الاثنين 29 نوفمبر 2021
فن وثقافة

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (6)

مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم (6) "مول العودة" بموسم ركراكة يتوسط الشيخ بوجمعة بن عكيدة ووجبة الكسكس

تمكن الوباء اللعين "كورونا" من تأجيل موسم طواف شرفاء "ركراكة" برسم سنة 2020، ووقفت الجائحة سدا منيعا ضد قبائل ركراكة والشياظمة وعبدة ودكالة وغيرهم في إحياء سنة التواصل الروحي والاجتماعي والاقتصادي.. وحرمتهم من الاحتفاء واستحضار موروثهم الشعبي وعاداتهم وطقوسهم وتقاليدهم التي ألفوا إقامتها كل سنة في فصل الربيع (بعد خروج الليالي).

في سفر "أنفاس بريس" والنبش في موضوع ظاهرة موسم طواف "ركراكة" الضارب في القدم، بعد الاستعانة في الحلقة الأولى ببعض المصادر التاريخية التي تناولت "السبعة رجال" والتعريف بهم، وبعلاقتهم بالمجال والإنسان، وكيف استوطنوا الأرض وقاوموا الغزاة، للمحافظة على استقرارهم وأمنهم واستمرار نسبهم، و قدمنا ملخص لمحة تاريخية عن "ركراكة" و"السبعة رجال" والسفر في زمن حروبهم وصراعاتهم مع المحتل والغزاة، وكيف استطاعت القبلية ضمان استمرارها وصولا إلى ترسيخ هذا الموسم السنوي الذي يحج له المغاربة من كل أنحاء الوطن لإحياء صلة الرحم.

في الحلقة السادسة من ذاكرة (مصب نهر تانسيفت يروي حكايات قبيلة "ركراكة" و"السبعة رجال" بين الأمس واليوم)، يفتح الشيخ بوجمعة بن عكيدة قلبه للجريدة ليحكي ويصف ارتباط المجموعة بـ "دور ركراكة" بالارتباط الروحي والعاطفي والوجداني، ويروي بوجمعة كيف جاءت فكرة مصاحبة أولاد بن عكيدة طواف ركراكة والانتقال من موسم إلى آخر سنة 1972.

 

الشيخ إبراهيم بوظهير هو صاحب فكرة رحلة ركراكة

ينساب الحكي عن ذاكرة مصب نهر تانسيفت في أرض شرفاء "سبعة رجال" الركراكيين، كشلال متدفق من لسان الرواة، ونحن نقلب أوراق ذاكرة بعض شيوخ العيطة والفنانين الشعبيين والمبدعين الذين سافروا في رحلتهم الربيعية خلال شهر مارس من كل سنة، رفقة موكب وفد ركراكة، لزيارة تراب أرض "القديسين" وإحياء صلة الرحم مع الأهالي، وضيوف، وزوار، زوايا وأضرحة مواسم "دور" أربعة وأربعين وليا صالحا.

 

بعد حلقاتنا الخمس التي سافرنا من خلالها رفقة الشيخ سي محمد ولد الصوبة، ننتقل في هذه الفسحة الجديدة من شهادات ضيوف "أنفاس بريس" إلى أحد الوجوه البارزة في مجال فن العيطة، والذي انخرط مبكرا رفقة مجموعة أولاد بن عكيدة في ميدان الغناء الشعبي (ثلاثي بن عكيدة) كعازف على آلة لوتار (فترة السبعينيات)، إنه الشيخ بوجمعة بن عكيدة الذي خص الجريدة بشهادة حول دور ركراكة، و حكى تفاصيل مرافقة المجموعة لطواف وفد ركراكة والانتقال صحبتهم من موسم إلى آخر، من البداية بموسم سيدي علي بوعلي إلى النهاية بموسم حد درا سنة 1972.

