الأحد 24 يناير 2021
كتاب الرأي

محمد بوبكري: في المقاربة التاريخية لنص القرآن المجيد

محمد بوبكري: في المقاربة التاريخية لنص القرآن المجيد محمد بوبكري

لجأ دارسو التراث الإسلامي حديثا إلى دراسة القرآن موظفين في ذلك مقاربات منهجية عديدة فرضتها ضرورة الاستفادة من مستجدات العلوم الإنسانية التي أبانت عن جدواها في الاقتراب من فهم معاني مختلف الظواهر...، حيث نجد أن من بين هؤلاء الدارسين من اختار المقاربة اللسانية، ومنهم من اختار المقاربة النفسية، ومنهم من اختار المقاربة التاريخية، كما نجد أن من بينهم من جمع بين هذه المقاربات المنهجية جميعها، أو اقتصر على اثنتين منها. لكن هل يمكن دراسة النص القرآني دراسة تاريخية؟

 

لقد خلق توظيف هذه المقاربات جدلا واسعا، حيث نجد أن هناك من اعترض على توظيفها في دراسة القرآن الكريم، بدعوى أنه نص مقدس غير قابل لذلك. ومع أني أومن بأن القرآن نص مقدس، فإنني أرى أنه يمكن أن نقرأه قراءة تاريخية تمكننا من الاقتراب من إدراك معانيه، دون المس بقدسيته. ويعود ذلك إلى أن القرآن يتضمن أحداثا تاريخية، كما أنه يحوي غزوات وحكايا النبي مع زوجاته. إضافة إلى ذلك، إذا كان نص موسى قد نزل ألواحا على دفعة واحدة، حيث خاطبه الله عز وجل قائلا: خذ يا موسى، ما جعل هذا النص لا يمكن أن يكون نصا تاريخيا. لكن القرآن قد نزل على مسافة ثلاثة وعشرين سنة، حيث نزل منجما ومفرقا على هذه المسافة الزمنية، كما حصل فيه نسخ وإبدال ورفع...، ما يدل على أن الله تعالى كان يتعامل مع الواقع الذي هو عليم به وبنواميسه، ما يجعلني أفهم أن كل هذا شغل تاريخ، حيث إن البعد التاريخي حاضر. وإذا كان هناك من يرفض ربط آيات معينة بأمكنة وأزمنة معينة، فإننا إذا أخذنا الرق مثلا، نجد أن المسلمين قد اتفقوا عبر الزمن على إلغائه، لكن من المؤسف أن نجد اليوم أن هناك من يريد العودة إلى ممارسته. هكذا أصبحنا اليوم نرى أن "داعش" تمارس الرق والسبي.

 

لقد نزل القرآن في فترة تاريخية كان كل البشر يمارسون الرق والسبي، لاعتبارات اقتصادية، ولم يكن ممكنا أن يضع النبي حدا لها فورا، لأن الناس كانوا سيرفضون ذلك. وإذا كان مبدأ المساواة والعدل بين الناس يشكل جوهر القرآن، ما يفرض علينا، في حالات عديدة عدم اعتماد القراءة الحرفية له، حيث ينبغي أن نعطي الأولوية للمقاصد العليا التي نزل من أجلها القرآن، وذلك على حد تعبير الشاطبي. وبذلك، سنتمكن من التفريق بين ما جاء في القرآن، وما نزل القرآن من أجله. وإذا كان الله عز وجل يعلم أنظمة الكون والخلق وتحولاتهما، فإنه قد أنزل آيات تنسخ أخرى ليعطي لعباده درسا كي يسيروا على نهج القرآن ويجتهدوا كلما تغيرت الظروف والأحوال محترمين في ذلك جوهر القرآن، وذلك من أجل حفظ النفس والدين والعرض عبر مختلف الأزمنة وتغير الظروف.

 

وتجدر الإشارة إلى أن هناك نسخا في النص ونسخا ممتدا عبر الزمن. ويعني هذا أن القرآن نص متفتح ومنفتح على تطور الظروف والأحوال، ما يجعله متعدد المعاني وقابلا لقراءات متعددة، الأمر الذي يمنحه حيوية باستمرار. لكن "داعش" لم تدرك ذلك، لأنها لم تستطع قراءة القرآن الكريم في إطار تاريخي فضلا عن ذلك، إذا كان البعض يقول بضرورة قتل الكافر استنادا إلى النص القرآني، لكن هذه الآية تتحدث عن ظرف زمني معين وموقعة معينة، ولا يمكن تعميم حكمها، حيث نجد أن الله تعالى يقول في موضع آخر من القرآن الكريم: "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" (المائدة، 32). ويقول سبحانه في آية أخرى: "لا إكراه في الدين...." (البقرة، 256). لذلك، يجب أن تتم قراءة القرآن قراءة شمولية لا تجزيئية.

 

وتقتضي القراءة تشغيل العقل والمقارنة بين الآيات حتى نتمكن من الاقتراب من فهم معانيه. ولا تدعي القراءة التاريخية أو غيرها من القراءات البشرية أنها قادرة على استنفاذ معنى القرآن بشكل مطلق، بل إنها تشكل إمكانا يمكن أن يساعدنا على الاقتراب من فهم النص القرآني، حيث يقول سبحانه: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب" (آل عمران،7). هكذا، فإن كل القراءات التي يقوم بها الفقهاء والمفسرون هي مجرد قراءات بشرية نسبية لا يمكن أن تبلغ المطلق، إذ الله وحده هو القادر على ذلك، وهو بكل شيء عليم.