الجمعة 27 نوفمبر 2020
كتاب الرأي

المصطفى الفارح: موريتانيا المفتاح السحري لمسالة الصحراء

المصطفى الفارح: موريتانيا المفتاح السحري لمسالة الصحراء المصطفى الفارح
تؤكد أحداث الكركرات وترسخ الاعتقاد بأن موريتانيا هي المفتاح السحري لمسألة الصحراء المغربية وللصراع المفتعل فيها بتدبير جزائري وقوى أخرى مناهضة لحقوق المغرب لأسباب مختلفة . فهي بالنسبة للجزائر عداء دفين ناتج عن عقدة تجذر المغرب تاريخا وجغرافية وحضارة وثقافة في العالم ، في إفريقيا وفيما يصطلح عليه بالعالم العربي والإسلامي، مع ضرورة استحضار دوره العالمي عبر التاريخ .
لقد كان المغرب بالأمس ماهي عليه تركيا اليوم، وإن بشكل مختلف، يتحكم في شمال إفريقيا وفي جزء كبير من جنوب أوروبا ويبسط سيطرته على مضيق جبل طارق وفي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي ويمتد نفوذه وسلطته إلى أعماق إفريقيا .
عندما كان طريق الحرير في الشرق كان طريق الذهب في إفريقيا والمغرب . في ذاك الوقت لم تكن الجزائر موجودة وكذلك موريتانيا ودول أخرى كثيرة في الشرق والغرب . الدول العريقة تعرف نفسها ويعرفها العالم . هذا أحد أسباب عداء الجزائر للمغرب وأسباب أخرى تتمثل في محاولة فرض الذات بالنسبة لدولة ناشئة وكذلك الطموح الزائد للعب دور القوة الإقليمية ، طموح لعبت فيه الثروات الطبيعية الهائلة التي تتوفر عليها الجزائر دورا كبيرا في استقطاب بعض زعماء دول فقيرة استغلوا سذاجة نظام حكم الجزائر ليراكموا ثروات ويكدسوا الأسلحة وكل أدوات ووسائل قهر شعوبهم وتركيعها إسوة بصاحب النعمة الجزائر.
في الوقت الذي عملت فيه بعض الدول، التي حباها الله بثروات طبيعية، على تنمية وتطوير اقتصادها وتيسير سبل العيش اللائق لشعوبها ، كما هو حال بعض دول المشرق العربي، كان نظام الجزائر يستنزف ثروات بلاده سعيا خلف مجد واستعراضا لقوة من أجل تصدير ثورة زائفة ولأجل دوام نظام حكم اشتراكي عسكري، تكسر وتحطم في أول تجربة وعاشت الجزائر ما يسمى بالعشرية السوداء التي لازالت ترخي بظلالها على الحياة في الجزائر وفي المنطقة بشكل عام وأثبت نظام الحكم فشله في فهم التغيرات التي يعرفها العالم .
في هذه الأجواء المتوترة تجد موريتانيا نفسها في موقف لا تحسد عليه ، بين المغرب الأب الشرعي تاريخيا وبين الجزائر الأخت المتمردة ، وريثة ثروة وجغرافية الاستعمار ،الناكرة للحسب والنسب الحالمة بالثورة والمجد .
في الوقت الذي عمل فيه المغرب بكل الوسائل الديبلوماسية على تيسير اندماج دولة موريتانيا في المجتمع الدولي وأعلن اعترافه باستقلالها بدون أي تحفظ بالرغم من العلاقات التاريخية المتميزة وعلاقات البيعة التي ربطت " شنقيط " وشيوخها وقبائلها بالمملكة المغربية ، عملت الجزائر بكل ما أوتيت من قوة ومن إمكانيات على زرع بذور الحقد والعداء بين المغرب وموريتانيا وهي الجهود والمحاولات التي تحطمت على صخرة حكمة ووعي الشعب الموريتاني وشيوخه وحكامه بالمصير المشترك للشعبين الموريتاني والمغربي .