 

من المعلوم أن مجموعة أولاد بن عكيدة كانت قد انطلقت في مشوارها الفني الاحترافي سنة 1970، بعد أن أسسوا لبصمة "ثلاثي بن عكيدة" في الأداء والعزف والغناء (بوجمعة عازفا على آلة لوتار، وبوشعيب وميلود ضابطين للإيقاع على آلة البندير)، وتميزت هذه الفترة بإنتاج عدة أشرطة غنائية، علاوة على اقتحام الثلاثي ساحة الحلقة وتقديم وصلات الموسيقى والغناء كفواصل بين عروضها الفنية الساخرة ببعض المدن المغربية، فضلا عن اشتغال مجموعة أولاد بن عكيدة في المناسبات الوطنية والحفلات والأعراس خلال فصل الصيف قبل أن ينتقلوا للعمل بالدار البيضاء.

"كنا نقطن سنة 1972 بحي تراب الصيني بأسفي، في تلك الفترة بالضبط طورنا وجددنا عمل مجموعة أولاد بن عكيدة الفني، حيث أضفنا آلة الكمان والتي يعزف عليها الشيخ بوشعيب بن عكيدة، وتكلف ميلود بن عكيدة بالمصاحبة عزفا على آلة العود في حين كلفت شخصيا بضبط الإيقاع على الطعريجة أو الدربوكة في عروضنا الغنائية، فضلا عن عزفي على آلة لوتار وخصوصا لما نؤدي مقطوعات ثلاثي بن عكيدة.."، يقول الشيخ سي بوجمعة وهو يستحضر منعطف فني آخر يتمثل في: "أدمجنا ضمن المجموعة شيخات متمرسات لإعطاء الصوت النسائي حضورا ضمن الأصوات الذكورية في الغناء، وخلق شروط مفهوم الرباعة التي يتمثلها المتلقي"، يوضح الشيخ بوجمعة بن عكيدة، وأضاف قائلا: "كان عملنا الفني تتسع حلقاته خلال فصل الصيف، ابتداء من شهر يونيو إلى شهر غشت، خصوصا في المناسبات الوطنية والحفلات والأعراس، أما في الفترات الباردة فنقدم وصلات موسيقية وغنائية بين فواصل لوحات الحكواتي في سطاحة فن الحلقة".

 

مجموعة أولاد بن عكيدة كانت لها تجربة جميلة في مسارها الفني بعد أن عاشت رحلة فنية، وجالت متنقلة بين تضاريس وهاد وهضاب وتلال مواسم دور ركراكة سنة 1972، هذه التجربة الفريدة التي يحكي عنها الشيخ بوجمعة بعشق مستحضرا تفاصيلها الدقيقة حيث يعتبرها "مدرسة التربية التراثية والفنية ذات المعاني الأصيلة، التي لقنتنا دروسا في احترام شرفاء ركراكة وتقدير أهالي منطقة الشياظمة، وتعلمنا فيها معنى نقاء النفس وصفاءها ومعنى الإيثار والكرم والجود في حضرة الشرفاء الركراكيين".

 

رحلة أولاد بن عكيدة في دروب مواسم ركراكة والانتقال من موسم لآخر سنة 1972، صادفت انطلاق فصل الربيع، وجاءت نتيجة عرض تقدم بهم أحد الشيوخ للمجموعة: "فاتحنا الشيخ إبراهيم بوظهير الركراكي الذي ينحدر من منطقة أولاد الحاج بالقرب من قصبة القايد حاجي في موضوع مرافقة المجموعة لدور ركراكة طيلة 44 يوما، ومواكبة طواف المواسم، للاشتغال في حفلات القبيلة وليالي السمر التي تقيمها بعض العائلات.. وقبلنا العرض".

 

في هذا السياق ستشتغل مجموعة أولاد بن عكيدة وشيخاتهم مع الشيخ إبراهيم بوظهير و الشيخة أهنية "أصبحت الرباعة تتكون من شيخين عازفين على الكمان (إبراهيم بوظهير وبوشعيب بن عكيدة)، وحضور آلتي العود ولوتار في العزف، والإيقاع (الدربوكة و الطعرجية) وأصوات نسائية أضفت على المجموعة استحسانا لدى الجمهور".

 

"استعدنا للرحلة، رفقة الشيخ إبراهيم بوظهير"، هذا الأخير حسب الشيخ بوجمعة "كان ركراكيا أصيلا من المنطقة، له خبرة بالمجال الجغرافي بمنطقة الشياظمة، ويحفظ أسماء الدواوير المتاخمة لكل موسم، وله صلة بأعيان القبيلة ورجالاتها".