الأربعاء 2 ديسمبر 2020
كتاب الرأي

كريم مولاي: عن الدستور الجزائري ومهمة الجيش

كريم مولاي: عن الدستور الجزائري ومهمة الجيش كريم مولاي

بدأ العد التنازلي لإجراء الاستفتاء على أخطر تعديل دستوري يلحق بالدستور الحزائري منذ نجاح ثورته في إخراج المستعمر الفرنسي، بعد حرب دامت 130 عاما وشهد على شراستها دم الشهداء الذين تجاوز عددهم المليون ونصف.

 

خطر التعديلات الدستورية لا يكمن فقط في كونه يرسخ سلطات الرئيس الذي يختاره الشعب شكليا لكن في الحقيقة هو صنيعة المؤسسة العسكرية التي تحكم البلاد بالحديد والنار منذ الاستقلال إلى يوم الناس هذا، أقول ليس هذا هو الخطر فقط، فهذا أمر اعتاد عليه الجزائريون وطبعوا أنفسهم على قبوله، ولكن الخطر الرئيس يكمن في إشراك الشعب في تمرير دستور يتم بموجبه تحويل جيشنا الأبي من مهمته السيادية إلى ميليشيا لتنفيذ أجندات أجنبية سواء في مالي أو في صحراء المغرب أو في ليبيا أو في غيرها من الدول الإفريقية.

 

عندما انطلق حراك فبراير قبل أكثر من عام وتمكن الجزائريون من إسقاط القوانين المانعة للتظاهر، ظن كثيرون أن أيام العصابة قد أصبحت معدودة، وأن الشعب الهادر في الشارع ربما سيرهب الجيش ويضغط عليه من أجل التنحي... أما أنا الذي تجرع عن قرب لا أقول مرارة الاستبداد، فقد كنت جزءا من النظام إلى خير يوم قضيته في الجزائر، ولكن أقول عرف نفسية العصابة وتمسكها بالحكم مهما كلفها ذلك من أرواح.. فقد كنت متواضعا في رهاني على الحراك، وحذرت منذ البداية من أن العصابة خبرت الدهاء السياسي لسنوات طويلة وأنها تشبعت بدماء الجزائريين على نحو لم يعد يخيفها حجم الدماء مهما سالت...

 

تخلص العسكريون الممسكون بزمام الحكم والمهيمنون على خيرات البلاد من خصومهم في الرئاسة بطريقة بشعة، وأودعوهم سجونا طالما سكنها المعارضون لعقود طويلة.. وسخروا ماكينة الاعلام التي يمتلكونها لتشويه مسيرتهم وتحولوا بين عشية وضحاها من رموز للوطنية وحماة للسيادة إلى خونة ورموز للفساد...

 

وبينما كانت حناجر الشباب والشيخ والكهول رجالًا ونساء تهتف في مختلف ميادين المدن الجزائرية بالحرية والتداول السلمي على السلطة، وتطالب بمجلس تأسيسي على غرار التجربة التونسية، كانت أجنحة الحكم بين المرادية وثكنات العسكر يتصارعون ليس على الحكم، وإنما على الاستقواء بالحلفاء التقليديين لإقناعهم بأنهم الطرف الأقدر على حماية مصالحهم.. وجرى إنهاء عهد بوتفليقة وتنفيذ تحول لم يحقق شيئا من مطالب الحراك، الذي فهم الرسالة بسرعة وحول شعاراته إلى المطالبة بمدنية الدولة بدل عسكرتها.

 

وهكذا فرض العسكر وجهة نظره للحل وتمكن من إجراء انتخابات رئاسية شكلية وعين رئيسا لاستكمال مهمة التخلص من الخصوم السابقين في الحكم والتأسيس لمشهد سياسي جديد، جاء الدستور لترجمته ممارسة على الأرض وتمكين الحلفاء بالقانون من الاستعانة بالجيش الجزائري لإنجاز مهام في الإقليم تحت شعارات مختلفة.

 

من كان يتوقع أن الشعب الحزائري سيصمت صمت القبور على الهجوم الذي شنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعدد من رموز حكمه على الاسلام والمسلمين لولا أن السلطات الرسمية هي التي تكمم أفواه الناس وتغلق في وجوههم كل منابر التعبير الحر عن رأيهم؟

 

بل إنني واحد من الذين يعتٍدون أن إعلان الرئيس تبون عن التزامه حجرا ذاتيا بعد تأكد إصابة عدد من الموظفين بوباء كورونا بأن ذلك كان عبارة عن مبرر للهروب وعدم الوقوع في إحراج وأن لا يتم اتخاذ موقف رسمي مساند لمسلمي فرنسا في مواجهة سياسة عنصرية.

 

لكن السؤال: إذا كانت الدساتير تتم صياغتها في كل بلدان العالم لتنظيم حكم الدول أصحاب الدساتير، فلماذا تتم إضافة بند يسمح للجيش الجزائري بالعمل خارج الحدود؟

 

الصيغة الحالية الموجودة في الدستور القديم هي أن: "الجزائر تمتنع عن اللّجوء إلى الحرب لعدم المساس بالسّيادة المشروعة للشّعوب الأخرى وحرّيّتها، وتبذل جهدها لتسوية الخلافات الدّوليّة بالوسائل السّلميّة".

وتم في التعديل الدستوري إضافة الفقرة التالية: "يمكن للجزائر في إطار الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية وفي ظل الامتثال التام لمبادئها وأهدافها أن تشترك في عمليات حفظ سلام في الخارج".

 

وما المقصود بعمليات حفظ السلام؟ هل هذا البند سيسمح للجيش الجزائري بالحرب إلى جانب البوليساريو الانفصالية ضد المغرب الجار؟

 

سؤال مؤلم ومحزن بالفعل، ليس لأنّه يعبر عن الحقيقة، ولكن لأنه يضمر شرا للجزائريين قبل المغاربة والماليين والليبيين.