الخميس 3 ديسمبر 2020
كتاب الرأي

عبد الإله بلقزيز: انشقاقات سياسيّة في ثوبٍ دينيّ

عبد الإله بلقزيز: انشقاقات سياسيّة في ثوبٍ دينيّ عبد الإله بلقزيز

لا تتوقّف السّياسة، كفعاليّة اجتماعيّة، ولا السّلطة والدّولة، كمؤسّسة سيّاسيّة، على نصٍّ من الدّين مثلما هي الحال في الإسلام والمسيحيّة. ولذلك لا يمنع ما نسمّيه بالفراغ التّشريعيّ القرآنيّ للمسألة السّياسيّة من أن تنشأ سلطةٌ ودولة في الاجتماع الإسلاميّ، ومن أن تكون المسألة السّياسيّةُ مركزيّة في الاجتماع هذا؛ خلال أطواره التّاريخيّة كافّة.

 

والحقّ أنّ عدم النصّ الدينيّ على السّياسة أعفى الجماعة السّياسيّة الإسلاميّة من أن تعيش امتحان سلطة ثيوقراطيّة كان يمكن أن تقوم فيها بتعلّة أنّ نظام الحكم منصوصٌ عليه في الدّين. وهذا فتح الباب أمامها، لحسن الحظّ، أن تتعامل مع مسألة السّلطة بوصفها شأنًا يعود إلى الجماعة والأمّة تقرِّره على مقتضى مبدأ الاتّفاق والاختيار، الأمر الذي تَعَزَّزَ معه الطابع الدّنيويّ (=أو الدّنياويّ والدّنيائيّ على قول د. فهمي جدعان) للسلطة ولنظام الحكم.

 

وثمّة الكثيرُ ممّا يشهد لمركزيّة المسألة السّياسيّة في الإسلام. وليس ذلك الذي يشهد له، فقط، أنّ أدوار الدّولة فيه كانت حاسمة في صُنع حقائق التطوّر الاجتماعيّ والاقتصاديّ والثّقافيّ للمجتمع العربيّ الإسلاميّ، وفي تحقيق انتصاراته العسكريّة، خارج حدود الجزيرة العربيّة، وتوسعة رقعة الجغرافيا الواقعة تحت سلطان الإسلام. كما لا يشهد لذلك، فقط، أنّ الانشغال الفكريّ بالسّياسة عَظُم شأنُه واتّسع نطاقًا، في الفكر الإسلاميّ، ومسّ ميادينَ من التّفكير والتّأليف مختلفة (تاريخ، آداب سياسيّة، علم الكلام، الفلسفة، الفقه...)، بل لأنّ السّياسيَّ ظلّ المحَرِّك الأوّل لظواهر الاجتماع الإسلاميّ كافّة، بما فيها تلك التي تُحسَب دينيّة، وظلّت الصراعات السّياسيّة داخل الجماعة الإسلاميّة القانون الحاكم للتّطوّر حتّى وإن داخلتْها، في لحْظات عدّة، صُوَرٌ من حضور الدّينيّ أو القَبليّ أو المناطقِيِّ فيها.

 

من أمثلة ذلك الحضور الكثيف للسّياسيّ في يوميّات الاجتماع الإسلاميّ تلك الظّاهرة الكبيرة -والمَهُولة في وقائعها كما في نتائجها- التي نُعِتَتْ في كتب تاريخ الكلام وكتب التّاريخ، عمومًا، باسم الانشقاقات الدّينيّة وشغلتِ المؤلّفين والباحثين، قديمًا وحديثًا، ووُضِعَت في شأنها تآليف عدّة. إنّ الانشقاقات هذه -وقد تمخّضت من فتنٍ وحروب أهليّة- لم تكن محض حادثة سيْر مؤسفة في تاريخ الإسلام، وإنّما كانت فيه بمنزلة الحوادث المفصليّة التي قرّرت مجرى تاريخه، وأطلقت فيه ديناميّات جديدة غير تلك التي تحكّمت في علاقات الجماعة الإسلاميّة أَيّان كانت موحّدة. وما كانت الانشقاقات هذه دينيّة، في مضمونها، بمقدار ما كانت سياسيّة أو، قل، إنّ الدينيّ فيها أتى يُلقي ستارًا من الإخفاء على السّياسيّ العميق فيها.

 

نعرف، على التّحقيق، أنّ أوّل ما وقع في شأنه خلافٌ في الإسلام كان على مسألة الإمامة. وهو خلافٌ لم يُدَبَّر تدبيرًا سياسيًّا على النّحو الذي يمنع انفجارَهُ ويحمي وحدة الجماعة السّياسيّة من التّصدّع والافتراق، وإنّما الْتُجِئَ فيه إلى القوّة للحسم. هكذا، ومنذ خلافة الخليفة عثمان بن عفّان، ستندلع سلسلةٌ متّصلة من الحروب داخل الجماعة الإسلاميّة أذْهبَت وحْدَتَها، وأطلقت في داخلها جدلاً عقيمًا غير مألوف (=في العهد النبويّ وفي عهد الشّيخيْن) عن الكفر والإيمان والمعصية ومرتكب الكيرة. ثم لن تلبث بعدها أن تُطلّ أولى الموضوعات والمقالات الكلاميّة التي انقسم على حدودها الناسُ فرقًا وأحزابًا؛ كلٌّ يتْبَع واحدةً أو واحدًا منها ويتعصّب له. وتلك كانت جذور المذهبيّة في الإسلام؛ المذهبيّة التي لا ريب لدينا في أنّها تولّدت من مخاضات الصّراع على السلطة، وكانت قابلةُ توليدها علمَ الكلام.

 

على أنّ الفرق الإسلاميّة التي تبادلتِ الاتّهاماتِ والرّشقَ بمفردات الكُفر والابتداع والخروج -وهي جميعُها منشقّة- لم تكن تعبّر في جدالاتها العَقَديّة الكلاميّة عن موقفٍ دينيّ، حتّى وإن هي توسّلتْ مفردات الدّين وسخّرتْها في الجدل لِ "إفحام" الخصوم وكسب الأتباع، وإنّما هي عبّرت عن مواقف سياسيّة موارِبة. لقد كانت جميعُها خائضة في مَعَامع الصّراع على السّلطة، الذي انطلقت فصولُه منذ العقد الرّابع من القرن الهجريّ الأوّل. ولكن لمّا كانت كلّ شرعيّة سياسيّة، إبّانئدٍ، وقفًا على حيازة طالبها شرعيّةً دينيّة، كان لا مفرّ للخائضين أولاء من توسُّل الدّين للتّعبير عن الموقف السّياسيّ. هكذا أتى الجدل الكلاميّ يؤدّي وظيفته، في ذلك الحين، في تأسيس الموقف السّياسيّ والتّعالي به دينيًّا في الوقت عينه.

 

هل من دليل على مركزيّة السّياسيّ في الإسلام، إذن، أكثر من توظيف العقيدة في خدمة السّياسة والمصالح؛ توظيف المطلَق في خدمة النسبيّ؟ ماذا يفعل الأصوليّون، اليوم، أكثر من استئناف ذلك التقليد، ومعه تمديد العمل بالفُرقة والشّقاق داخل جسم الجماعة والأمّة؟!