الخميس 21 يناير 2021
كتاب الرأي

إدريس النوازلي: العنف الإلكتروني المدرسي بين الجريمة والانحراف

إدريس النوازلي: العنف الإلكتروني المدرسي بين الجريمة والانحراف إدريس النوازلي

معلوم أن الجريمة هي انحراف عن المعايير الاجتماعية وانتهاك للقانون، بمعنى الجمع بين المفهومين الاجتماعي والقانوني، الأول يكون الفعل الضار اجتماعيا والثاني معاقب عليه جنائيا، والمتتبع لجريمة في المجال الإلكتروني قد يرجعه إلى المعاناة التي يعيشها الشباب اليوم أو التطلع على عيشة أفضل وإن كانت مقبولة على اعتبار أن الجريمة في نظر علماء النفس هي تعبير عن طاقة انفعالية لم تجد لها مخرجا اجتماعيا فأدت إلى سلوك لا يتفق والأوضاع التي يسمح بها المجتمع فهو سلوك متعمد وغير مشروع يصدر عن مظاهر نفسية هي أعراض الكبت والاضطراب الداخلي لإشباع احتياجات تدفع الفاعل نحو هذا السلوك.

 

الجريمة الإلكترونية، تنطلق من وسيلة ارتكابها، وتتحقق باستخدام الجهاز، الشيء الذي انتقده العديد من الفقهاء من أن تعريف الجريمة يستدعي الرجوع إلى العمل الأساسي المكون لها وليس فحسب إلى الوسائل المستخدمة لتحقيقه، بمعنى أنه ليس مجرد أن الحاسب قد استخدم في جريمة أن نعتبرها من الجرائم الإلكترونية.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فريق آخر أرجع تعريف الجريمة المعلوماتية أو الإلكترونية إلى الطابع الشخصي المتمثل في المعرفة التقنية والفنية، وهذا بدوره مردود، لماذا، لأن هناك جرائم ترتكب بتظافر وبمجهودات لأشخاص عدة من تقسيم للأدوار من مخطط ومنفذ ومحرض ومساهم، وقد لا تتوافر في أحد هؤلاء المعرفة الفنية المشار إليها أعلاه.

 

فالسلوك قد يوصف بالجرم وقد يوصف بالانحراف، يبدو كلمتين مترادفتين، والحال هناك اختلافا مهما من حيث درجة الإساءة أو حجم الضرر الذي قد يلحق بالفرد أو المجتمع من جراء الأفعال الصادرة عن شخص ما، ودرجة التجريم القانوني للفعل أو السلوك، ويبقى معيار التفرقة في مواقف المجتمع ودرجة تسامحه عن بعض الأفعال الضارة اجتماعيا، بمعنى إذا كان الفعل الضار اجتماعيا يدخل في نطاق حدود التسامح فهو سلوك منحرف وليس بجريمة وأنه إذا كان يتجاوز حدود التسامح فهو فعل أو سلوك جرمي.

 

إن تواجد العالم الافتراضي ودخول عامة الناس إليه رغم اختلاف المستويات الثقافية والعلمية والخوف من المحتمل أو المستقبلي، أدى إلى التفكير في وضع استراتيجيات عمل تعتمد الوقاية والحذر لمستعملي الانترنت، وبدأ يلوح في الأفق ما يسمى بالخطورة الاجتماعية وجب البحث عن وسائل الدفاع في مواجهة الأخطار الاجتماعية من أية جهة كانت.

 

فالانتقال من عصر اللاتقنيات إلى عصر التقنيات غير أسلوب الحياة للأشخاص والجماعات، من نقل للأفكار ومناقشة القضايا على اختلاف أنواعها، التنظيم من الافتراضي إلى الواقعي، المشاركة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تركيبة اجتماعية الكترونية تتم صناعتها من أفراد وجماعات أو مؤسسات، هي صفحات الويب التي يمكن أن تسهل التفاعل النشط بين الأعضاء المشتركين في هذه الشبكة الاجتماعية الموجودة بالفعل على الانترنيت، تساعد الأعضاء فيما بينهم وتشمل المراسلة الفورية (الفيديو، الدردشة، تبادل الملفات، مجموعات النقاش، البريد الالكتروني، التدوينات)، كل ذلك زاد من احتمال المس بالحياة الخاصة للأشخاص من جملتهم المدرسين، والقول بهذا يعني بالمفهوم المعاكس أن الحياة الخاصة هي ما دون الحياة العامة التي تتصل بالجمهور والتي قد تكون وتدخل في خانة المصلحة العامة، فكل تدخل في الخصوصيات كاستراق السمع ونشر الصور قد يسئ إليه ويشوهها غاية فضح الأسرار وزعزعة الثقة، على اعتبار أن الحياة الخاصة تتميز عن الحياة العامة من الناحية الكيفية وليس من الناحية الكمية.

