الجمعة 22 يناير 2021
سياسة

العميد يوسف البحيري يخص " أنفاس بريس" بقراءة للتطورات الأخيرة للقضية الوطنية في هذا الحوار الهام

العميد يوسف البحيري يخص " أنفاس بريس" بقراءة للتطورات الأخيرة للقضية الوطنية في هذا الحوار الهام العميد يوسف البحيري

بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين للمسيرة الخضراء استضافت " أنفاس بريس" العميد يوسف البحيري، الخبير الدولي وأستاذ القانون الدولي بكلية الحقوق بجامعة القاضي بمراكش، حيث خصها بتقديم قراءة قانونية في القرار رقم 2548 المتعلق بتمديد ولاية البعثة الأممية لتنظيم الاستفتاء بالصحراء المغربية (المينورسو) لمدة سنة إضافية حتى 31 من أكتوبر 2021، وللتطورات الأخيرة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية والدلالات العميقة لافتتاح الدول الافريقية للقنصليات الدبلوماسية بالعيون والداخلة،  وأجرت معه هذا الحوار.

 

بمناسبة تخليد الذكرى 45 للمسيرة الخضراء، إلى أي حد استطاع المغرب الحصول على الإجماع الدولي حول مقترح الحكم الذاتي، وتحقيق الوحدة الترابية؟

يخلد الشعب المغربي كل سنة، يوم 6 نونبر ذكرى المسيرة الخضراء، في أجواء التعبئة واليقظة حول القضية الوطنية الأولى لمكونات المجتمع المغربي قضية الوحدة الترابية، كحدث تاريخي وقانوني يتطلب من الأجيال المتعاقبة واجب التأمل والتدبر في معانيها ودلالاتها العميقة واستلهام قيمها وعبرها، لمواجهة التحديات وكسب رهانات الحاضر والمستقبل في تشييد مغرب قوي متماسك، ديمقراطي وحداثي.

فالمسيرة الخضراء،  أبدعتها عبقرية المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، انطلقت فيها جماهير المتطوعين من كل فئات وشرائح المجتمع المغربي، ومن سائر ربوع الوطن في مثل هذا اليوم من سنة 1975 في اتجاه واحد صوب الأقاليم الصحراوية لتحريرها من الاحتلال الإسباني، بقوة الإيمان وبأسلوب حضاري سلمي فريد من نوعه، أظهر للعالم صمود المغاربة وعزمهم وإصرارهم على إنهاء الوجود الاستعماري.

لقد طالب المغرب بحقوقه التاريخية في الصحراء المغربية، حيث تعرضت الجارة الجزائر على هذا المطلب تحت ذريعة  حق البوليساريو في تقرير المصير. وبعدها تقدم المغرب بطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 1974 لإحالة ملف الصحراء المغربية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي الجهاز القضائي لدى الامم المتحدة ، لتبدي رأيا استشاريا في قضية النزاع المغربي الجزائري حول الصحراء المغربية. و بعد أن وافقت الجمعية العامة على الطلب المغربي، أحالته على المحكمة الدولية المذكورة و التي عقدت 27 جلسة علنية من 25 يونيو لغاية  30 يوليوز  1975.  و أعلنت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري في 16 أكتوبر 1975 في 60 صفحة ، بعد تفكير عميق و جاد تناول بالفحص و التدقيق كل حيثيات الموضوع مرفقا بالكثير من الآراء الشخصية للقضاة ،و خلاصته: فبالنسبة السؤال الأول المتعلق هل هناك علاقة تاريخية بين الاقاليم الصحراوية والمغرب: غداة استعمارها من طرف إسبانيا  والذي حددته المحكمة اعتبارا من سنة 1884 لم تكن الصحراء أرضا بلا سيدterra nulius terre sans maître لأنها كانت مأهولة بسكان على الرغم من بداوتهم كانوا منظمين سياسيا و اجتماعيا في قبائل تابعة لسلطة الدولة المغربية وأكدت المحكمة في هذا الباب وجود اتفاقيات مبرمة بين الدولة المغربية مع القبائل الصحراوية.

أما بالنسبة للسؤال الثاني حول طبيعة الروابط القانونية التي كانت تربط الاقاليم الصحراوية و المملكة المغربية، فإن المحكمة حددت روابط البيعة بين هذه القبائل الصحراوية والسلطان المغربي وأوضحت المحكمة أنها تأخذ بعين الاعتبار :1- أن المملكة المغربية لها  روابط سيادية بالصحراء نابعة من حيازة تاريخية للإقليم .
2- أنها وضعت في الحسبان الهيكلة الخاصة للدولة المغربية في تلك الحقبة التاريخية ( تعيين القادة، جباية الضرائب،...) التي قدمها المغرب كإثبات لسيادته التاريخية على الصحراء، و المعاهدات والاتفاقيات و المراسلات الدبلوماسية ) التي اعتبرها المغرب تأكيدا لاعتراف دولي من حكومات أخرى بتلك السيادة التاريخية، كما توصلت المحكمة إلى وجود علاقات تبعية ( روحية ، دينية) بين  قبائل المنطقة و السلطان المغربي.

