الأحد 25 يوليو 2021
فن وثقافة

أنس الملحوني : "الأندلس الآن".. النزعة التجديدية في الفكر الموسيقي للفنان نعمان لحلو (الحلقة الأخيرة)

أنس الملحوني : "الأندلس الآن".. النزعة التجديدية في الفكر الموسيقي للفنان نعمان لحلو (الحلقة الأخيرة) أنس الملحوني (يمينا) ونعمان لحلو

في قراءته المتأنية بالدراسة والتحليل والتمحيص، لألبوم "الأندلس الآن..موسيقى عمرها أكثر من 1000 سنة..رؤية جديدة للفنان نعمان الحلو"، والذي قام بتوزيعه الموسيقي الفنان كريم السلاوي، اعتبر أستاذ التربية الموسيقية أنس الملحوني أن الفنان الحلو هو أحد فرسان ومناصري الرأي "المؤمن بضرورة الحفاظ على موسيقى المؤسسين الماهدين، وإبداعاتهم المتنوعة"، إلا أن نعمان الحلو "لا يمنحها قداسة مطلقة"، على اعتبار أن التراث الموسيقي "القديم لا يموت قطعا، والجديد لا يولد من العدم".

في هذه الحلقة (4) و الأخيرة من أوراق قراءة الأستاذ أنس الملحوني في ألبوم نعمان الحلو برؤية جديدة، تتقاسم جريدة "أنفاس بريس"، مع المهتمين بالتراث الفني والموسيقي، موضوع : "كيف تعامل الفنان الحلو مع التصوير الموسيقى؟ وما هي الآلات التي استعمل في عمل "الأندلس الآن"؟ وكيف تمكن من الغناء على قرارات لم نتعودها من قبل؟ بعد أن تعرفنا في الحلقة السابقة (3) على "إشكالية اختيار النصوص الشعرية، والإيقاعات، والطبوع الموسيقية"

تصوير موسيقي وغناء على قرارات لم نتعودها من قبل

المقاربة الموسيقية لمحتوى الألبوم:

أول ما أثارني وأنا أستمع بأذن موسيقية لهذا الألبوم الغنائي "الأندلس الآن ـ موسيقى عمرها أكثر من 1000 سنة...رؤية جديدة"، هو أن صوت الفنان نعمان وأصوات المجموعة الصوتية المرافقة له تبدت لي نظرة، زاهية، ومشرقة، وكانت ترد إلى سمعي برشاقة عالية.

تفاجأت من الأمر، لأن نعمان لم يصل إلى حد الانتقال للأصوات العالية من سلم الطبع، أو نظيرتها المنخفضة لكي يــُكمل جملته اللحنية دون عناء. و قمت على سبيل الاستئناس بمقارنة تسجيلات الألبوم مع تسجيلات أعمال أخرى لنفس الصنائع، ونفس الطبوع، فكانت الفروق واضحة للعيان.

فقد قارنت صنعة "يَا وَاحِدَ العصرِ في الجَمَالِ" بصوت الفنان نعمان، ونفس الصنعة من أداء فرقة ابن باجة صحبة الأستاذ عمر المتيوي الذي توسل بأصوات الجوابات لكي يكمل الجملة اللحنية، ويعود لصوت قرار طبع الاستهلال. تسجيل آخر بصوت الفنان محمد العربي السرغيني وهو يغني صنعة "بَدائِعُ الحُسن فيه مُفترقة" من قائم ونصف نوبة الاصبهان، حيث أن صوت المنشد لم يكن بنفس البهاء الذي ظهر عليه صوت نعمان في غنائه لنفس الصنعة، والسبب يعود إلى أن نعمان قام بتغيير قرارات سلالم الطبوع التي استعملها وذلك بدون استثناء في الوصلات الخمس للألبوم، فكانت كالآتي:

أ ـ تـَحَوَّلَ قـَرار طبع رصد الديل من صوت "ضو" إلى صوت "مي" بارتفاع لمسافة ثالثة كبيرة ( بعدين)؛

ب ـ كما تحول قـَرار طبع الاصبهان من صوت "ري" إلى صوت "فا" بارتفاع لمسافة ثالثة صغيرة ( بعد ونصف البعد )؛

ت ـ أما قـَرار طبع الـرصد، فقد انتقل من صوت "ري" إلى صوت "مي" بارتفاع لمسافة ثانية كبيرة ( بعد كامل )؛

ث ـ وقد تحول قـَرار طبع الاستهلال من صوت "ضو" إلى صوت "ري" بارتفاع لمسافة ثانية كبيرة كذلك ( بعد كامل )؛

ج ـ و أخيرا قـَرار طبع رمل الماية قد تحول من صوت "ري" إلى صوت "فا"، وذلك بارتفاع لمسافة ثالثة صغيرة ( بعد ونصف البعد )؛

ومعنى ذلك، أن عملية التصوير الموسيقي تلك، مَكـَّـنـت صوت نعمان من اكتساب مساحة صوتية أعطت لحنجرته ألقًا ونـَظـَارة يستشعرها المستمع العادي والمتخصص. هي جرأة لم نتعودها من قبل، فكل الأجواق المهتمة بالموسيقى الأندلسية المغربية بقيت وفية لما وصلنا من إرث الأجداد، وغفلنا على أن قرارات الطبوع كما هي متداولة منذ قرون مضت وحتى اليوم، هي صالحة بالدرجة الأولى للأصوات النسائية التي رافقت الموسيقيين في قصور الأندلس.

