السبت 5 ديسمبر 2020
كتاب الرأي

دليلة الشياظمي: أي تعليم بالجامعات ومدارس المهندسين في فترة كورونا؟

دليلة الشياظمي: أي تعليم بالجامعات ومدارس المهندسين في فترة  كورونا؟ دليلة الشياظمي
دفعتنا جائحة كوفيد-19 إلى تغيير الكثير من عاداتنا. فالعديد من البلدان سارعت إلى مطالبة مواطنيها بالبقاء في بيوتهم والانتقال إلى ممارسة بعض الأنشطة عبر الإنترنت بما في ذلك التسوق، والعمل والتعليم والاستشارات الطبية، والرياضة أو الترفيه.
وفي مارس 2020، تلقى الأساتذة طلبًا مستعجلا وغير متوقع لتقديم الحصص الجامعية عن بعد، والتي كانت تجري عادة وجها لوجه. ولعل هذا الوضع يذكرنا بسنوات الحرب التي لجأت خلالها العديد من الدول على نحو متعجل أيضا إلى التعليم بالمراسلة: أستراليا عام 1914، وكندا عام 1919، ونيوزيلندا عام 1922، وفرنسا عام 1939.
ومنذ ظهور الإنترنت، طالب العديد من الأشخاص استغلال التكنولوجيا الرقمية في التعليم. وتتوفر لدى العديد من الجامعات عبر العالم خبرات و"قصص نجاح" متعددة. وهكذا، تقترح كُبريات الجامعات المرموقة تكوينات عن بعد منذ بضع سنوات عبر منصات الحصص التفاعلية مثل: زوم، وميت، وتيمز وويبكس ومنصات لأنظمة إدارة التعلم (LMS, Learning Management System) من قبيل مودل أو أغورا.
في المغرب، تزودت العديد من المؤسسات الجامعية ومدارس المهندسين بهذه التقنيات، في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، ظلت هذه التقنيات غير مستغلة بالقدر الكافي أو لم يتم استغلالها على الإطلاق، ربما بسبب عدم انخراط الأساتذة في هذه الدينامية. لكن جائحة كوفيد-19 كان لها تأثير حقيقي على تبني التكوين عن بعد. فمنذ شهر مارس 2020، أصبح التكوين عن بعد يكتسي أهمية أكثر من أي وقت مضى، وقد انخرط الكثيرون في هذه التجربة وإن لم يكونوا جميعًا على قدم المساواة، حيث كان البعض متقدمًا نظرا لاستئناسهم بالبيئة الرقمية أو اعتيادهم على استخدام هذه التقنيات.
وهؤلاء، بفضل الجهود الهامة المبذولة، نجحوا في التأقلم بسرعة مع هذا الوضع الطارئ وفي الاستفادة من الوسائل المتاحة لهم. في حين، اكتفى الآخرون بإرسال المناهج الدراسية الخاصة بحصصهم عبر البريد الإلكتروني.
ومن الضروري حتما إجراء تقييم لاحق ودقيق للتعليم عن بعد المقدم منذ الربع الثاني من العام الماضي، وإن كان هذا الوضع من وجهة نظري، قد أبرز منذ الآن الفرص الكبيرة التي توفرها بيئات التعليم عن بعد وكذلك الصعوبات المرتبطة بها. وبالفعل، ينطوي التعليم عبر الإنترنت على معرفة بالمحتوى البيداغوجي المرتبط بالتصميم والتنظيم من أجل إنجاح تجارب التعليم وخلق بيئات للتعلم متميزة وقائمة على الفضاء الرقمي. لذلك، من الضروري في هذه الأوقات الصعبة، توفير المساعدة للأساتذة الجامعيين، خاصة منهم أولئك غير المطلعون على تقنية التعليم الإلكتروني، من أجل تصميم أنشطة تعليمية ذات جودة، وأنشطة تعزز التفاعل بين الطلاب والعمل التشاركي عبر الإنترنت (المناقشة في منتدى، مشاريع في مجموعات، إلخ) وتكييف التقييم مع المتطلبات الجديدة في مجال التعلم.
ويجب أن تسترعي هذه المعاينة انتباه المسؤولين عن القطاع من أجل مواكبة المدرسين للانخراط في هذا المنظور الجديد. ويبدو لي أن أهم الجوانب تتمثل في (1) التدريب على الأدوات حتى يتمكنوا من تملكها واستخدامها على أفضل وجه؛ و(2) تزويد الأساتذة بالمعدات الضرورية (كمبيوتر، كاميرا، إلخ.) وبعرض النطاق الترددي للإنترنت الكافي؛ و(3) تحفيز الأساتذة لتشجيعهم على المساهمة في تطوير موارد بيداغوجية متنوعة (كبسولات قصيرة المدة، دروس تفاعلية، مشاريع، اختبارات معرفية، إلخ.).
علاوة على ذلك، قد يعتقد البعض أن الجيل الحالي من الطلاب والطلبة المهندسين، الذي نشأ وترعرع في زمن التكنولوجيا، يمكنه بسهولة التأقلم مع التعليم على الإنترنت. في رأيي، الأمر مخالف تماما، لأن التدريب عن بعد يتطلب بالتأكيد القدرة على استخدام أداة الكمبيوتر، ولكن أيضًا وقبل كل شيء فإنه يستلزم (من الطلاب والطلبة المهندسين) الاستقلالية، والانضباط الذاتي، والتحفيز وحسن تدبير الوقت. ومن ناحية أخرى، فإن السلطات الوصية ملزمة بضمان ظروف عمل جيدة من خلال الحرص على تزويد الطلاب مجانيا بالمعدات الضرورية (معدات الكمبيوتر وربط جيد بالإنترنت). كما يجب على الأساتذة أن يفسروا للطلبة طريقة متابعة الحصص عبر الإنترنت بشكل ملائم وإنجاز الأشغال والتمارين المطلوبة منهم.
ومع ذلك، يبقى هناك العديد من المسائل التي يجب التفكير فيها، لا سيما الأشغال التطبيقية لبعض التخصصات (الطب والكيمياء، وما إلى ذلك) التي تتطلب أدوات محددة أو أنشطة يدوية من أجل تعليم فعال.
وفي الختام، لا أعتقد أن التعليم عن بعد يمكن أن يحل، على الأقل في المستقبل القريب، مكان التعليم الحضوري. ومع ذلك، لعل الجامعات ومدارس المهندسين المغربية تستفيد من الدروس المستخلصة من هذه التجربة، وتستثمر أثناء جائحة كوفيد-19 وبعدها، في تعليم يعتمد على الصيغتين التكميليتين للتعليم الحضوري والتعليم عن بعد.
 
دليلة الشياظمي، أستاذة التعليم العالي في علوم الكمبيوتر/المعلوماتية – رئيسة فريق البحث في الأنظمة المعلوماتية وأتمتة الإنتاج (SIP) بالمدرسة المحمدية للمهندسين، جامعة محمد الخامس بالرباط