الأربعاء 21 أكتوبر 2020
فن وثقافة

فنانون حقيقيون عاشوا في حب الوطن، وماتوا بصمت.. ستظل وجوههم خالدة في الذاكرة!

فنانون حقيقيون عاشوا في حب الوطن، وماتوا بصمت.. ستظل وجوههم خالدة في الذاكرة!

ماتوا في صمت، في زمن الخوف والكبت، رأيناهم مرات ومرات في خضم الحياة، هم جزء منا، وجوه، صور، أصوات من أجمل الذكريات، هم أيقونات الزمن الجميل في زمن عليل، بكل ما فيه من كذب وتمثيل!

 

فجأة تساقط الكثير من ورودهم من شجرة الفن وواحة الإبداع الفطري التي كنا نستظل بها بعد كل التعب من العبث الفني التجاري المحيط أو حتى الأجنبي والعالمي منه، المفروض بقوة الإشهار والتسويق والذي لا نحسه ولا يلامس قضايانا...

 

لقد كنا وما زلنا مسكونين بهم، نبحث في كل حالة شوق للماضي عن أعمالهم القديمة في اليوتيوب أو المسجلة في صفحات الأنترنيت المقرصنة المليئة بالفيروسات بتهور العاشق، كما كنا ومازلنا نفرح بكل ما يجود به المتعاطفين في تلفزة في أوقات غير مناسبة عادة من أعمال قديمة لهم.

 

هذا الحب العذري لهؤلاء لم يأتي من فراغ، بل هو نابع من تضحياتهم فكأنه تعويض من قوة الكارما الخيرة، فأغلبهم اشتغل في الفن رغم وجود بديل أحسن ورغم كل العوائق، وغياب دعم الوطن في زمن كان الفن فيه وما زال مهمشا وقطاعا غير مهم، هم من لم يضمن اغلبهم قوت يومهم أو دواء مرضهم وكثير منهم ماتوا وفي قلبهم مرارة وحزن، لو وصلنا لبكينا دما ولربما لأصبحنا ظلاميين عدميين أكثر من شياطين الجحيم.

 

هم سيسزفيو الفن الذين لم يصلوا للخلاص الفني الذي تمنوه وهو الوصول للقمة بأعمال فنية تستحقهم ويستحقونها، لكن شرف المحاولة يكفي فهم منارات تضيء سماء الفن وتترك الكثير من المعايير الفنية التي لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها، ولو بالتطور التقني والفني الصناعي...

 

هم فنانون حقيقيون، منهم من غيب عن السينما فكفاه فيلمان أو أكثر لينافس النجوم العالميين، أو أن يتفوق حتى على نفسه وكل الظروف المحيطة الغير صالحة حتى في إخراج شيء يمكن أعتبره فنيا! منهم من تألق في دور خالف ادواره التي فرضت عليه فرضا وأثبت أنه لا يقل عن العظماء، هم فنانون الإقصاء والجفاء والنسيان، كثير منهم كان يكتب أعماله ومولها ولعبها وباع أثاث بياته لتخرج للنور، فقط حبا في الفن والجمهور، كثير منهم لم يحصل على أجره كاملا أو جزء منه في أغلب أعماله التي لعبها، وحتى لا يمد يده كان يضحي في صمت بالكثير ويتجرع المعاناة صامتا وهو يضحكنا ويمتعنا حبا فينا، رغم أننا نراه الرابح الأكبر وهو مجرد ضحية أو أضحية باسم الفن، هم الفنانون الحقيقيون ومن غيرهم إذن؟ هم كذلك رغم أنف القدر والتاريخ وكل المعايير الفنية والفن نفسه!

 

هم وجوه رغم أن أغلبها لن يخلد في السينما العالمية أو العربية، لكنها ستخلد في ذاكرتنا، أصواتها ستلامس الروح عند سماعها عند رؤية محياهم صدفة في الشاشة أو تذكر أصواتهم المجلجلة في المسرح، وحدهم كانوا يحتلون قلوبنا ويسافرون بنا لعوالم لم نكن لندركها لولاهم، فمسرحهم كان شامخا مثلهم، يكفي أن تتذكر مسرحية أو سلسلة أو فيلما لهم كنت تشاهده فستدخل البهجة والفرحة فيك كطفل رغما عنك، هؤلاء فنانون سيسكنون أرواحنا ما دمنا أحياء.

 

نعم ستحب فنانين أكثر من آخرين، لعلك تعشق بعضهم أو جلهم أو كلهم، لكن لكل منهم ذكرى جميلة في عقلك الباطن، في لاشعورك الحسي العائلي الرمضاني أو المسائي عندما تراه ستبتسم، وستتذكر قبلة أمك الميتة وضحكتها وهي تشاهده وتعطيك الحلوى وهي سعيدة بسماع ذلك الفنان أو الفنانة، نعم كانوا يضحكون ويمتعون ويبدعون فيأثرون في أمك وجدتك وأبناء حيك وكل الأحبة الذي اختفوا أو ماتوا أو ابتعدت عنهم مرغما.

 

نعم كانوا هم من ينسي أمك تعب كل يومها بسبب أعمال البيت الشاقة أو أبيك عندما يعود من عمله الشاق وهو كئيب فيمنحونه حبوب الحب الفني لكي يستمر في فيما هو فيه، هم نوستالجيا روحية لأجمل حالة وجدانية تربط شخصا بفنان ما حتى ولو خرج هذا الفنان عن النص أحيانا وكان عمله لا يرقى للمقاييس العالمية أحيانا التي لم يحصل منها وبسببها غير على نقد ظالم كأنه مخرج أو ومنتج العمل أو كاتبه، نعم أنت تحبه رغما عنك حتى لو كنت كرهت العمل الذي قدمه حينذاك، إنه حب معقد لا يمكنك فهمه فهو منك وفيك، كحبك لوطن عاق لم يكن كما تحب، لكنه يعيش فيك وأنت ستعيش به حتى الموت، كما مات الفنانون الحقيقيون قبلك في صمت كأنهم لم يكنوا لكنهم لم ولن يموتوا مجانا فذكراهم وحبهم ستسكنك حتى الموت رغما عن الجاحدين، ذلك لأنهم أحبوا هذا الوطن ...!