الجمعة 23 إبريل 2021
فن وثقافة

نفحات من "سيرة" الراحل الفنان عبد الجبار الوزير

نفحات من "سيرة" الراحل الفنان عبد الجبار الوزير الراحل الفنان عبد الجبار الوزير
 لم يكن عبد الجبارالوزير  ولقبه الحقيقي "بلوزير " الذي غادرنا الى دار البقاء عن عمر 92 سنة، يعلم أن عمره  سيكون أطول من عمر جلاديه، حين تم اعتقاله عدة مرات ضمن خلية حمان الفطواكي و الحكم عليه بالإعدام، عند انخراطه في صفوف المقاومة الوطنية، وهو في سجن لعلو بالرباط، تعلم أصول  الكتابة والقراءة على يد مقاومين آخرين شاركوه نفس الزنزانة، ومن داخل هذا العالم الضيق تعلم الصبر والتضحية... و بعد استقلال المغرب سيلتحق بصفوف القوات المساعدة، هذه المهنة التي لم تكن لتستهويه في يوم من الأيام، وهو الذي قضى سنوات وراء القضبان، خبر معنى الحرية؛ إذ سرعان ما غادر هذه الوظيفة المخزنية، التي لم يقض بها  سوى أربع سنوات، ليقرر بعدها  الانطلاق  صوب عشقه الأول والأخير، ألا وهو المسرح. ويعتبر الفقيد عبد الجبار الوزير شيخ الممثلين الكوميديين  والفنانين المغاربة والمراكشيين بالخصوص، وهو من جيل الرواد  أمثال :محمد بلقاس وعبد السلام الشرايبي والمهدي الأزدي وكبور الركيك و الشحيمة... 
عبد الجبار الوزير.. آخر العنقود
انطلقت  المسيرة الفنية لآخر عنقود الممثلين المراكشيين ومن جيل الثلاثينيات عبد الجبار الوزير بمشاركته في مسرحية " الفاطمي والضاوية " سنة 1951 رفقة رفيق دربه الراحل الفنان محمد بلقاس، اللذان  كانا يشكلان ثنائيا فكاهيا لعدة سنوات، وبعد ذلك مسرحيات " غلطة أم " و" الشلح العساس " و" أولاد جامع الفنا " و" الموسيقار المجنون "، وكانت جل المسرحيات التي شارك فيها من إبداع فرقة الوفاء المراكشية ، أشهرها كانت من توقيع المخرج والمؤلف المسرحي الراحل عبد السلام الشرايبي ، منها مسرحية  " الحراز " و" سيدي قدور العلمي " و" مكسور الجناح " و" لبس قدك يواتيك". بعدها ستُشرع له شاشات السينما من خلال مشاركته في العديد من الأعمال الفنية، من بينها تجربته  السينمائية الفتية  في الفيلم الشهير " لورانس العرب " سنة  1962 الذي صور جزئ منه بالمغرب ، وبعده سيشارك الوزير في الفيلم المغربي " عندما تنضج الثمار "  سنة 968 ، للمخرجين العربي بناني وعبد العزيز الرمضاني، شارك فيه إلى جانب ثلة من كبار الممثلين كحمادي التونسي و حبيبة المذكوري والعربي الدغمي ومحمد بلقاس وعبد الرزاق حكم،  أما بدايته الرسمية للسينما المغربية فكانت بفيلم روائي طويل من إنتاج المركز السينمائي المغربي،  وهو " الحياة كفاح "  سنة 1968 لمحمد التازي بن عبد الواحد والراحل أحمد المسناوي...  كما شارك عبد الجبار في الفيلم القصير " البراق "من إخراج مجيد أرشيش سنة 1973 ،  كما سجل حضورا شرفيا في  العدد من الأفلام المغربية منها " حلاق درب الفقراء " للراحل محمد الركاب و" فرسان المجد" لسهيل بنبركة و " عبدو عند الموحدين " لسعيد الناصري و " الثلج في مراكش " و " عقاب "  للمخرج المراكشي هشام عين الحياة سنة  2008 ، أما عن أشهر أعماله التلفزيونية فنذكر فيلم " ولد مو " من إخراج داوود أولاد السيد وبطولة عبد الله فركوس، بعدها سيتكوم " دار الورثة " من إخراج هشام الجباري ... وهو سيتكوم عُرض في موسمين بمناسبة شهر رمضان ولقي نجاحا كبيرا، أما ما ألفه عبد الجبار الوزير فنذكر  " دردبة عند الغشيم " و " عطيل بين الحلقة و الأوطيل " بالإضافة إلى المسلسل الإذاعي " كنوز الفضايل "... هكذا أعطى الرجل العصامي كل هذا الزخم من الأعمال الفنية لوطنه.
