الثلاثاء 27 أكتوبر 2020
كتاب الرأي

 عائشة واسمين: في أفق انفراج الأزمة الليبية.. الحوار الليبي-الليبي وبناء جسور الثقة

 
 عائشة واسمين: في أفق انفراج الأزمة الليبية.. الحوار الليبي-الليبي وبناء جسور الثقة عائشة واسمين
ما يميز لقاء بوزنيقة عن المؤتمرات الدولية السابقة التي انعقدت في عواصم عربية وأوروبية وبحضور دول إقليمية ودولية والتي كان صوت الدول المتدخلة في الشأن الليبي -مستضيفة أو حاضرة- يسمع أكثر من أصوات أطراف النزاع الليبي. ربما هذا هو الفرق مع لقاء بوزنيقة الذي يجمع فقط الأطراف الليبية التي ستناقش خلافاتها وتسمع بعضها البعض دون تدخل خارجي مؤثر سلبا في التقارب والحوار. كما أن هذا اللقاء يمكن أن يؤسس لأرضية توافقية ينطلق منها الليبيون وحدهم في اختيار السبل لتقريب وجهات نظرهم ولتذليل كل العقبات التي تعترض طريق السلام والحوار بينهم، وبعيدا عن صراعات القوى الإقليمية أو الدولية التي تهتم فقط بالظفر بموقع استراتيجي في ليبيا من خلال دعم أحد أطراف النزاع الليبي، يمكن لليبيا أن تنهض من جديد وتمارس سيادتها على كامل ترابها. 
هكذا، بعد انتظار طويل شيئا ما، جاء التحرك الدبلوماسي المغربي في اتجاهه الصحيح ليمد طوق النجاة مرة أخرى للأطراف الليبية المتنازعة ولكي يوفر لها شروطا موضوعية لإطلاق حوار ليبي-ليبي بعيدا عن أي تدخل إقليمي أو دولي من شأنه التأثير سلبا على فرص الخروج من الأزمة المتواصلة في ليبيا.
ليبيا التي تتقاسم الكثير من العناصر مع محيطها المغاربي، إن كان مستوى الجغرافيا الممتدة في شمال إفريقيا أو التاريخ المشترك أو الامتداد الديمغرافي واللغوي والديني الذي يوحد طبيعيا شعوب المنطقة، فهي في حاجة أكثر إلى من يفهم معاناة الليبيين وطريقة تفكيرهم ومن يساعدهم على تقريب وجهات نظرهم حول المسائل الخلافية حتى يتمكنوا من حلها والحفاظ على وحدة البلد. ربما كان مأمولا من زمن أن يكون حل الأزمة الليبية عبر وساطة مغاربية صرفة، لكن أجواء عدم الاستقرار التي ظلت حاضرة في المنطقة بعد ثورات 2011 خاصة في تونس التي احتضنت اجتماعات بعثة الأمم المتحدة في ليبيا وجمود الوضع السياسي في الجزائر ولا سيما في فترة الحراك الشعبي 2019، حالت دون القيام بوساطة فعالة ومؤثرة تمكن على الأقل من احتواء الأزمة الليبية. 
إن الجهود التي تقوم بها الدبلوماسية المغربية حاليا لمد جسور بناء الثقة بين أطراف النزاع الليبية، وذلك من خلال خلق أجواء مناسبة لإطلاق حوار مباشر بينهم، تدل على أن المغرب سيفسح مرة أخرى المجال لنقاش نقاط الخلاف -التي ظلت عالقة ومصحوبة بالتوتر والعنف- حول بعض بنود اتفاق الصخيرات الذي تم التوصل إليه بتاريخ 17 ديسمبر 2015 والذي أنهى مؤقتا نزاعا مسلحا اندلع في صيف 2014. هذا الاتفاق -المعترف به من طرف الأمم المتحدة- شكل آنذاك -في نفس الوقت- بداية لحل الازمة الليبية من خلال التمكين من إرساء مؤسسات الدولة وتتجسد في حكومة الوفاق ومجلس الدولة ومجلس النواب، وسببا فيما بعد -نتيجة غياب إجماع حوله- لاستمرار النزاع والقتال بين مختلف الأطراف الليبية. لكن ظل جوهر الخلاف بين الفرقاء الليبيين قائما حول المناصب السيادية التي تضمنتها المادة 15 من اتفاق الصخيرات، وفي حال تم حل هذا الاشكال، -في لقاء بوزنيقة- فهل يستطيع الليبيون التغلب على كل الصعوبات ويخرجون بخارطة طريق واضحة المعالم يتفقون من خلالها على وضع أسس دولة مدنية تسع كل الليبيين دون أي تدخل خارجي من شأنه عرقلة الجهود الليبية الساعية إلى توحيد قوات الأمن وحل الميلشيات المسلحة وتوحيد المؤسسات ولاسيما قيام برلمان واحد وبنك مركزي واحد.