وبالنسبة لتشبت بالمغرب بمبادئ الامم المتحدة المتعلقة بالحلول السلمية في قضية الصحراء المغربية، فلا بد  في هذا السياق من تقديم ملاحظتين  أساستين مفادهما أولا أن المغرب أكد للمجتمع الدولي بأن مقترح الحكم الذاتي، هو أقصى ما يمكن أن يقدمه في قضية الصحراء المغربية، وهذا المقترح يندرج تشبته بمبادئ الامم المتحدة المتعلقة بحفظ السلم والامن الدوليين وقناعاته بالحلول السلمية المنصوص عليها في الفصل السادس من الميثاق. الملاحظة الثانية الجديرة بالتوقف عندها هو الاجماع الدولي والموقف الوحد للدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن حول اعتبار مقترح الحكم الذاتي حل عادل لقضية الصحراء المغربية، فمجلس الأمن والدول المؤثرة في القرار الدولي يقدرون مكانة المغرب، لمكانته في هيئة الامم المتحدة كضامن للاستقرار في المنطقة ودوره الريادي في مكافحة الإرهاب واعتبار استراتيجته متوازنة في مواجهة التطرف والإرهاب، والتي تجمع بين التعاون الامني والاعتدال الديني والتنمية المستدامة على المستوى الاقتصادي، كما ان المغرب يساهم في عمليات حفظ السلام في افريقيا واسيا و اوروبا وجنود مغاربة قدموا ارواحهم دفاعا عن الشرعية الدولية ومبادئ الامم المتحدة.

 

ماهي قراءتكم للقرار رقم “2548” لتمديد ولاية البعثة الأممية لتنظيم الاستفتاء بالصحراء المغربية؟

بالفعل تم تمديد ولاية البعثة الأممية لتنظيم الاستفتاء بالصحراء المغربية (المينورسو)، لمدة سنة إضافية حتى 31 من أكتوبر 2021، وتم تبني القرار رقم “2548” الذي وافقت عليه هيئة الامم المتحدة بالأغلبية، حيث صوت 13 دولة لصالحه وامتنعت اثنتان عن التصويت روسيا وجنوب أفريقيا.

فالمستجد الأول في هذا الاقرار هو أن هيئة الامم المتحدة  تصرح بشكل جلي وواضح بأن خطة الحكم الذاتي المغربية “هي جادة وذات مصداقية وواقعية وتمثل مقاربة واقعية لحفظ السلم والامن الدوليين وتطلعات ساكنة الاقاليم الجنوبية  لإدارة شؤونهم الخاصة بسلام وكرامة”.

والمستجد الثاني هو أن القرار يعترف بأن الجزائر طرف مباشر في النزاع الاقليمي مع المغرب حول الصحراء، حيث يدعو الأطراف ومنهم الجزائر إلى “إظهار التزامهم بحل سياسي واقعي وعملي ودائم على أساس حل وسط من خلال استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة وبحسن نية”، مشددة على أنه لا يجب أن تعرقل “المواقف الراسخة طريق التقدم”.

ودعى القرار كذلك “جميع الأطراف إلى ممارسة ضبط النفس لا سيما في ضوء الأحداث الأخيرة في الكركرات والتي تشكل تهديدا للسلام والاستقرار في المنطقة والزيادة العامة في الانتهاكات التي أبرزها تقرير الأمين العام الأخير علاوة على ذلك فإن التغييرات الأحادية الجانب للوضع الراهن على الأرض لن تساعدنا في الوصول إلى حل دائم وسلمي”.

 

ماهي تداعيات المناوشات الأخيرة في معبر الكركرات؟

يتتبع الرأي العام الوطني والدولي التحرش والاستفزاز الذي يقوم به أفراد من جبهة بوليساريو، منذ أيام في منطقة الكركرات التي تبلغ مساحتها بضعة كيلومترات مربعة وتقع قرب الحدود الموريتانية، ما تسبب في قطع الطريق في وجه الحركة التجارية والمدنية نحو موريتانيا. فمخطط قيادة البوليساريو المدعومة من قبل الجزائر، هو فرض اعتصام بالخيام وسط معبر الكركرات، في خطوة تهدف إلى تكرار نفس السيناريو بالتزامن مع صدور القرار الأممي الخاص بنزاع الصحراء في 31 أكتوبر 2020 في إطار ضغط البوليساريو على المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة.

