السبت 27 فبراير 2021
فن وثقافة

ضيف مدارات.. الشاعر عزيز الحاكم الذي ألهمته فاس كره المطر وعشق زرقة السماء

ضيف مدارات.. الشاعر عزيز الحاكم الذي ألهمته فاس كره المطر وعشق زرقة السماء عزيز الحاكم (يمينا) وعبد الإله التهاني (يسارا)

تابعت جريدة "أنفاس بريس" مع المستمعين حلقة جديدة من برنامج "مدارات" الذي يعده ويقدمه الزميل عبد الإله التهاني على أمواج الإذاعة الوطنية من الرباط، ليلة الثلاثاء 1 شتنبر 2020، حيث استضاف الكاتب والشاعر المغربي عزيز الحاكم، الذي استعرض تجربته الإبداعية بتعبيراتها المتنوعة، و خاصة كتاباته في مجالات الشعر، والمسرح وأدب الترحال، وتأليف السيناريو السينمائي، فضلا عن حديثه عن تجربته في إنتاج الفيلم الوثائقي ، وتأملاته النقدية.

ضيف "مدارات" ابن مدينة فاس، الكاتب والشاعر عزيز الحاكم، تطرق في هذه الحلقة من حوار في الثقافة والمجتمع، موضوع التربية الجمالية ،ودورها في تهذيب الذوق الجماعي. و إبداعاته في مجال العروض الكوريغرافية.

 

في تقديم الكاتب والشاعر عزيز الحاكم

 

من شرفة مدارات، أطل الزميل عبد الإله التهاني في جلسة جديدة من جلسات الفكر والإبداع لمواكبة المشهد الثقافي ليقدم للمستمعين متتبعي البرنامج الثقافي وجها "أليفا في الساحة الأدبية والفكرية، الكاتب والشاعر عزيز الحاكم المتعدد المواهب.." حيث وصفه التهاني قائلا:"جذبته الفلسفة مبكرا، وعرف بشغفه بالشعر وتعلقه بالمسرح والسينما، وكتاباته وتأملاته ونظراته النقدية فضلا عن عشقه للرقص التعبيري"

 

و قبل مباشرة حوار الثقافة مع ضيف "مدارات" قدم التهاني بعض إصداراته الشعرية مثل ديوان "عطر الذاكرة" و "مقعدين حلمين" و "الشمال الأخير" و "أفتح النافذة فلا أسقط" بالإضافة إلى إصداراته النثرية "المنطوق والمنظور في المسرح المغربي.." و "جرمانيا" و "منازل الرؤيا"..علاوة عن مؤلفات جديدة جاهزة للطبع مثل "تراجيديا المشاهير، حين يسقط نجوم السينما". بالإضافة إلى مساهماته في عدة كتب بتأليف جماعي ورصيد غزير من المقالات.

 

الاقتراب من النبع الأول في ظلال مدينة فاس

 

"فاس، لا بد أن توحي لك بأشياء كثيرة من خلال فضاءاتها المعمارية، أصلا هي المدينة القديمة العتيقة، بنيت خلال القرن 12" يقول الضيف موضحا بأن أول تماس في طفولته بدأ بـ" استلهام داهمني في سن مبكرة وأنا أتابع دراستي بقسم المتوسط الأول بمدرسة محمد القري، التي كانت عبارة عن دار تقليدية مشيدة على الطراز والمعمار الأندلسي تتوفر على حديقة وأغراس وشجر الصفصاف". ويصف اللحظة كونه "تتبع قطرات المطر تتسرب من شجرة تلك الدوحة..و انتابني كثير من الحزن والارتعاش. لحظة فيها كثير من الكآبة...لأنني أكره المطر. في الشتاء أصاب بالحزن..و أقفل النوافذ"

 

وأوضح الكاتب والشاعر عزيز الحاكم في حديثه عن طفولته قائلا:"أعشق الزرقة، لأنها توحي بالإنفتاح". وعن بدايات الكتابة الشعرية قال "كنت أكتب الزجل بالدارجة، تزامنا مع تجربة مجموعة ناس الغيوان. و كتبت أشعارا غيوانية. وأسسنا مجموعة غيوانية وغنينا مقتطفات من كتاباتي الغيوانية...لقد راكمت ما يقارب 200 قصيدة زجلية.."