 

والجدير بالذكر أن الخصوصية هي التي بواسطتها يتمكن الشخص من التحكم في معلوماته بعيدا عن مراقبة العامة والخاصة في حدود ما يخوله القانون، بالشيء الذي يؤمن مسكنه وشرفه وعرضه وسمعته ومحادثاته ومراسلاته وجميع اتصالاته بأي شكل من الأشكال المخولة قانونا.

 

إن مواقع التواصل الاجتماعي هي مواقع اجتماعية تفاعلية تتيح التواصل لمستخدميها من خلال واقع افتراضي لالتقاء الأصدقاء والمعارف والاهل، المماثل للواقع الطبيعي، من خلال تكوين علاقات مع الأصدقاء من مختلف الاعمار والأجناس ومن كافة انحاء العالم، كما هي عبارة عن منافذ للتعبير عما يدور في عقول النفوس من أفراح وأحزان، وتبادل التجارب والمعارف والملفات والصور ومقاطع الفيديو، والتقارب بين الشعوب، عن طريق انشاء علاقات مع الآخرين، يتيح للمستخدم إنشاء حساب شخصي لأجل تكوين علاقات مع مستخدمين آخرين للمواقع نفسها.

 

ويعد الفيس بوك الأكثر استخداما في العالم، مكن من التعريف بالذات وتكوين مجتمع افتراضي تفاعلي والاختيار المناسب للعروض الحركة والمرونة وقابلية التحويل للإشارات المسموعة إلى رسائل مطبوعة أو مصورة أو العكس، قابلية التوصيل للمتغيرات الاجتماعية، تكوين الصدقات، عضوية للأفراد والجماعات بحسب المتغيرات السياسية، فضلا عن تعبئة الرأي العام وظهور المواطنة الافتراضية وتفعيل دور المجتمع المدني.

 

فمن إيجابيات الانترنت بصفة عامة ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص، أنها تمكن من استمرار التواصل بين مستخدميه بتقوية العلاقة بين أفراد المجتمع وتبادل الآراء والمعلومات وإجراء الفحوصات الطبية، التعرف على ثقافات الشعوب وتوحيد الرؤى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يكون أحيانا يتجاوز الإعلام لمجالاته التقليدية والحديثة، وأيضا تجاوز الفرد من القدرة على التعاطي مع الانترنيت الى أن يقدم أكثر ما لديه من حيث التواصل خلف الجهاز، مما سهل عملية التعارف وجعلها سريعة تمكن من توصل الطالب بالمحاضرات والدراسات عبرها وهو ما وقع في زمن الكورونا في إطار ما أفرزته الجائحة أو ما سمي بالتعليم عن بعد.

 

إلا أن هناك سلبيات تتجلى في الميل نحو النرجسية بالنسبة لبعض التلاميذ المراهقين والاضطرابات النفسية بالنسبة للبالغين، فالإفراط والإدمان في استخدام وسائل التواصل والإعلام له تأثير سلبي على صحة الأطفال وإصابتهم بالتوتر والاكتئاب، مما قد يصبحون عرضة للمعاناة من ضياع الوقت والتنقل عبر الصفحات والحديث في أمور تافهة ومدى تأثيرها على الجانب الأسري، فضلا عن أنها تؤدي إلى العزلة الاجتماعية وعدم الاندماج مع الأسرة والميل إلى الإساءة للآخرين من نشر للأكاذيب وبث لمعلومات غير صحيحة والمغلوطة، كل هذا أسفر عن تدني المستوى الأكاديمي ودفن للمواهب والطاقات التي يحتاج إليها كل مجتمع يرغب في السير قدما نحو التقدم والتطور العلمي والالكتروني.

 

لقد أفرز التطور الإلكتروني الحديث وما صاحبه من انتشار الاستعمال التقني للحاسب الآلي داخل جميع المجتمعات الكونية، إذ بواسطته تم تخطي الحدود الجغرافية وأصبح التعامل بين البشر يتسم باليسر دون اعتبار لعامل الزمان والمكان، فكلما تعمق الإنسان في الاستخدام للحاسب الآلي في جميع المجالات إلا وأصبح عنصر الاستعمال السيئ واد.

 

ولعل الغاية من اختراع الحاسوب الآلي وربطه بشبكة الانترنت، هي تحقيق الطاقة التخزينية والمرونة والسرعة في الإنجاز لأجل اغناء الحضارة البشرية، إلا أنه في المقابل هذا الاختراع استغل من قبل ذي النفوس الخبيثة بإساءة استخدام هذه التقنية لأغراض خاصة دون مراعاة للنظم والقوانين التي تحكم المجتمعات وقد تكون الإساءة لجهل أو إبراز للعضلات المعرفية.

