الاثنين 27 سبتمبر 2021
فن وثقافة

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (18)

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (18) مول العودة بجانب الزميل أحمد فردوس مع الأخوين علي وكمال المدرعي رفقة الشيخ ولد الصوبة

تمكن الوباء اللعين "كورونا" من تأجيل موسم طواف شرفاء "ركراكة" برسم سنة 2020، ووقفت الجائحة سدا منيعا ضد قبائل ركراكة و الشياظمة و عبدة و دكالة وغيرهم في إحياء سنة التواصل الروحي والاجتماعي والاقتصادي.. وحرمتهم من الاحتفاء واستحضار موروثهم الشعبي وعاداتهم وطقوسهم وتقاليدهم التي ألفوا إقامتها كل سنة في فصل الربيع (بعد خروج الليالي).

 

في سفر "أنفاس بريس" والنبش في موضوع ظاهرة موسم طواف "ركراكة" الضارب في القدم، بعد الاستعانة في الحلقة الأولى ببعض المصادر التاريخية التي تناولت "السبعة رجال" والتعريف بهم، وبعلاقتهم بالمجال والإنسان، وكيف استوطنوا الأرض وقاوموا الغزاة، للمحافظة على استقرارهم وأمنهم واستمرار نسبهم، وقدمنا ملخص لمحة تاريخية عن "ركراكة" و"السبعة رجال" والسفر في زمن حروبهم وصراعاتهم مع المحتل والغزاة، وكيف استطاعت القبلية ضمان استمرارها وصولا إلى ترسيخ هذا الموسم السنوي الذي يحج له المغاربة من كل أنحاء الوطن لإحياء صلة الرحم.

 

لقد تقاطرت الشهادات والحكايات على جريدة "أنفاس بريس" من أفواه الباحثين و الفنانين والمبدعين وشيوخ العيطة وفناني الحلقة، والمنتسبين لأهالي وشرفاء ركراكة، وأبناء القبائل المنتمين لأرض "سبعة رجال"، سواء لتوضيح أو تثمين وتعزيز ما جاء في حلقاتنا السباقة بخصوص سلسلة ملفنا الإعلامي الذي اخترنا له عنوان: (مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم) .

في الحلقة الثامنة عشر من هذه السلسلة نقدم الجزء الأول من حوارنا مع المهندس المتخصص في الحقل البيئي والباحث الأركيولوجي كمال المدرعي في محاولة لرصد الظاهرة و الإجابة عن سؤال (ما هي الشروط الموضوعية والتاريخية التي ساهمت في لقاء "السبعة رجال" ركراكة مع الرسول (صلعم) في شبه الجزيرة العربية بمكة )

الجزء الأول: ما هي الشروط الموضوعية والتاريخية التي ساهمت في لقاء "السبعة رجال" ركراكة بالرسول؟

أشار المهندس كمال المدرعي مختص في المجال البيئي و باحث أركيولوجي في لقاءه مع الجريدة، أنه "لكي نتحدث عن (ركراكة / رجراجة) في اللحظة الحالية لابد من العودة ستة قرون ما قبل الإسلام، ومحاولة النبش في علاقة (السبعة رجال) بموطن شبه الجزيرة العربية، ومحاولة استحضار وقراءة المجال الجغرافي الذي عاشوا وتنقلوا فيه وعبره خلال ستة قرون قبل الإسلام"، مستندا في قراءته على مرجع رحلة حانون الفينيقي في بداية القرن الخامس قبل الميلاد على اعتبار أنها "هي أول رحلة موثقة تجاوزت مضيق جبل طارق الذي كان يعرف بمضايق هرقل، وتوجهت جنوبا إلى تخوم الصحراء ".

وأكد ضيف الجريدة أن "توصيف رحلة حانون التي وجدت مقتطفات منها في مسلة وهي معروفة بمعبد حامون (بقرطاج)، وكذلك في مجموعة من الألواح الحجرية مكتوبة باليونانية في معبد (كرونوس) باليونان، التي توارثت هذا التوثيق من حضارة إلى أخرى كمرجع أساسي في مرحلة ما قبل الإسلام".

توصيف الرحلة ـ حسب الأركيولوجي كمال المدرعي ـ هو "توصيف دقيق للمغرب من طنجة إلى حدود الصويرة حاليا، ويمتد إلى حدود الصحراء، حيث نجد في وصف الرحلة حديث عن أسفي، وعن جزر القرمز المقابلة لمدينة الصويرة والتي وجدت بها آثار فينيقية كثيرة، وكذلك في منطقة الكاب سين بنحو 30 كلم جنوب مدينة الصويرة".