 

أول تماس مع الإبداع للكاتب والشاعر عزيز الحاكم

 

"كان لك نزوعا حول المسرح و اشتغلت مع عدة فرق مسرحية، كفرقة التوحيد المسرحي، ومسرح الأقنعة، والمسرح الجماعي حدثنا عن شغفك بالمسرح " يقول الزميل التهاني

 

"كنت في أول الأمر ألعب كرة القدم، والتحقت بمدرسة المغرب الفاسي سنة 1971/1972 في أوج الفريق.. وبالصدفة وجدتني في نادي الطفولة نمارس كرة القدم ونمثل في نفس الوقت، وكنا في لحظات معينة نشخص أدوارا من وحي القضية الفلسطينية". لذلك يعتبر عزيز الحاكم أن "المسرح هو توأم للرياضة..لأن في كرة القدم نقدم الفرجة بالقدمين أما في المسرح فالفرجة بكامل الجسد.. كنت أحاول أن أزاوج بين الكرة والتمثيل"

وعن انضمامه للفرق المسرحية قال: "التحقت بفرقة اللواء المسرحي، وتعرفت آنذاك على محمد الكغاط، وعزيز صابر...قدمنا أعمالا مسرحية ذات طابع احترافي قبل الأوان، مثل (ألف ليلة وليلة، و موكب السعيان..) وكانت فعلا أعمالا مشرفة ". وأضاف الحاكم موضحا "هكذا وجدتني أتخلى من دون أن أشعر عن التعبير بالقدمين إلى التعبير بالجسد"

 

مكانة الشعر في تجربة الكاتب والشاعر

 

"بدأت بكتابة الزجل، لأن الملحون كان هو لسان المبدعين الحرفيين والصناع، والملحون فيه كثير من الإبداع والفصاحة.. وأول ما نشرت سنة 1975 في جريدة العلم، قصيدة شعرية بالعربية الفصحى كانت عبارة عن أغنية أهديتها لـ "نيلسون مانديلا"..وأكد على أن "الهاجس الشعري ينتزعني من حين لآخر، واعتبر الشعر أقدس تعبير يجمع بين الفكر والأدب"

 

حديث في الترجمة

 

أوضح الكاتب عزيز الحاكم بأن "علاقتي بالترجمة انبثقت بعلاقتي باللغات، وأنا أبلغ من العمر 17 سنة كنت مرشدا سياحيا غير رسمي. كنت أصادف مجموعة من السياح وأنا أزاوج بين التحصيل الدراسي والبحث عن مورد الرزق. وهذه المرحلة أساسية لأنها تزامنت مع الظاهرة (الهيبية) بعد انتفاضة سنة 1968 بفرنسا، حيث شهد المغرب وخصوصا مدن (فاس ومراكش والصويرة) هجرة جماعية للشباب الذي أصبح يبحث عن فضاءات وعوالم أخرى تجمع فيها المفكرون والفلاسفة والموسيقيون".وكانت المناسبة أنه وجد نفسه "كنت أحاور بكل اللغات".

وعن الترجمة قال " أغرتني الروايات العاطفية المصورة بالترجمة"، والترجمة بدأت عندي "لعبة قبل أن تصبح مهنة". وجدت نفسي "أحاور مجموعة من اللغات، وأدمن على مشاهدة الأفلام اليابانية وأتحاشى النظر للترجمة المكتوبة"، وأكد عزيز الحاكم بأن اللغة اليابانية  "لغة عجيبة، فيها أصوات مرتبطة بوجود قلق في المجتمع الياباني"

 

بالنسبة للكاتب خير الدين استهواني،قال عزيز الحاكم " لقد قدم نصوصا عجيبة، لم تقرأ، ولم تترجم، أنا ترجمة "أكادير" وهو نص يجب أن يقرأ باللغة العربية... نصوص خير الدين وجدتها صعبة وشاقة"

 

 عزيز الحاكم وارتباطه الحميمي بالمسرح

 

كتاب "المنطوق والمنظور" هو تجميع للعديد من المقاربات النقدية، و الكتابات والشهادات في حق كتاب مسرحيين، حيث "كنت أتعامل مع القسم الثقافي بجريدة العلم سنة 1977، وأتابع و أكتب عن كل العروض المسرحية في تلك الفترة، وكانت لي أيضا مواكبات صحفية في نفس الاتجاه بجريدتي المحرر وأنوال ومجلات أخرى كمجلة السؤال".

في نفس السياق قال الكاتب والشاعر عزيز الحاكم "مؤخرا حاولت أن أنتقي أهم المقاربات وبدأت من تجربة مسرح اليوم (ثريا جبران وعزري وبسطاوي..) ثم مسرح نبيل لحلو حيث سأحاول نشر كتاب في طبعة ورقية..". وعن علاقته الحميمية بالمسرح قال "كنت أمثل وأؤلف وأقوم بالإخراج...".

