الخميس 4 مارس 2021
سياسة

المراكشي: إسبانيا لديها قناعة أن المغرب بمجرد حسمه لملف الصحراء سيتجه للمطالبة بسبتة ومليلية

المراكشي: إسبانيا لديها قناعة أن المغرب بمجرد حسمه لملف الصحراء سيتجه للمطالبة بسبتة ومليلية إبراهيم المراكشي

في هذا الحوار مع ابراهيم المراكشي، الأستاذ الجامعي بكلية الحقوق بطنجة، يتحدث عن سياق طرح المغرب لملف سبتة ومليلية، ويكشف أن استدعاء مدريد لسفيرة المغرب هو نتيجة عوامل عديدة..

 

+ استدعت الخارجية الإسبانية سفيرة المغرب في مدريد، وذلك على خلفية تصريحات أدلى بها سعد الدين العثماني حول وضعية سبتة ومليلية المحتلتين، كيف تنظر لهذا الاستدعاء في الظرف الزمني؟

- ما قاله رئيس الحكومة لقناة الشرق، بخصوص الوجود الاسباني في مدينتي سبتة ومليلية، والتي يراهما المغرب مجرد ثغرين محتلين ينبغي أن يعودا إلى السيادة الوطنية، أثار حفيظة الحكومة الإسبانية، واستنكار جميع التشكيلات والأطياف السياسية الإسبانية، إذ أكد في الحوار التلفزي على أن الملف سيفتح يوما ما، بقوله "يجب أولا أن ننهي قضية الصحراء، فهي الأولوية الآن، وقضية سبتة ومليلية سيأتي زمانها"، قبل أن يضيف العثماني: "كلها أراضي مغربية والمغرب يتمسك بهما كتمسكه بالصحراء". في حين تعتبرهما إسبانيا، بمقتضى دستورها، جزء لا يتجزأ من ترابها الوطني.

 

+ لكن هذه ليست أول مرة يطرح فيها ملف سبتة ومليلية في الإعلام من قبل مسؤول رسمي، فلماذا ثارت ثائرة الجارة الشمالية، إذ كان بإمكانها أن تتغاضى عن هذا التصريح، كما سبق وأن فعلت مرارا؟

- هناك ثلاثة عوامل مؤثرة في الموقف الصارم للجارة الشمالية. أولا، ينبغي فهم ردة فعل إسبانيا على ضوء التطورات الأخيرة لقضية الصحراء، والمتمثلة أساسا في مخرجات الاتفاق الثلاثي الإسرائيلي-المغربي-الأمريكي.

المملكة الإسبانية على قناعة راسخة بأن المملكة المغربية بمجرد ما ستحسم الصراع حول الصحراء لصالحها، ستتجه شمالا لمطالبة بحقوقها التاريخية في مدينتي سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، وعلى هذا الرأي يستوي اليسار الإسباني مع يمينه المحافظ، بشقه الملكي، إلى جانب المؤسسة العسكرية. وبذلك فإن رئيس الحكومة المغربي كان صادقا حينما قال بأن هذا الملف سيأتي زمانه.

وهذه من العوامل الاستراتيجية التي دفعت الحكومات الإسبانية المتعاقبة إلى مساندة جبهة البوليساريو، رغم كون العديد من الساسة الإسبان يدركون، بل ويعترفون بأحقية المغرب بصحرائه لأسباب تاريخية وجغرافية ودينية، كالرئيس الأسبق "فيليبي غونزاليس"، لكنهم يصرحون بذلك بعد تقاعدهم السياسي. إسبانيا تدرك جيدا أن لها عدو تاريخي واحد، وهو المغرب.

إن التخوف الإسباني قد زاد بعد الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على صحراءه، وهو تخوف استراتيجي، قد يأخذ صراعه أبعادا اقتصادية، وقد أخذ ذلك بالفعل، لكن دون أن يصل إلى صراع عسكري، رغم أن إسبانيا مستعدة لذلك وتمسك بملفات استراتيجية ضاغطة على جارتها الجنوبية (مسألة القروض، الاستثمارات، اقتصاد متقدم على المغرب، صناعة عسكرية تحقق لها الاكتفاء الذاتي، جالية مغربية مهمة مقيمة في الديار الاسبانية، إلخ.). في حين إذا عدنا إلى المغرب، فلن نجد بين يديه سوى ثلاثة ملفات استراتيجية، ضعيفة نسبيا، تمكنه من مساومة جارته الشمالية، وهي تباعا: الصيد البحري، الهجرة السرية والمخدرات. والنقطتان الأخيرتان تبرزان بشكل جلي مدى ضعف المغرب حاليا، وعدم استعداده لخوض أية معركة دبلوماسية ضد إسبانيا.