 

كما هو معلوم تعتبر جريمة الانترنت عبر الحاسوب نمطا حديثا لم تكن تعرفه المجتمعات السابقة، بحيث أصبح الاستخدام الواسع في جميع المجالات ليطرق باب المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية وشريحة مهمة من التلاميذ والطلبة على اختلاف المستويات واختلاف الأهداف من ربح أو استعراض العضلات أو للتشوه في قهر الإنسان من جنسه والتلذذ.

 

فجرائم الحاسب الآلي تتفرغ عنها مجموعة من الأنواع قد تكون استغلال البيانات المخزنة فيه أو اختراقه لأجل تدمير البرامج والبيانات أو الاستخدام لأغراض الشخصية أو لارتكاب جرائم معينة بحيث أصبحت تشكل الجرائم الالكترونية تهديدا للأمن الاجتماعي وتفسخ اجتماعي وانهيار النظام الاجتماعي العام للمجتمع بسبب الاستخدام غير الأخلاقي وغير القانوني للشبكة، ويزيد الأمر تفاقما حينما يصل الى المراهقين والهواة فيؤثر على شخصيتهم التي ما زالت في طريق النمو ويضعهم في أزمة، وتكون لديهم عقد نفسية خاصة لما يتعلق الأمر بالمواضيع الجنسية والصور الإباحية، على اعتبار أن جنوح التلاميذ يشكل خطرا كبيرا ويهدد مستقبل المجتمع، فهم في حكم الأحداث الجانحين يخضعون لرعاية قانونية خاصة، فهي تدابير أكثر ما هي عقاب الذي يبقى آخر ما يلجأ اليه.

 

وقد يساهم العنف العائلي كيفما كان ماديا أو معنويا من تحقير وايذاء نفسي خلافا لما يجب أن يحصل عليه التلميذ أو الطالب من رعاية ودعم من الوالدين أو الأسرة التعليمية والمجتمع، من بسط للحماية وبإعطاء الفرصة في المناقشة والحوار وتقبل الاختلاف، لأن الاختلاف في الإبداع ينمو في أجواء الحوار ويموت في مهده في أجواء التعصب والأوامر الصارمة، مما يولد عنه نوعا من العنف ورد للفعل، على اعتبار أن المناهج الدراسية هي عماد العملية التعليمية، بحيث يجب أن تكون قابلة للتعديل كلما تطلبت مقتضيات العصر ذلك وإلا تكون في قالب جامد لا يساير الواقع ولا تقدم حلول لمشكل ما قد يطرأ مستقبلا.

 

ونقصد بالعنف الالكتروني المدرسي، هو كل فعل ينتج عنه ضررا للغير داخل المؤسسة التعليمية أو الفضاء المدرسي أو خارجها باستخدام الوسائط الالكترونية من حاسوب وهاتف ذكي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بحيث يتخذ صور متعددة من سب وقذف وشتم وترويج لأفكار وأخبار زائفة وتحقير الفرد المستهدف، والابتزاز بأشكاله والذي قد يكون فيها الضحية التلميذ أو الأستاذ، وهو من أخطر أنواع العنف لأنه يبدأ بالأسرة وينتهي بالمجتمع، فهو عنف من نوع خاص لا يحتاج الى قوة بدنية، وإنما يكفي وجود حاسوب أو هاتف لتنفيذه، وقد لا نعرف من قام به بسبب تصدع عملية التنشئة الأسرية داخل البيت أو المدرسة، وتنعكس سلبا في العلاقة بين المدرس والتلميذ، كما تكون بين التلاميذ فيما بينهم ذكورا ذكورا أو ذكورا وإناثا، ونعني بذلك التنمر أو التحرش الجنسي الالكتروني الافتراضي من بعضهما البعض، ويفرز نوع من سلوكيات ضارة خطيرة قد تؤدي بالضحية الى تعاطي المخدرات وشرب الكحول تحت وطأة المفارقة للنظم التعليمية والإصابة بفقدان الثقة بالنفس، وقد يصل الأمر الى التفكير واللجوء إلى الانتحار.

