الجمعة 18 يونيو 2021
كتاب الرأي

عبد الإله حسنين: حركة الطفولة الشعبية.. كلمات من ساحة الذكرى

عبد الإله حسنين: حركة الطفولة الشعبية.. كلمات من ساحة الذكرى عبد الإله حسنين
نحتفل اليوم خامس يناير الذكرى 65 لتأسيس حركة الطفولة الشعبية، وهي محطة تذكرنا بنضالات الشعب المغربي حتى قبل استقلاله، حينما كان الشهيد المهدي بنبركة يعمل بكل الحماس المطلوب لجمع شمل الشباب المغربي من أجل غذ أفضل، ومن أجل مجتمع جديد تسوده العدالة والمساواة والتقدم والحرية والحق والقانون. ولتحقيق ذلك كان هناك ثلة من المناضلين الذين التحقوا بصفوف الحركة الوطنية منذ البدايات عن طريق قنوات الشهيد المهدي بنبركة ورفاقه في النضال واعتنقوا مبادئها وآمنوا بأهدافها وبروادها، بل كان لهم دور مهم في بلورة الخطوط العريضة لكل ما يرتبط بالقوانين التأسيسية للحريات والجمعيات والنقابات والأحزاب.
فقبل استقلال المغرب بسنوات كانت الحركة الوطنية تعمل من أجل تعبئة الشعب المغربي وبناء أدوات جديدة تتكلف بتغطية حاجيات المجتمع، وتحضيره للجهاد الأكبر ألا وهو بناء المجتمع المغربي الجديد، وكان وراء هذه الأفكار الشهيد بنبركة الذي يعتبر المحرك الأساسي للقوات الشعبية الحية في مغرب ما قبل وما بعد الاستقلال، وهكذا اهتم الشهيد من بين ما اهتم به بضرورة تنظيم الشباب من خلال التنشئة الاجتماعية الواقعية والحديثة للأطفال والشباب، باعتبار الأطفال الاستثمار الأفضل للمستقبل وعلى اعتبار أن الشباب هم بناة المجتمع المغربي الجديد الذي يطمح إليه الشهيد، ومن هنا مقولته الشهيرة نحن نبني الشباب والشباب يبني الوطن.
وكانت النخبة التي يترأسها المرحوم المهدي تتكون من مجموعة من المناضلين الذين أبانوا عن كفاءاتهم ومقدراتهم في التنظيم والاستقطاب والتأطير، من بينهم المرحومين محمد الحيحي والطيبي بنعمر، فسارع إلى جمعهم بالمعمورة للتفكير والمدارسة وصياغة القوانين الأساسية لعدد من التنظيمات في ميادين الطفولة والتربية والتخييم والشباب والمرأة. هذه الجمعيات على تنوع اهتماماتها كان من المفروض آنذاك أن تكون تابعة للشبيبة الاستقلالية وحزب الاستقلال، إلا أن الظروف التي عرفها المغرب وحزب الاستقلال في نفس الوقت شاءت فيما بعد أن تتأسس حركة الطفولة الشعبية في مؤتمر ترأسه الشهيد بن بركة وتحافظ على استقلاليتها واستمراريتها إلى اليوم في مجالات التربية الشعبية وتنشيط الأطفال داخل الفضاءات العمومية ودور الشباب والمخيمات من خلال الفروع التي تم تأسيسها رغم فترات المد والجزر والرصاص التي عرفتها بلادنا.
وقد اختار الشهيد مجموعة من رفاقه لقيادة حركة الطفولة الشعبية على رأسهم زميله في مهنة التدريس أستاذ مادة الرياضيات بامتياز المرحوم الفقيه الطيبي بنعمر كرئيس الذي بشهادة جميع من عاشروه أو تتلمذوا على يديه، كان نعم الأستاذ المناضل يؤذي عمله بصدق وتفان وتطوع من أجل ضمان تكوين متين ومؤهل وضامن لنتائج ايجابية للتلاميذ عن نهاية السنة، والمرحوم العربي رودياس كأمين مال الحركة وكأحد أبناء المقاومة وجيش التحرير.
وبحكم تخصص الطيبي بنعمر كان يعرف أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، فكانت المسافة التي تتخذ من التربية منطلقا يكون أفقها الحتمي هو التقدم، تقدم المجتمع تربويا ورفاهيته اجتماعيا. لقد ظل وفيا لما أبدعه رفقة الشهيد المهدي: الاختيار التربوي الذي يعد حاضنا لأي اختيار ثوري وشرطا لبلورته، فلم يحمل حركة الطفولة الشعبية كمنظمة تربوية في أي حقيبة من الحقائب التي كانت توزع آنذاك بل ظل وفيا لمبادئه حريصا على أن تستمر حركة الطفولة الشعبية مدافعة عن قضايا الطفولة ورافعة لمكانتها داخل المجتمع.
