسوسيولوجي بوجهات نظره في تحليل ودراسة الظاهرة، وتحدث المنتسبين لأهالي وشرفاء ركراكة، وأبناء القبائل المنتمين لأرض "سبعة رجال"، سواء لتوضيح أو تثمين وتعزيز ما جاء في حلقاتنا السباقة بخصوص سلسلة ملفنا الإعلامي الذي اخترنا له عنوان: (مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم ) .

 

في الحلقة السابعة والعشرين تقدم الجريدة للقراء مساهمة الباحث السوسيولوجي الأستاذ الجامعي عمر إيبوركي من خلال إعداده لورقة مركزة تحت عنوان "الزاويا بين الديني والمقدس ....حالة ركراكة نموذجا". 
 

الزوايا بين الديني والمقدس .. حالة ركراكة
إن الحديث عن الزوايا والصلحاء من خلال النماذج المنتشرة والحيوية في المجتمع المغربي ،مثل ظاهرة ركراكة، يقتضي قراءة متعددة الأبعاد يلتقي فيها التاريخي، بالسياسي، بالديني والثقافي. و جاءت مقالاتكم (26 حلقة) القيمة في الحديث عن حكايات قبيلة ركراكة والسبعة رجال، كمحاولة هامة لتفسير نموذج من الزوايا والصلحاء الذين لعبوا دورا هاما في المجتمع المغربي.                                                                                
فالمجتمعات التقليدية تتميز بمجموعة من القيم والرموز والتصورات التي تضمن التعلق بنظام اجتماعي وثقافي يعتمد التكرار والتوافق ضد صيرورة التغيير الذي يستمد مشروعيته من الماضي، لأنه استمرار لتصورات وأفكار ومعتقدات لجيل الأسلاف لدى الأجيال الحاضرة. وهذا التقليد يتلون بالمتغيرات الاجتماعية والتاريخية وهو أساسي يكون أكثر تداولا في المجتمع ويتجلى في القيم والمعتقدات وأنماط المؤسسات مثل الزوايا في المجتمع المغربي.                                 وقد قدمت لنا الدراسات الأنثربولوجية، والسوسيولوجية تفسيرات، وأبحاث ميدانية  حول الكثير من الزوايا ووظائفها الروحية والتربوية والسياسية والاقتصادية، لدرجة أن الأنثربولوجيا الأنكلوساكسونية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي اهتمت بالجوانب التدينية في المجتمع المغربي. وكان السؤال الجوهري لهذه الدراسات هو كيف حافظ هذا النسق المقدس على استمراريته منذ قرون في إعادة إنتاج هذه التمثلات على مستوى التدين الشعبي ؟      
فالتدين هو إستراتيجية معرفية وضرب منظم من العقائد يتم التعبير عنها بسلوكيات طقوسية، وهو آلية اجتماعية ثقافية لتحديد هوية عرقية أو سياسية...ويمثل الصلحاء مكانة رمزية في المجتمع المغربي على اعتبار أن العقيدة الإسلامية أخذت عن طريق التبرك بالأولياء والصلحاء الذين شبههم ليون الإفريقي بأنصاف الآلهة، وهم يمثلون العلاقة التفاعلية بين ما هو ديني وما هو مقدس.                                                           

 