الآلات الموسيقية المستعملة:

تعتبر اليوم إصدارات المكتبة الوطنية الفرنسية بتعاون مع معهد العالم العربي في شأن تسجيلات مؤتمر الموسيقى العربية الأول، المنعقد في القاهرة سنة 1932، من أثمن الوثائق الصوتية على الإطلاق، والتي تضع بين أيدينا نماذج حية للطريقة التي كانت عليها الموسيقى الأندلسية المغربية في ثلاثينيات القرن الماضي. وما يهمنا الآن هو الوقوف على التطور الجبار الذي عرفه استعمال الآلات الموسيقية.

شارك المغرب في فعاليات هذا المؤتمر بفرقة المعلم عمر الجعيدي التي استعملت الآلات التالية :

أ ـ صنف الآلات الوترية المحكوكة، وقد ضمت: آلة الرباب مع المعلم عمر الجعيدي، آلة الكمان الألطو أو ما أسموها الكمجة الواطئة مع محمد بن قدور بن غبريط، ثم آلة الكمان أو كمنجة الحسين بأنامل الفقيه محمد المطيري؛

ب ـ صنف الآلات الوترية المنقورة، وقد ضمت: آلة العود رباعي الأوتار، أو عود رمل أو عود انقلاب مع الأستاذ حبيب امبيركو، والعود الخماسي الأوتار، أوعود عشاري الذي عزف عليه بالتناوب: المعلم عثمان التازي، والمعلم محمد الدادي.

ت ـ صنف الآلات الإيقاعية، وقد ضمت آلة واحدة: آلة الطار بين يدي المعلم عبد السلام بن يوسف.

إن أجواق الموسيقى الأندلسية المغربية قد طالها التطور وتم إغناء طيف الآلات الموسيقية المستعملة عبر الكثير من التجارب الموسيقية المختلفة والمتنوعة، بل كانت مدارس قائمة الذات، كمدرسة فاس التقليدية والمجددة، مدرسة تطوان، مدرسة طنجة، مدرسة مراكش..، وهنا تجدر الإشارة إلى ثلة من الأسماء التي عملت على إدخال إضافات فنية عديدة وتركت لنا تسجيلات ووثائق اختلفت على وثيقة مؤتمر الموسيقى العربية بالقاهرة سنة 1932، ومنها أذكر، مولاي أحمد لوكيلي، عبد الكريم الرايس، عبد الصادق شقارة، العربي التمسماني، أحمد الزيتوني، مولاي عبد الله الوزاني، عمر المتيوي...، ومع هؤلاء الأعلام أمكن لنا الوقوف على تجديد كبير في شأن استعمال الآلات الموسيقية من قبيل: التشيللو، الكونترباص، القانون، الناي، البيانو، الكلارينيت، الدربوكة...

وفي هذا السياق، يأتي الفنان نعمان الحلو من خلال هذا العمل الغنائي لكي ينخرط في هاته الدينامية التجديدية على مستوى التوسل بالآلات الموسيقية المختلفة، واستغلال طابعها الصوتي المتنوع، حتى تترك أثرها على المتلقي، فنجده قد وظف العديد من الآلات الموسيقية التي أصنفها كما يلي:

صنف الآلات الوترية المحكوكة، صنف الآلات الوترية المنقورة، صنف الآلات الهوائية، صنف الآلات الإيقاعية، ثم صنف الآلات الكهربائية؛ ومن هاته الأصناف، أذكر ما يلي:

آلة القيثارة الكهربائية الباص، آلة الهارب، آلة الترمبون، آلة القيثارة الفولك، آلة الباتري، آلة القيثارة الكهربائية،آلة الطر، آلة الكلارينيت، آلة البيانو، آلة الدربوكة الأندلسية، آلة الطبل المستعمل بالزاوية المغربية، آلة القيثارة الكلاسيك.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الآلات المشار إليها أعلاه، قد تكون فعلا حقيقية أو هي عبارة عن محاكاة عالية الدقة لبرامج رقمية، أو من خلال آلة الأرغن المتعدد الأصوات.

إن هذه النزعة التجديدية في الفكر الموسيقي للفنان نعمان لحلو تجد أسسها في تكوينه الموسيقي نظريا وعمليا، وفي مشاربه الثقافية الأصيلة والمتنوعة، وفي إدراكه العميق بأهمية رسالة الفنان داخل المجتمع، دون أن نهمل بأنه امتداد صادق وأمين للكثير من الأفكار الفنية التجديدية السابقة، أذكر منها إرهاصات تجربة الأستاذ الراحل عبد الوهاب أكومي، وكذلك التجربة الرائقة للراحل عبد السلام خشان، رئيس الجوق الملكي سابقا بمعية الفنانة فاطمة الزهراء العروسي.