لقد انبثق مشروع تأسيس حركة تربوية تعنى بالأطفال والشباب، من زخم الطموحات الشعبية للمغاربة في نضال واسع وشامل من أجل الانعتاق والتحرر، مرتكزا على قيم حضارية تنطلق من دور المنظمات والجمعيات كشريك مجتمعي، وكفاعل في مواطنة المنتسبين له، وكمشع لقيم ومثل وطنية تحررية في مجتمع جديد منفتح على آفاق التحرر والتطور، بتأسيس حركة تربوية كقوة اقتراحية وكبديل تقدمي وكفعل يومي مواكب لتربية وتنشئة الأجيال، كمدرسة و تيار تربوي متجدد.
فمن قلب معركة التحرير الوطني وحماس بناء المغرب الجديد في خضم التحضير للانتقال إلى الاستقلال السياسي للمغرب؛ التقت هذه مجموعة من الشباب الوطني المؤمن بضرورة المشاركة الفعلية وتحمل المسؤولية في هذا البناء والمساهمة في انتقال شرائح المجتمع المغربي إلى العصرنة والخروج من التخلف. واستقر الرأي على ضرورة التعبئة والتنظيم من أجل: العمل الجماعي التطوعي المتوجه لخدمة الطفولة والشباب بإشراك الآباء والأمهات والعمل في أوقات الفراغ وفي هوامش المدن وأحياء الصفيح والقرى، واستقر رأيهم على تأسيس فعل يعتمد: التربية الشعبية الحية والأساسية بالتنشيط التربوي السوسيوثقافي لكل أبناء الشعب حيث يجب تكافؤ الفرص والمشاركة في المشاريع الوطنية بمحاربة الأمية بالتربية الصحية وبكل ما يمكن أن يساهم به الشباب المتعلم والمتحمس للبناء خارج أوقات عمله وموازاة مع انشغالاته اليومية.
لقد كان السي الطيبي رحمه الله مدرسة في التربية الشعبية يساهم في تربية الأجيال على الاعتماد على ذاتها وبلورة طموحاتها وتكوين نفسها من خلال تكامل بين الأجيال وبين الفئات المكونة للمجتمع، مدرسة لقدسية التربية الحديثة ونقاوتها، حيث كان يؤكد دائما وباستمرار أن التربية المغرية الواقعية والحديثة للناشئة والطفولة والشباب، تعد شرطا أساسيا لتقدم البلاد، وكان حريصا على أن لا تصبح التربية ذيلا للسياسة أو تكتيكا لها، لذلك ظلت حركة الطفولة الشعبية عبر قرابة خمسة وستون سنة حركة مستقلة في ممارساتها وفي قراراتها، في مبادراتها وبرامجها، في تنظيماتها وفي استحقاقاتها، وانسحب منها من لم يكن يريد لها هذه الاستقلالية وهذه النزاهة الفكرية.
الطفولة الشعبية أو مدرسة الفقيه السي الطيبي، هي مدرسة التطوع والوفاء والاستمرارية على نفس المبادئ، مدرسة الشفافية والتربية على الديمقراطية والقيم النبيلة. إننا نعتز بكوننا نشكل عن طواعية واقتناع استمرارية الأجيال باختلاف تكوينها وتعدد مرجعياتها ودرجة وعيها وانتمائها وعمق إيمانها وتطوعها، ومستوى انخراطها في القضايا الأساسية للمجتمع المغربي وبصفة خاصة قضايا الطفولة والشباب.
إن رهانات التربية حاضرة بقوة في قلب التحولات والانتقالات التي تعرفها بلادنا، التربية التي تهيئ الأفراد للانخراط في مجتمع الغد ولا يمكن لنا داخل حركة الطفولة الشعبية، من جهة كمناضلين مدافعين عن الاختيار التربوي والفكر الحداثي الذي يهدف إلى تكوين وتأهيل الفرد ليكون أكثر ديمقراطية ومسؤولية داخل مجتمع أكثر ديمقراطية وحرية.
ومن جهة ثانية، كمبادرين -مع باقي المكونات التي نتقاسم معها العديد من القضايا التربوية والتنشيطية- لطرح الاقتراحات والمشاريع التي تهدف إلى تطوير الفرد وتنمية المجتمع؛ لا يمكن لنا إلا أن نكون داخل هذه الدينامية المجتمعية نؤثر فيها ونتأثر بما يقع حولنا. فكل عام والطفولة بخير كقضية وكتنظيم.