وعلى ما يبدو فإن ليبيا عانت كثيرا من التدخلات الخارجية التي زادت من تأجيج الصراع بحيث بدل مساعدة أطراف النزاع على إنهائه، نجد الأطراف الخارجية تعمل على دعم الطرف الذي تعتقد أنه يخدم مصالحها. هكذا حظيت قوات خليفة حفتر المتمركزة في شرق ليبيا بدعم من أطراف خارجية عربية (مثل مصر والامارات)، في حين نالت حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج والتي تستمد شرعيتها من اتفاق الصخيرات دعما من أطراف عربية وإقليمية (مثل قطر وتركيا). لابد من الإشارة هنا إلى الأدوار المزدوجة لبعض الدول الأكثر حضورا على الساحة الليبية كفرنسا التي تؤيد كل الأطراف المتنازعة وتحاول الجمع بينها وفقا لما يخدم مصالحها القومية. لكن دخول تركيا على مسرح الأحداث في ليبيا ووقوفها إلى جانب حكومة الوفاق، كشف أوراق دعم فرنسا لحفتر الذي لم تعد قواته في موقع مريح نتيجة اختلال التوازن العسكري على أرض الواقع لحساب خصومه. كما زاد من حدة الصراع في شرق المتوسط الإبقاء على الوضع في ليبيا كما هو إلى حين توصل الأطراف الخارجية على اتفاق يضمن مصالحها ومواقعها وكذا الاستفادة من ثرواتها النفطية والغازية المكتشفة حديثا في شرق المتوسط. زد على ذلك الدور الروسي الداعم لحفتر في شرق ليبيا ولا سيما على الساحل المتوسطي، كما لا ننسى دور إيطاليا القوة المستعمرة سابقا لليبيا، فهي تبحث أيضا عن الحفاظ على مصالحها وتدعم حكومة الوفاق، الشيء الذي جعلها تتعارض ومساعي فرنسا في ليبيا بالرغم من وجودهما ضمن الاتحاد الأوروبي، وذلك نتيجة تقاطع مصالحهما من خلال الحضور الطاغي لشركاتهم النفطية في ليبيا. 
استنادا إلى ما تقدم، شكلت ليبيا أرضية خصبة لتنامي مجموعة من النزاعات دولية وغير دولية، تتسابق القوى -محلية وإقليمية ودولية- من آجل الظفر بمواقع سيادية واستراتيجية في ليبيا، غير مبالية بحجم ونوع الوسائل المستعملة من أجل تحقيق أهدافها. من هنا اتخذ الصراع الدائر في ليبيا أشكالا متعددة فهو يتأرجح بين صراع دولي-إقليمي إلى صراع عربي-عربي لدرجة أن الصراع الداخلي الليبي حول امتلاك السلطة أصبح يدور في فلك سياسات القوى الإقليمية والدولية. ومع ذلك يمكن أن نرصد بعض ملامح النزاع الليبي-الليبي من خلال مرحلتين مهمتين. تميزت المرحلة الأولى بعد نجاح ثورة 17 فبراير 2011 بإمكانية التغيير الإيجابي على مستوى القيادة والتمكن من ولوج عالم الديمقراطية وحقوق الإنسان. ومع تشكيل المجلس الوطني الانتقالي المؤقت وتبنيه وثيقة دستورية سلم بمقتضاها السلطة إلى المؤتمر الوطني العام الذي تم انتخابه سنة 2012، ساد الاعتقاد آنذاك أن الانتقال السلمي للسلطة سيؤثث البيت السياسي الليبي وأن ليبيا ستدخل مرحلة جديدة من الديمقراطية وتداول السلطة والسلم والسلام. لكن لم يحدث شيئا من هذا القبيل، إذ بعد سنتين -أي في صيف 2014- أسفرت انتخابات مجلس النواب على نتائج لصالح