الأربعاء 21 إبريل 2021
كتاب الرأي

أحمد فردوس: من أجل تحصين وتثمين الثقافة الشعبية المغربية

أحمد فردوس: من أجل تحصين وتثمين الثقافة الشعبية المغربية أحمد فردوس 
الحكومة التي لا تولي اهتماما بالثقافة الشعبية، لا تستحق أن تنوب عن شعب أبدع في مختلف حقولها عبر التاريخ ورسم أروع الملاحم الشعبية بعاداته وطقوسه وتقاليده، و الذي كان ينشد من خلالها أن يعبر عن أحاسيسه وأفعاله التي خلدتها الذاكرة الشعبية ويترجمها إلى مواقف تنتصر للمجال والإنسان.

يتميز المجتمع المغربي باكتسابه لجينات ثقافة شعبية متجذرة ومتأصلة في حياته ومعيشه اليومي وسلوكياته بفعل احتكاك الإنسان مع الطبيعة والمجال وتفاعله مع المحيط، واستطاع أن يجعل من هذه الثقافة معينا خصبا لترسيخ قيم التعاون والتضامن والاستقرار والتعايش، على أساس قاعدة الوازع الديني وتعدد لغاته ولهجاته وأصوله وعاداته وتقاليده. 

الثقافة الشعبية المغربية المكتسبة بمختلف أنماطها وأنواعها وخصوصياتها على امتداد التاريخ والجغرافيا لقحت نفسها بحب الإنتماء للوطن، لتكون لسان حال شعب يمتلك من الحس الجماعي اليقظ لتحصين وجوده و استمراريته والدفاع عن هويته.

لقد اختار المجتمع المغربي بكل مكوناته (عربية، أمازيغية، صحراوية، يهودية..) و بإحساسه وفطنته وتجربته أن يحافظ على ثقافته الشعبية المتأصلة أبا عن جد، ونقلها للأجيال عبر جسر الثقافة الميداني في مجال الفلاحة و الطبخ و اللباس والأعراس والرقص والموسيقى ومختلف الفنون والعادات والتقاليد التي كانت ومازالت تمثل تعبيرا حقيقيا عن آمال الفرد والجماعة وآلامها، وفرحها وحزنها، بل أن هذا المكون التراثي  يشكل إحدى أهم تعبيرات المجتمع المغربي عن طموحاته وإخفاقاته وعن مكتسباته. 

من المعلوم أن "الثقافة الشعبية المغربية" تمتاز بعدة روافد اجتماعية جعلتها تبتعد عن النمطية الثقافية لأنها تعبر عن تفاصيلها الجميلة، و هي التي شكلت الشخصية المغربية في (الجبل والسهل، والساحل والصحراء..) و هي التي ورثت وتناقلت عبر التاريخ كل علاقاتها و روابطها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، و حافظت على تراثها الشفهي، و حصنت منظومات قيمها، وحساسيات جمالية متنوعة. 

إن تأهيل و تثمين وتحصين الثقافة الشعبية في المغرب يتطلب اليوم هنا والآن،  انخراط المؤسسات ذات الصلة، في عمل استشرافي وازن وعميق، يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، (عمل) قادر على أن يلعب دور القاطرة التنموية على مستوى تصحيح نظرة جيل الشباب الحالي لتراثهم الشعبي وخصوصيات روافده المتعددة في ارتباط بالمجال ومقدراته والإنسان ووجدوه... لكن للأسف نلاحظ أن هناك معاول الهدم، والتربص بمكون أساسي في حياة الإنسان المغربي، وهجوم غير مستساغ على كل تفاصيله إلى حد التدمير، بفعل عدم الإهتمام والإهمال الذي تتعرض له الثقافة الشعبية مع سبق الإصرار والترصد، من خلال فسح المجال لغزوات الإبتذال والسفاهة والتحريف.