 عبد الجبار الوزير..خريج مدينة البهجة
 وفي محاولة للنبش في مسيرة هذا الهرم المسرحي الذي فقدته الساحة الفنية في ظروف استتنائية، سنجد أن عبد الجبار الوزير التحق بأول  فرقة مسرحية  في مشواره الفني، و هي فرقة الأطلس  الشعبية المراكشية، بداية سنة 1948، وكان لها مقر بحومة القصور بالمدينة القديمة، حيث لعب  فيها عدة أدوارا ثانوية إلى جانب مولاي عبد الواحد العلوي رئيس الفرقة، في مسرحية " الفاطمي والضاوية " سنة 1954 بسينما مبروكة بمراكش، إذ سيتم اعتقال جميع أفراد الفرقة من طرف شرطة  الاستعمار الفرنسي والتحقيق معهم؛ أما بالنسبة لأول لقاءه له مع محمد بلقاس فكان في بداية سنة 1956 ، بعد خروجه من السجن وعودة إلى مراكش، وبعد عامين  سيؤسسان معا فرقة الوفاء المراكشية ليلتحق بهم فنانون آخرون سنة 1958؛... وتلك بداية لمنعرجات فنية  ستقود عبد الجبار إلى عالم الشهرة من أبوابها الواسعة وطنيا ؛ وكانت لعبد الجبار الوزير  علاقات مهمة مع جميع الفنانين و الموسيقيين منهم: عبد الله عصامي، مولاي الغالي،  العباسي حسن،  وغيرهم، دون أن ننسى  حميد الزاهير  الذي سيغير إسمه لاحقا، من ولد الحاجة إلى  الزاهير، استجابة لطلب عبد الجبار الوزير في مسرحية شاركه فيها الفنان حميد الزاهير..... 
أما المدرسة الفنية التي تخرج منها، فكانت مدينة سبعة رجال، أو البهجة،  كما يحلو له تسميتها،  بساحاتها ودروبها ، بل هي المسرح كله بالنسبة له؛ أما عن  ظروف تحوله من الرياضة إلى المسرح، بعد أن كان حارس مرمى في  فريق الكوكب المراكشي للفتيان  سنة 1947، بجمهور الخاص، فلأنه أثار انتباه أحد المسرحيين آنذاك وهو المرحوم مولاي عبد الواحد علوي الحسيني، الذي استقطبه إلى عالم الخشبة والمسرح،  بعد أن لقنه مبادئه الأولى، ومن جميل الطرائف أن عبد الجبار كان جاهلا بعالم إسمه المسرح، حيث دعاه  الحسيني  إلى الانضمام فيلق المسرحيين، فكانت تلك البدايات  الحقيقية الأولى نحو عالم الخشبة الذي جذبه بشكل شيطاني منذ سنة 1948...، وعبد الجبار الوزير  كان رجلا متدينا ومحافظا و محبوبا عند الجميع، ربى أبناءه على حب الوطن ، مؤمن بالرسالة الفنية التي  يحملها، معتبرا نفسه ضيفا على كل الأسر المغربية، حنى وفاته عشية يوم الأربعاء 2 شتنبر 2020  بعد معاناة مع مرض السكري.