وفي هذا الصدد، طالبت بعثة المينورسو من المجموعات الانفصالية المحتجة بمغادرة المنطقة فورا، ووقف الأعمال التي من شأنها تأجيج الوضع بالمنطقة العازلة. كما أكدت بعثة المينورسو بالعيون على أن "المجموعات الانفصالية المحتجة رفضت الإنصات لتوجيهات عناصر بعثة المينورسو التي طالبتها بمغادرة المنطقة فورا، ووقف الأعمال التي من شأنها تأجيج الوضع بالمنطقة العازلة". كما نبهت بعثة المينورسو المجموعات الانفصالية المحتجة من مغبة شل حركة المدنيين الذين يتنقلون عبر المعبر الحدودي، غير أن عناصر جبهة البوليساريو واجهتهم بالتجاهل وعدم الإذعان لمطالب البعثة الأممية الخاصة بمراقبة وقف إطلاق النار. وهو ما دفع المينورسو إلى  رفع تقرير إلى الأمين العام للأمم المتحدة تشرح فيه كل الأحداث والوقائع التي حدثت بالمنطقة العازلة، مشيرة الى أن "البعثة تحاول مراقبة الوضع إلى حين صدور قرارات أممية بهذا الشأن".

وكانت جبهة البوليساريو الانفصالية قد أغلقت معبر الكركرات الحدودي الفاصل بين المغرب وموريتانيا، في خطوة تروم زعزعة استقرار المنطقة وتأجيج الوضع بعد سلسة من الانكسارات السياسية والدبلوماسية على مستوى منظمة الأمم المتحدة. هذا في حين أن العديد من التقارير الدولية تؤكد على ان البوليساريو تفرض حصارا على المدنيين وتحجزهم في معتقلات بالمخيمات بهدف منعهم من التنقل و مغادرة اماكن الاحتجاز وتمنع عنهم ابسط المستلزمات الضرورية مما يؤدي الى ارتفاع معدل الوفيات في صفوف الأطفال والنساء و  تجويع  المدنيين في تندوف.

 

ماهي الدلالات العميقة لافتتاح الدول الافريقية للقنصليات الدبلوماسية بالعيون والداخلة؟

إن افتتاح الدول الافريقية للقنصليات الدبلوماسية بالعيون والداخلة هو نتاج للبعد الاستراتيجي والسياسي والدبلوماسي للملك محمد السادس، ففي الذكرى الواحد والاربعين اتخذ الملك محمد السادس قرار القاء الخطاب بمناسبة المسيرة الخضراء  من  دكار عاصمة السنغال من قلب إفريقيا والذي  تحكمه أبعاد استراتيجية، فالمغرب اتخذ قرار تاريخي يتسم بالحكمة والموضوعية بعودته الطبيعية الى منظمة الوحدة الافريقية، قرار أملته اعتبارات جمعت بين التاريخ والجغرافية، فاختيار السنغال هي بمثابة رسالة وفاء وعرفإن للدول الافريقية المشاركة في المسيرة الخضراء عام 1975، والتي بقيت دائما متشبتة بالوحدة الترابية للمملكة وضرورة عودة المغرب لمنظمة الوحدة الافريقية، وجلالة الملك اشار في خطابه السامي بأنه "لن ينسى المغاربة الموقف التضامني الشجاع للسنغال"، فالملك محمد السادس توقف عند "البعد القاري للتعاون المغربي الافريقي مع الحفاظ على العلاقات التقليدية والموروث التاريخي التي يجمع بلدنا مع  إفريقيا".

فافتتاح القنصليات والبعثات الدبلوماسية بالعيون والداخلة "يندرج في دينامية الانخراط في  تقديم اليات جديدة للترافع عن قضية الصحراء المغربية" من منطلق مستجدات هذا الملف امام هيئة الامم المتحدة. فقبل اسابيع قامت زامبيا و إسواتينيا بافتتاح قنصليتين بمدينة العيون، ليرتفع إجمالي القنصليات بالصحراء المغربية إلى 15 قنصلية، 8 منها بمدينة العيون (كوت ديفوار، جزر القمر، الغابون، ساو تومي وبرنسيبي، جمهورية إفريقيا الوسطى وبورندي) و 7 بمدينة الداخلة (بوركينا فاسو وغينيا بيساو وغينيا الاستوائية بعد غامبيا وغينيا وجيبوتي وليبيريا) .وفي سياق متصل، قالت دولة الإمارات قبل ايام  بفتح قنصلية عامة بمدينة العيون، كأول دولة عربية تفتح قنصلية عامة بالإقاليم الجنوبية.