 وعن ممارسته للنقد أوضح ضيف مدارات قائلا: "أنا لست ناقدا محترفا، أنا متذوق لبعض العروض، أتقاسم المتعة مع القارئ بدون تخمة تنظيرية أو تبجح نقدي"

 

كتابة السيناريو، و تعدد التعبيرات الإبداعية عند عزيز الحاكم

 

عن تحوله لكتابة السيناريو أجاب ضيف الزميل عبد الإله التهاني قائلا: "هو ليس تحولا، هو امتداد للمسرح والسينما، وكتابة السيناريو من الحقول المجاورة لبعضها البعض، فعلا كانت البداية بالمسرح، لكن كنا نذهب لمشاهدة الأفلام مرتين في الأسبوع لأنني تربيت في حي محاط بخمسة قاعات للسينما". وفي هذا السياق بشر عزيز الحاكم المستمعين وعشاق السينما بأنه "رغم تعرض قاعات السينما للإنقراض بفاس، فقاعة سينما بوجلود ستسترجع وتستعيد أمجادها في القادم من الأيام"

 

واستطرد متحدثا عن زمن الثقافة السينمائية في فاس قائلا:" كنا نجد أنفسنا أمام ملصق فيلم، وكانت كل الأفلام جيدة، أفلام نستمتع بقصصها، وتمدنا بالمعرفة وثقافة الصورة البصرية والحركة" ، لذلك يؤكد عزيز الحاكم على أن "الانتقال لكتابة السيناريو ليس وليد اليوم، لقد كنا نتنافس على مشاهدة أكبر عدد من الأفلام...ودفعنا ذلك إلى محاولة كتابة السيناريو سنة 1970 (أول سينارية كتبنا عن فيلم كوابي)".

 

وأشار في حديثه عن الثقافة السينمائية في زمن رئاسة الأستاذ نور الدين الصايل لجامعة الأندية السينمائية بالمغرب "حقيقة أن النادي السينمائي لعب دورا كبيرا في ثقافتنا السينمائية خلال فترة الثمانينات، و استقطب النادي السينمائي 1400 منخرطا..كنا نعرض الأفلام ونناقشها حصتين في الأسبوع (يومي الخميس والأحد)"

 

الاهتمام بجماليات الرقص التعبيري الجسدي

 

 تحدث ضيف حلقة مدارات في هذا المحور قائلا: "سأعود للحديث عن كرة القدم" لأن عزيز الحاكم كان لاعبا "مشهورا في كرة القدم، كنت أزوق في اللعب، لا يهمني أن أصل إلى المرمى، لأن الكرة تعبير جسدي فني رائع"، واستشهد بعدة أسماء عالمية في فن كرة القدم بالقول"إنهم يرقصون، والكرة ما هي إلا أكسيسوارا". من هنا يضيف الحاكم " وجدت نفسي في محترف الرقص التعبيري سنة 1973".

لقد اشتغل الكاتب والشاعر عزيز الحاكم حسب قوله "بشكل تعبيري، وقدمت أعمالا مسرحية تعبيرية جسدية، وحولت قصيدة شعرية إلى مشاهد كوريغرافية. و كذلك بالنسبة لنص شعري زجلي لحسن الشيكي بإمكانيات ضوئية وصوتية..لقد وجد " أن الرقص أبلغ من الحوار" هكذا فكر الحاكم " أن يتخصص في الكوريغرافية....وممارسة الرقص بمنظور ثقافي راقي".

 

فاس، ملهمة الكاتب والشاعر عزيز الحاكم

 

ولد وترعرع ونشأ عزيز الحاكم في فضاءات عمرانية مذهلة، حيث يصف بعشق صور "جمالية الزليج والأبواب الخشبية، وصهاريج الماء، والأحواض، والحدائق والبساتين الخضراء" ويؤكد أنه من "حسن حظ جيلنا أنه عاش في فاس التي كانت "عبارة عن جنة صغيرة" حسب تعبيره...من هنا خمن بأن "المولى إدريس كان شاعرا" والدليل اختياره لجغرافيا المكان "القبة الخضراء، والجبال، و نهر سبو الذي كان بحرا تعبره البواخر..."، كل هذه العناصر الجغرافية "تذوق منها الجمال" الشاعر والكاتب الحاكم.

 

ووصف ناس فاس بالقول: " ناس فاس معروفين بأناقتهم، كنت أقف لأعاين الناس بلباسهم الأنيق وعطرهم، وهم ذاهبين بأناقة للمسجد..". هذا المشتل "البصري هو الذي جعلنا نتذوق أشياء كثيرة منذ الصغر"، فضلا عن تأثير "الموسيقى الساحرة، والسينما والمواسم والمطبخ واللباس الفاسي.. كلها مكونات جمالية، ورصيد جعل الحياة أنيقة في عيوننا".