وأشار في حديثه إلى أن "ترجمات الرحلة قد توارثتنها مختلف الحضارات، ونجدها موثقة كذلك في وصف إفريقيا (ليون الإفريقي) لحسن الوزان، وموثقة في عدة إصدارات نظرا لأهميتها التاريخية وأصبحت جزء من الثقافة الكونية " .

في هذا السياق يقول كمال المدرعي في حديثه عن منطقة الصويرة: "من المعلوم أن الحضارة الفينيقية قد دامت عدة قرون، بارتكازها على التجارة أساسا، مع العلم أن المنطقة كانت غنية بثلاثة مواد أساسية تغري التجار وهي (خشب العرعار، ومادة الصوف العسلية التي كانت لا توجد إلا في المغرب، ونوع من الخشب الناذر الذي يستعمل في البناء نظرا لصلابته و مواد أخرى كانت تأتي للمنطقة من إفريقيا وعبر الصحراء)" .

بعد المرحلة الفينيقية يؤكد كمال المدرعي أن "الرومان بسطوا سيادتهم على شمال إفريقيا نتيجة الحروب البونيقية وسقوط قرطاج، (قبل 146 قبل الميلاد)، فانطلق التوسع الروماني إلى الجنوب، حيث اهتم الرومان كثيرا بمدينة الصويرة، وخاصة بجزر القرمز التي كانت تحتوي على حلزون بحري يسمى ( MUREX ميريكس)، وكان هذا الحلزون بعد معالجته يستخلص منه لونا قرمزيا (ملكي أرجواني) يتم به صباغة أقمشة لباس الإمبراطورات، حيث سيتوارث لباس أقمشة ذات اللون القرمزي الكاردينالات المسيحيين" (وهو نفس اللون الذي ظهر بشكل بارز في الهيكل القديم في القدس..ملابس رئيس الكهنة كوهين جادول)

لقد تحولت المنطقة إلى مستعمرة / ملحقة رومانية لمدة طويلة، واستمر هذا الحضور إلى "حين سقوط الإمبراطورية الرومانية تحت ضربات الوندال والشعوب الآتية من الشمال، في الوقت الذي اعتنقت فيه الإمبراطورية الرومانية الديانة المسيحية رسميا ابتداء من سنة 325 قبل الميلاد، وتشكل مجمع (نيقيا) الذي كان يضم رجال الدين من أجل وضع تصور كما تراه الإمبراطورية الرومانية للديانة المسيحية التي أصبحت ديانة رسمية للرومان..".

وحسب ضيفنا فقد "تم (تنقيح) الديانة المسيحية وملائمتها مع ما يريد حكام روما، في ظل مذاهب مسيحية أخرى رفضت (المسيحية الرسمية)، وفر رجال دينها إلى أقاصي الإمبراطورية شرقا وغربا، وهربوا بأناجيلهم الغنوسية التي أضحت ممنوعة، بعد أن إكتفى الروم بأربع إنجيلات فقط ، وكان كل من يمتلك إنجيلا من غير الأربعة التي ذكرنا جزاءه الإعدام"

من المؤكد أن المنطقة قد "حافظت على المسيحية في جوهرها الأول، دون أن تتأثر بالمسيحية الرسمية للإمبراطورية الرومانية"، يوضح كمال المدرعي، لينتصب سؤال ألا ينطبق نفس الشيء على مرحلة بداية الإسلام، بعد أن "عرفت المنطقة هروب الخوارج إلى جنوب المغرب واستقروا في مناطق المغرب الأقصى؟".

في سياق متصل يقول ضيف الجريدة أن منطقة الصويرة بحكم أنها شاطئية، وتتوفر على جزر، وغنى طبيعي، بل أنها كانت هي منتهى طريق تومبوكتو كشريان أساسي للتواصل مع إفريقيا، فقد عرفت علاقة قوية مع الفينيقيين والرومانيين لعدة قرون، بالإضافة إلى علاقة (الصويرة) بعمق إفريقيا مع الصحراء التي كان يعمرها الطوارق الأمازيغ".

الخلاصة حسب المدرعي "أن المنطقة لم تكن معزولة بل كانت في علاقة مستمرة مع الحضارات الكبيرة التي كانت تعيش في البحر الأبيض المتوسط، وكانت تتفاعل معها اقتصاديا وسياسيا و فكريا ودينيا، و لم تكن بمنأى على ذلك الزخم الواقع في البحر الأبيض المتوسط مع توالي الحضارات والأحداث والصراعات القائمة، بل كانت في معترك دينامية وحركية دائمة، وفي قلب الأحداث التاريخية الكبرى وتفاعلت معها في علاقة تأثير وتأثر".