 

وقد يلعب بعض الإعلام دورا مهما في ترسيخ فكرة العنف عبر المشاهدة للتلفاز والقابلية للمحاكاة لدى الشباب الذي يلعب دور البطولة خاصة في المجال التعليمي داخل القسم، بالتطاول وعدم الاحترام للأستاذ وعدم الخوف من الإدارة والعقاب.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى الارتباط باللاتكيف مع الوسط المدرسي، وتأثير المعاملة السيئة للتلميذ على مشاركته في القسم حسب الجنس والمستوى الدراسي والفشل والرسوب المتكرر والنقد المتكرر من طرف الأستاذ وعدم الشعور بالارتياح وسوء التفاعل بين الأستاذ والتلميذ، وبين التلاميذ فيما بينهم، مما يلجأ هذا الأخير إلى اتخاذ أسلوبا آخرا للرد والانتقام والحص في عدم الكشف عن هويته والحاق الضرر بالغير ويتخذ من الوسيلة، الأساليب الحديثة التي تخفي هويته ويسود نوعا من الغموض والإبهام مما يربك الأمور، لأن هذا النوع من الجرائم يتميز بالسرعة في الإنجاز واختفاء الجانح وراء الجهاز وصعوبة الإثبات، فهو عنف افتراضي لكن عواقبه مادية تمس الشخص المستهدف وتلحق به ضررا عميقا لأنه يمس نفسية المعتدى عليه.

 

ويبقى المجتمع بجميع مكوناته مسؤولا، بحيث يجب غرس مبادئ حب الوطن والمواطنة في الأجيال الحالية، وتكوين المدرسين بيداغوجيا مع وضع الاهتمام في كيفية التعامل مع المراهقين، وبوضع سبل كيفية القضاء على المخدرات بالمحيط المدرسي رغم المجهودات المبذولة، بحيث يغيب عن العلاقات الاجتماعية، القدوة الحسنة لدى التلميذ والإرشاد والتوجيه، حتى لا يقال تم الاكتفاء بالتعليم وتم التخلي عن التربية، والحال أن الأمر مرتبط لا يمكن الفصل بينهما.

 

فأسباب العنف المدرسي، هو الفشل الذريع في التربية والأسرة التي تخلت عن الدور المنوط بها وظهر مشكل جديد في ساحة التربية وهو صعوبة التواصل مع التلميذ من طرف المدرس والأسرة دون اللجوء الى وسيلة القاء اللوم المتبادل ووضع التلميذ حلقة وسطى تؤهله للضياع، فضلا عن عدم مراعاة الفوارق الاجتماعية والتمييز في المعاملة على كلا الجانبين هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد يكون المدرس مزاجيا وتنقصه الخبرة والمعرفة في الوسائل الحديثة في التواصل مع التلاميذ، وضعف البيئة المدرسية وما يقابلها من تمرد على الأنظمة التعليمية ورفضها، والنظرة الظلامية لمنفعة المتمدرس، وقيمة الشهادة العلمية بالنظر الى عدد البطالة وقلة فرص الشغل.

 

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا مهما في ترسيخ مفهوم العنف داخل نفسية التلميذ، مما يجب وضع مقاربة شمولية لمعالجة وضعية ظاهرة العنف باستحضار البعد القيمي والاهتمام بالتربية القيمية ووضع قواعد الحياة المدرسية والمساهمة في عملية التنمية السلوكية، وتقويم دور المجالس التأديبية داخل المؤسسات، وجعل التلميذ شريكا في محاربة العنف، ولا ننسى دور جمعيات أولياء التلاميذ الى جانب الإدارة وتوظيف اخصائيين نفسانيين بالمدرسة لمتابعة التلاميذ العدوانيين.

 

ويبقى نشر الوعي لدى مستعملي المواقع التواصل الاجتماعي مهما، من توضيح دوره وأثره في تنمية شخصية الفرد أو الجماعة، ولا يتأتى ذلك إلا بعقد دورات تكوينية بالمدارس والمعاهد وتطوير المهارات في توظيف مواقع التواصل الاجتماعي في خدمة القضايا العامة، وترشيد قبولية الأعضاء إلا بعد التفحص والانتقائية، كما يجب تنمية القيم الأخلاقية وغرس المبادئ لدى التلميذ سواء على المستوى الاسري والمدرسي، ومعرفة حاجيات التلميذ ومستلزماته، وإعطائه الفرصة وإشراكه في محاربة العنف المدرسي تقليديا وحديثا، وفرض احترام التلميذ للمدرس بما يليق بالمهمة المنوطة به، لأن العنف الالكتروني يلجأ اليه بسهولة خلاف العنف المتداول الواقعي الملموس.

 

وعلى كل فإن المسألة هي مسألة وطنية، لا يكتمل حلها إلا بتظافر الجهود من قبل جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والمجتمع المدني بجميع أطيافه...

 

إدريس النوازلي، دكتور في القانون أستاذ باحث، قاضي التحقيق لدى ابتدائية مراكش، رئيس مكتب مراكش آسفي لرابطة قضاة المغرب