 

+ كيف يمكن أن يستغل خصوم الوحدة الترابية هذا التوتر مع إسبانيا؟

- يتوقع أن تسترجع العلاقة بين الجبهة الانفصالية وإسبانيا دفئها المعهود. فالمتوقع أن تنحاز إسبانيا للموقف الروسي، الوريث الشرعي للاتحاد السوفياتي، فيما يتعلق بالاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء. وهنا نتساءل، ألم يكن من الأجدر أن يستحضر رئيس الحكومة هذه العوامل قبل ينطق لسانه بما صرح به؟ خصوصا وأنه سبق وأن شغل منصب وزير الخارجية، الذي أقيل منه بالمناسبة. ثم ألم يكن بمقدوره أن يلتف على السؤال الذي وجه له بخصوص إمكانية مقايضة الصحراء بالمدينتين المحتلتين سبتة ومليلية، ويناور في جوابه بطريقة دبلوماسية ناعمة؟

لقد قدم رئيس الحكومة هدية على طبق من ذهب للمؤسسة العسكرية الجزائرية التي وجدت نفسها قد كسبت حليفا استراتيجيا دون أن تبذل أي عناء.

 

+ البعض يتحدث عن كون هذا الاستدعاء الديبلوماسي لممثلة المغرب في مدريد، ليس وليد تصريحات العثماني بل هو نتيجة لتوتر مسكوت عنه منذ سنوات في العلاقة بين مدريد والرباط، كيف ترى ذلك؟

- فعلا فالعامل الذي ساهم أيضا في تأجيج الموقف الإسباني، هو أن المغرب منذ سنتين تقريبا يضيق الخناق الاقتصادي، بشكل تدريجي، على مدينتي سبتة ومليلية. صحيح أن المدن المغربية المجاورة قد تضررت هي الأخرى، لكن وقع ذلك على الثغرين كان أكبر وأشد، خاصة في ظل ظروف الجائحة، وهو ما كبد الاقتصاد المحلي لكل من سبتة ومليلية خسائر فادحة، انعكست سلبا على ارتفاع معدل البطالة، وعلى حدوث هجرة معاكسة نحو شبه الجزيرة الإيبيرية. إن استمر الوضع على هذا المنوال، فإن تكلفة الحفاظ على المدينتين، المستعمرتين، ستكلف الاقتصاد الإسباني الشيء الكثير.

وبذلك فإن إسبانيا في موقفها الحالي ربطت كل هذا، لتخلص على أن تحرك المغرب بخصوص مدينتي سبته ومليلية تحكمه منهجية واضحة، وأنه عازم على تحريك هذا الملف على المدى المتوسط.

العامل الآخر والذي ساهم في زيادة جرعة الغضب لدى الجارة الشمالية، مرتبط بمسألة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، والذي أثار حفيظتها. فرغم الضغوط السياسية التي مارستها إسبانيا، مضى المغرب قدما في ترسيم حدوده البحرية، إذ سبق وأن صادق البرلمان المغربي بالإجماع، في شهر فبراير 2020، على قانون يبسط السيادة المغربية على الصحراء المتنازع حولها.

فاستنادا لمقتضيات القانون الدولي للبحار، حدد المغرب جرفه القاري، والذي يصل إلى 350 ميلا بحريا من الشاطئ، وكذلك المنطقة الاقتصادية الخالصة، والتي يبلغ طولها 200 ميل وتغطي جزر الكناري، إضافة إلى مياهه الإقليمية. وبموجب اتفاقية قانون البحار فقد شملت أيضا المياه المحيطة بكل من مدينتي سبتة ومليلية. فجغرافيا أثبت هذه الاتفاقية أن هاتين المدينتين جزء لا يتجزأ من التراب المغربي.

إن هذه الاتفاقية، التي لا غبار على موافقتها للقانون الدولي، أَضرت بالمصالح الاقتصادية لإسبانيا، إذ منحت للمغرب مساحة بحرية واسعة غنية بالثروات السمكية، وتنام على تقديرات نفطية ومعدنية نفيسة مهمة تدخل في تركيبة الصناعات الدقيقة (الكوبالت، الفاناديوم، النيكل، الرصاص، إلخ...).

باختصار، هذه هي العوامل الثلاثة المتحكمة في ردة فعل إسبانيا، والمصلحة تقتضي من المغرب أن يعمل على امتصاص هذه الأزمة وهي في مهدها. ففي ظل هذه الظرفية، سيظل هو الخاسر الأكبر من توتر الأجواء مع الجارة الشمالية. حاليا، بخصوص ملف سبتة ومليلية، ينبغي على المغرب تغليب منطق المصالح الاقتصادية المتبادلة.