إن مطلب الإهتمام والترافع عن كنوز الثقافة الشعبية المغربية هو دفاع عن حلم الشعب في التعبير و التغيير، ودفاعه عن موروته الثقافي من خلال تمثله للحياة بمختلف تمظهراتها، و انتصارا لحقه الطبيعي في الرجوع إلى أصوله التراثية الراقية التي حملتها عدة رموز وعلامات على مستوى مؤسسات التنشئة الاجتماعية (لمسيد)، و الأهازيج الشعبية، (المجموعات الغنائية) والمواسم ذات الطبيعة الفرجوية (الحلقة، الفروسية، الطلبة.)، والألعاب الشعبية المتنوعة و فنون الغناء والموسيقى والرقص والطبخ واللباس.
لا ننكر أن العقل المغربي قد أبدع في إخراج عدة آليات وصيغ لرد الاعتبار للثقافة الشعبية ومكوناتها الاجتماعية، وخصصت الدولة برامج ومبادرات لتمويل مشاريع استثمارية في هذا المجال، إلا أن مجموعة من الصناعات التقليدية المرتبطة بإبداعاتنا الفنية والغنائية والموسيقية لم تستفد بالشكل المطلوب لعدة أسباب منها الذاتي والموضوعي.

وتبقى مسؤولية إعلامنا الرسمي (المرئي والمسموع) قائمة اتجاه هذا المكون، حيث تنتصب أسئلة التعاطي معه من خلال البرامج الإذاعية والتلفزيونية بنوع من التبخيس، دون إشراك دوي الاختصاص في شأننا الثقافي والاجتماعي. فكم هي عدد البرامج الهادفة التي تسعى إلى رد الاعتبار للموروث الثقافي الشعبي، وإبراز قيمته الحضارية والعمرانية والبيئية؟

ضمن مكون ثقافتنا الشعبية، ألعاب الفروسية والبارود، والتي يعاني في صمت الصانع والحرفي الذي يمد حقل موروث فن ورياضة التبوريدة بصنائعه وتحفه الفنية المطلوبة لمستلزمات الفروسية التقليدية (سروج، مكاحل، ألبسة تقليدية..)، ولا نجد أي اهتمام يذكر على مستوى الفعل لتحصين هذه الفئة من القهر والتهميش بواسطة آلية التنظيم والدعم والترويج الإعلامي لأدوارها الطلائعية.

بين مكونات ثقافتنا الشعبية تعاني شريحة من الفنانين (ات) من (شيوخ وشيخات) حاملي مشعل فن العيطة والموسيقى التقليدية، رفقة الصانع والحرفي الذي يبدع في صناعة آلة لوتار و الطعرجية و البندير..معاناة قاسمها المشترك رفع قيمة الإبتذال والسفاهة من خلال تسونامي "الأغاني الشعبية" التي تطبخها برامج تافهة للمشاهد بحمولتها الساقطة.. أليس بمقدور تلفزتنا أن تساهم في تجويد الذوق الفني للشعب من خلال ثقافته الشعبية.

في تفاصيل ثقافتنا الشعبية التي طالها النسيان، نجد العديد من الألعاب الشعبية ذات الرموز والدلالات الجميلة، التي تساعد الجيل الحالي على التربية على القيم، ونبل الأخلاق، والشجاعة، وحسن الجوار، وقيم التضامن والتعايش.. في الوقت الذي فتحنا إعلامنا المرئي والسمعي على غزوات ألعاب الكترونية كلها عنف وإرهاب وحقد على الآخر، واستسهلنا خطورة تسلل منصات التواصل الاجتماعي بين أيدي أطفالنا وشبابنا.

فن الحلقة من مكونات ثقافتنا الشعبية (الرواية والحكاية) التي أنتجت فن المسرح ومنحته شهادة الولادة، يعاني في زمن التفاهة في صمت، أمام لامبالاة من يعنيهم أمر "الثقافة الشعبية" و إنقراضها، في الوقت الذي يزخر به المجتمع بأسماء كثيرة (حلايقة) منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر أن تمنح له فرصة فن القول و الحكي لضخ أوكسجين الفرح والحياة في قلوب الناس، ونقلهم من قبضة عالم النقر على الأزرار الزرقاء إلى عالم الرواية الشفهية والحكاية الشعبية الضاجة بالرموز والدلالات.

الثقافة الشعبية بتعدد أصنافها تعتبر اليوم في نظر المهتمين واق ضد كل أشكال الإنحطاط، وبوابة التعبيرعن حضارة الشعب المغربي، ولا يمكن أن نمنحها روح التواجد والامتداد في أوساطنا الاجتماعية دون أن تقف إلى جانبها مؤسسات الدولة بتمويلاتها المالية، ودراسات المختصين والباحثين والترافع عن قيمتها الإبداعية في الشكل والموضوع مثل ما وقع مع تراث كناورة ورقصة تيسكيوين المغربيتين، وطبق الكسكس المغاربي في انتظار تثمين تراث الفروسية ومستلزماته ذات الصلة مع الصناعة التقليدية .