لم تكن إمكانيات موريتانيا تسمح لها بمواجهة جزائر مندفعة معتزة بثورتها وبثروتها وكان المغرب بالكاد ينجح في مواجهة هجوم شرس لمرتزقة محور الشر بقيادة الجزائر التي أرخت بكل ثقلها وإمكانياتها في معركة اعتبرتها مصيرية جاعلة من جبهة البوليساريو وسيلة شيطانية لابتزاز المغرب وتهديده ومساومته على نافذة على المحيط الأطلسي وجعلت من مرتزقة البوليساريو عصا ترفعها في وجه الدولة الموريتانية من أجل تركيعها وإخضاعها لإملاءاتها من أجل خلق وضع إقليمي يكرس هيمنتها . موريتانيا التي لم يكن يتجاوز عدد أفراد قواتها المسلحة ثلاثة آلاف فرد في بداية السبعينيات وهي اليوم تعتبر من الدول التي تتوفر على أسوأ جيش في العالم تكوينا وعتادا . جيش قوامه حوالي 20 ألف فرد في مختلف الأسلحة وهو نفس عدد قوات مرتزقة البوليساريو وتبقى كفة قوات هذه الأخيرة مائلة بقوة بسبب تكوينها وأسلحتها المتطورة جدا.
لقد عملت الجزائر كل ما في وسعها لضمان التفوق العسكري لمرتزقة البوليساريو على الجيش النظامي الموريتاني ووظفت كل الدهاء المخابراتي من أجل الاستفادة من تداخل وتشابك العلاقات القبلية في المنطقة بحيث اشتغلت على تغيير البنية والتركيبة البشرية لقوات البوليساريو من خلال تشجيع عناصر موريتانية على الالتحاق بالجبهة و ذلك لتحقيق هدفين استراتيجيين :
- ضمان ولاء جزء من الموريتانيين للأطروحة الجزائرية ومرتزقة البوليساريو .
- خلق أنوية عسكرية موريتانية نائمة في بيوت البوليساريو وفي الجزائر تشكل تهديدا دائما لأمن موريتانيا وأداة ضغط على حكومتها وعلى دولتها بشكل عام . في هذا الإطار تندرج الاعتداءات المسلحة التي قامت بها جبهة البوليساريو ولعل أهمها الهجوم التاريخي على نواكشوط عاصمة دولة موريتانيا والتي لولا تدخل القوات الفرنسية والقوات الجوية المغربية لكنا اليوم أمام دولة "الجمهورية الشعبية الصحراوية الموريتانية "وعاصمتها نواكشوط أو الزويرات حيث خرجت البوليساريو إلى الوجود في مؤتمر تأسيسي بتاريخ 10 ماي 1973 ، وفي نفس الإطار تجب الإشارة إلى كون دولة موريتانيا عرفت 11 فترة رئاسية بثمان انقلابات عسكرية تقف الجزائر وتهديد البوليساريو خلف أغلبها .
اختراق الجزائر ومرتزقة البوليساريو لم يقف عند هذا الحد ولا يقف عنده ، فالأراضي الموريتانية مفتوحة في وجه كل أنواع الأنشطة العسكرية والاستخباراتية للجزائر ولأفراد وجماعات مرتزقة البوليساريو سواء في علاقاتهم داخل موريتانيا أو في عبورهم إلى دول الساحل الإفريقي في علاقاتهم مع التنظيمات الإرهابية المسلحة ومع تجار المخدرات والسلاح .
إن التحركات الأخيرة لمرتزقة البوليساريو على الحدود المغربية الموريتانية وعلى الخصوص في منطقة الكركرات حيث المعبر الحدودي بين البلدين لم تكن لتتم بغير صمت الدولة الموريتانية، صمت ليس تواطئا بقدر ما هو ناتج عن العوامل المشار إليها أعلاه والمتمثلة بالأساس في الضغوط الجزائرية وفي تهديدات جبهة البوليساريو لأمن واستقرار موريتانيا ولنظام الحكم فيها .
ليست المنطقة العازلة هي التي في حاجة لحماية أممية لكنها موريتانيا رهينة البوليساريو والجزائر وعندما نطمئن على سلامة موريتانيا واستقرارها يمكننا الاطمئنان على الأمن والسلم في المنطقة . إن الجزائر تجر المغرب لمواجهة على الساحة الموريتانية ، فليتحمل الإخوة الموريتانيون مسؤولياتهم .