التيارات المدنية الليبرالية على حساب التيارات الإسلامية، الشيء الذي دفع هذه الأخيرة بالتمسك بالمؤتمر الوطني العام الجديد واللجوء إلى المحكمة العليا للطعن في نتيجة الانتخابات. إذن هذا التغيير الذي حدث في تشكيلة مجلس النواب الذي انتقلت أغلبيته من الإسلام السياسي إلى الليبرالي المستقل، لم يتم تقبله من طرف عدد كبير من نواب المؤتمر المنتهي الذين لم يعترفوا بشرعية مجلس النواب الجديد وفضلوا الاستمرار ضمن المؤتمر الوطني الليبي الجديد. بتعبير آخر، يمكن القول أن نتائج الانتخابات التي جرت في يونيو 2014 كانت بمثابة الشرارة التي أدت إلى اندلاع موجة من العنف بين التيارين المدني الليبرالي من جهة والإسلام السياسي من جهة ثانية. ونتيجة عدم الاستقرار وتزايد حجم العمليات المسلحة التي استهدفت مطار طرابلس الدولي واندلاع العنف في بنغازي، اختار مجلس النواب المنتخب طبرق كمقر له واتخذت الحكومة الليبية المؤقتة المنبثقة عنه من مدينة البيضاء في شرق ليبيا مقرا لها، في حين ظل المؤتمر الوطني العام الجديد كمجلس نواب في طرابلس. إذن احتدم الصراع حول الشرعية البرلمانية وأدى انقسام المؤسسة البرلمانية إلى اتساع الهوة بين الفاعلين الليبيين وقدم صورة تتقاطع فيها الصراعات الليبية من جهة بين ثوار فبراير 2011 وبقايا فلول النظام السابق، ومن جهة ثانية بين الإسلام السياسي المشكل من الجماعات السياسية ذات مرجعيات إسلامية معتدلة أو متشددة وبين التيارات المدنية الليبرالية. ومنذ 2014، انطلقت المبادرات الدولية التي اتسمت في مجملها بعدم القدرة على إعادة السلم والسلام إلى ليبيا.
إجمالا، يتمتع المغرب بعلاقات خاصة مع ليبيا ومع كل الأطراف المتنازعة على أساس الاحترام وعدم التدخل في الشأن الليبي مقارنة مع الفاعلين الإقليميين الآخرين الذين استنفذوا كل أوراقهم في حل الملف الليبي. ربما سيسجل التاريخ أن ما تم الاتفاق عليه في الصخيرات سنة 2015، تم تصحيحه وتعزيزه أكثر في لقاء بوزنيقة 2020.
ولعل الحوار الليبي-الليبي الذي تحتضنه مدينة بوزنيقة سيحمل بشائر خير لآهل ليبيا بأن زمن النزاعات المتواصلة سينتهي وسيحل زمن  السلام الليبي الذي سيعمل من أجل الحفاظ على وحدة ليبيا وإبعاد كل سيناريوهات التقسيم. سيدخل الليبيون مرحلة جديدة تسودها دولة المؤسسات والقانون والحق. والأكثر من ذلك سيصحح الليبيون نظرة العالم المختزلة إليهم -وكما قال علي عبد اللطيف احميده، في كتابه «ليبيا التي لا نعرفها»- أن «ثورة 17 فبراير 2011 لم تأت من فراغ بل كانت نتاج تراكم ميراث احتجاجي مقاوم من أجل تبلور الدولة المدنية والديمقراطية المؤجلة والتي تحترم وتحمي حقوق الإنسان والمواطنة والعيش الكريم وشرعية الاختلاف وحماية القانون والمؤسسات».
                                                            عائشة واسمين، أستاذة القانون الدولي بجامعة محمد الخامس الرباط