الثلاثاء 20 أكتوبر 2020
فن وثقافة

ذاكرة الوطني سي محمد بوراس من "سفر في زمن المقاومة والنضال" (3)

ذاكرة الوطني سي محمد بوراس من "سفر في زمن المقاومة والنضال" (3) مصطفى المتوكل(يمينا) وسي محمد بوراس الفيجيجي (يسارا)

في هذه الحلقات من سيرة رجل وطني ومقاوم ضد الاستعمار، يقدم الأستاذ مصطفى المتوكل لقراء جريدة "أنفاس بريس" محطات مشرقة من حياة الاتحادي الوطني الكبير سي محمد بوراس الفيجيجي ، الذي كان يحمل الوطن في قلبه منذ أن وشمت ذاكرته بحدث استشهاد جده وإصابة والده والدته في مواجهة المستعر الفرنسي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد انتقل إلى عفو الله ورحمته الوطني والمقاوم وأحد مؤسسي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الوطني الصادق سي محمد بوراس الفيجيجي بمدينة تارودانت يوم الأحد 23 غشت 2020 ، حيث ووري الثرى بالمقبرة الكبرى بباب الخميس قرب رفيقه في الوطنية والنضال عمر المتوكل الساحلي . في علاقة بهذا المصاب الجلل تنشر "أنفاس بريس" خلاصة تركيبية لحياة الفقيد انطلاقا من  مذكرات الفقيه الفيكيكي التي تحمل عنوان : "سفر في زمن المقاومة والنضال والمنشورة سنة 2015 "

انسحاب بوراس من اللجنة السياسية لحزب الاستقلال.. وتفرغه للمنطقة الشرقية

بعد الانتقال إلى وجدة بتنظيم وتنسيق مع المقاوم سعيد بونعيلات، ثم إلى الذهاب الناظور للالتقاء بموقع تجمع أعضاء جيش التحرير والملتحقين به حيث وجدوا هناك قيادات منهم، التهامي النعمان، واعمر الحريزي، وسعيد ولد الحاج، وكان المسئول عن هذه المنطقة عباس المسعدي وعبد الله الصنهاجي ...و في هذه الفترة وصلهم خبر وفاة عباس المسعدي.

ولاحتواء الحدث الخطير وتجنب تطورات أخطر تم تسريع مصالحات بإشراف من عبد اللطيف بنجلون، وأحرضان الذي عين آنذاك عاملا بالرباط بعد الاستقلال، ولقد حضر سي محمد بوراس في اجتماع التهدئة - لم يحضره الفقيه البصري - بين المقاومين لتجنب السقوط في شراك صراعات.. وتم استقبال نخبة من جيش التحرير من طرف الملك محمد الخامس ليعود بعد ذلك للناظور ثم تطوان.

لقد تسرب إلى علم بعض المقاومين أن جهات بجيش تحرير الشمال اتخذت قرارا باغتيال سي محمد بوراس نظرا لمخالفته وانتقاده لطريقة عملهم وقمعهم لبعض المقاومين، وفي نفس المرحلة اغتيل الشهيد إبراهيم الروداني و مقاومين آخرين بالبيضاء .....

في تلك الفترة، ألحقت قيادة حزب الاستقلال باللجنة السياسية كلا من محمد بوراس، ومحمد البصري، وعبد الرحمن اليوسفي، وعبد السلام الجبلي، وحسن صفي الدين، والمحجوب بن الصديق عن النقابة، وضمن أعضاء هذه اللجنة السياسية أعضاء اللجنة التنفيذية. (لم يحضر اليوسفي لاجتماعاتها بشكل كلي، وحضر الجبلي الاجتماع الأول فقط وبقي الآخرون  يداومون على الحضور .. )

بعد اعتقال أحد قادة جيش التحرير الذي التحق بالجيش الملكي من طرف قيادات جيش التحرير بالشمال حيث أودع وآخرين بسجن بريشة، وبتدخل من ولي العهد الذي طلب من الملك عقد مجلس وزاري للتداول في هذا الحدث، واستدعى محمد بوراس ليقوم بدور الوساطة للإفراج عن المعتقلين وذلك ما حصل ورافقه لمتابعة العملية أحد الحراس الخاصين لولي العهد ..

وبعد صراعات واختلافات بحزب الاستقلال وبين الوطنيين، شكلت حكومة عبد الله إبراهيم ليعمد محمد بوراس للتفرغ للعمل في المنطقة الشرقية لتقوية التنظيم والتوعية السياسية ومتابعة كل قضايا  الشرق ..