ما العلاقة بين المقدس والتدين ؟
يتأسس المقدس على فهم وتمثل الإنسان للعالم والكون،لأنه لا مقدس بلا رمز، فالإنسان يملك القدرة على إنشاء الرموز و بها يرسي نظام الأشياء ويؤسس علاقاته، وهكذا فالمقدس يعطي معنى للوجود ويتجذر في عمق المتخيل....المعتقدات الشعبية هي مسلمات وتصديقات غير قابلة للفحص العقلي، يؤمن بها الناس وتمنحهم تفسيرا للعالم الماوراء طبيعي، ولأنها مرتبطة بالشرفاء والصلحاء فهي مقدسة.                                                          
وقد تناولت مجموعة من الدراسات الأنثروبولوجية طبيعة التقديس وطقوس التدين في المجتمع المغربي، من خلال دراسات مونوغرافية لبعض الزوايا وأدوارها ووظائفها، كما كشفت الدراسات التاريخية جذورها وأسبابها السياسية، التي عملت على استمرارها وتجذرها في التربة المغربية.
فالصلاح يجسد انسجام الحس المشترك والحس الديني، بحيث يعضد أحدهما الآخر بما يستعيره منه من سلطة. إن نسق معتقدات الصلحاء والزوايا نسق خصوصي ينتشر بين الناس الذين لا يضعونه موضع الشك أو التساؤل ويسلمون بأنه جزء من التنظيم الاجتماعي على خلاف التيارات الإصلاحية التي تسعى إلى تعويض أنماط المعتقدات القائمة بأنماط أخرى بديلة، وهنا يكمن الاختلاف بين رؤية الصلحاء وشيوخ الزوايا ورؤية التيارات الدينية الأخرى ذات التوجه السياسي.                                                            
تحافظ معتقدات الزوايا والصلحاء على قوتها، لأنها ليست في حاجة للتصريح عن معتقداتها، أو الدفاع عنها، وبذلك يتكاثر الأتباع  والمريدون الذين يعبرون عن اعتقادهم في الصلحاء بالتماهي الوجداني معهم، لأنهم رموز مقدسة.
 وأهم ما تتضمنه معتقدات الزوايا والصلحاء، تكمن في التصور الاجتماعي لمفهوم "البركة" والذي يعرفه وسترمارك بأنه: " قوة فاعلة خفية يؤولها الناس كنعمة إلهية "، ويعتقد الأتباع اعتقادا راسخا في وجود البركة عند الشرفاء الذين يتوارثونها بحكم شرف النسب والانحدار من سلالة الرسول أو بعض الصحابة، فهؤلاء في اعتقاد العامة يحملون الشرف جينيا، ويتجلى ذلك في الإنسان و في بعض الأمكنة، وفي فترات زمنية من السنة التي تكون لها تأثيرات على الدورة الحياتية للإنسان.
ولهذا السبب ترتبط  الزوايا بأشكال تجمعية أخرى كالقبيلة، وهي حالة ركراكة التي تتميز في المنطقة بشرف النسب المبني على اعتقاد قد يكون وهميا، وروايات لا يمكن التأكد من صحتها، ومن هذه الروايات تلك التي تربط  بركة وقدسية القبيلة من حيث المكان الذي وضع فيه الفاتح عقبة بن نافع قوائم فرسه، بل هناك رواية أخرى تقول أن قبيلة ركراكة عندما علمت بدعوة الإسلام جاؤوا جماعة وبطريقة رجراجة (اضطراب في المشي)،إلى  الرسول ودخلوا عليه وأسلموا على يديه، ومن هنا جاءت تسميتهم بركراكة.                                                                                 
يسجل حضور الصلحاء والزوايا في شتى نشاطات الإنسان من خلال مجموعة من الطقوس خلال مواسم الطواف في وقت محدد من السنة، منها ما يرتبط بالطقوس الزراعية في موسم الحرث، ومن خلال طقوس اجتماعية عامة لمباركة النشاطات الفردية والجماعية للأتباع والمريدين الذين ينتشرون في مجال يشمل عدة مناطق، وهذه السلوكات ترتبط بالماضي وهي أكثر قدرة على المقاومة والاستمرار عبر أجيال. وتبقى الطقوس  عبارة عن رموز ثقافية ترتبط بمؤسسات ذات طابع ديني تعاد صياغتها حسب الشروط التاريخية المتغيرة. 

 

وإذا كان الناس يأتون إلى مقرات الزوايا في المواسم بحثا عن الصلاح والبركة، فإن الشرفاء قد ينتقلون عبر المجالات والأماكن والفضاءات.. ويستقرون في أماكن بعيدة لنقل هذه البركة ونشر الصلاح: (حالة العربي بوجمعة من ركراكة بمدينة القنيطرة والغرب)، وهي حالة كل الزوايا ذات الفروع المنتشرة.
 

فالزوايا تمارس إيديولوجيا ضمنية وقد تكون صريحة على مستوى طقوسها وفي صياغة الكثير من الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.