في علاقة بموضوع جيش التحرير ومنذ 1957، ارتكز العمل على حماية المنطقة الشرقية لعلاقتها بالأراضي المغربية التي لم يتم استرجاعها بعد، والعلاقة مع جيش التحرير والمقاومة الجزائرية، والجنوب المغربي الذي مازالت أراضيه خاضعة للاستعمار الإسباني.. وقام حرمة ولد بابانا الذي كان نائبا بالبرلمان الفرنسي بزيارة لمكتب المقاومة بدرب الشرفاء بالبيضاء حيث استقبله محمد بوراس الذي اتصل بالفقيه البصري وبقيا على اتصال بحرمة، وبفال ولد عمير، والداي ولد سيدي بابا، والمختار ولد اباه، (كلهم كانوا أعضاء بالبرلمان الفرنسي) كما كانت هناك  اتصالات منفردة بزكرياء أمير ترارزة، و كانت من بين القضايا موضوع التشاور والتنسيق قضية الصحراء المغربية المحتلة، وتم تقديم الأربعة للملك محمد الخامس وأصبحوا يتوفرون على سكن بالمغرب وكانت نوايا وإرادات الجميع موحدة على توحيد شمال إفريقيا  بعد نهاية الاستعمار ..

لقد لعب سي محمد بوراس دورا كبيرا في تنظيم جيش التحرير بالشرق، حيث أسست قاعدة عسكرية كبيرة، وكان يتواجد بالمنطقة قواعد عسكرية للجيش الفرنسي، وكذا السلطة المغربية، فضلا عن تواجد جزائريين من جبهة التحرير الذين يقومون بأعمال عدائية ويعتقلون كل من لا يريد مساعدتهم أو التعاون معهم.. وكان مركز بوعنان تحت قيادة عمر النعيمي السوسي من تارودانت الذي كان بالجيش الجزائري قبل أن يلتحق بجيش التحرير المغربي وبالخصوص بفيجيج ..حيث كانوا يتوصلون بالدعم وبالسلاح من كولميم  بالجنوب المغربي. و يعملون من أجل وضع حد للفوضى التي يتسبب فيها الجنود الجزائريون وفي نفس الوقت يفتحون قنوات للتفاهم.

في نفس السياق رتب لقاء للبعض منهم مع الملك محمد الخامس 1958، وكان رفقتهم محمد بوراس الذي خاطب الملك قائلا: " إن هذا الوفد الذي يمثل ذو يمنيع، وأولاد جرير، ولعمور، جاؤوا لرؤية الملك وليسمعوا منه هل تلك المناطق المغربية فأجاب الملك (عرفتوا هاذ الباب اللي انتوما واقفين عليها راه بحال هنا بحال تما).

للإشارة فقد كان جيش التحرير المغربي متحكما في المنطقة الشرقية أي بشار المغربية، ورغم أن الأمور تسير كما يخطط لها جيش التحرير المغربي إلا أنه بدأ  التحرش من طرف البعض بتحريك رجال الدرك، وبعض الأشخاص بما فيهم عامل منطقة قصر السوق في محاولات منهم لتفكيك الجيش وإضعافه بإبعاد الجنود والمتطوعين عنه، والتي فشل معظمها ..

لقد تسبب الاختلاف في تدبير إتمام استقلال المغرب بين جيش التحرير المغربي وقيادته العسكرية والسياسية في علاقة بحزب الاستقلال الذي كان حزبا يجمع كل التوجهات، حيث كان علال الفاسي من المتحمسين لإتمام الاستقلال وعمل الجيش، إلا أن الأمور تحولت إلى صراع داخل حزب الاستقلال لتقع القطيعة بعد تعيين الملك  لحكومة بلافريج سنة 1958 .

في هذه الفترة، تم تشديد الخناق على جيش التحرير بمنعه من الاقتراب من الجيش الفرنسي، وبموازاة مع ذلك كانوا في مناوشات مع الجيش الجزائري الذي يستفز ويتعسف، وكان جيش التحرير المغربي يردعهم ويعتقلهم أحيانا... ولمعالجة المناوشات مع جبهة  الجزائر عقد لقاء بالرباط رفقة حسن لعرج السكتاني مع عبد الحميد مهري حيث تبين أن ما يقع متعمد وأن نيتهم جميعا هي الاستيلاء على الأراضي المغربية، إلا أن جيش التحرير المغربي تمكن من نشر قواته وبسط نفوذه بالمناطق الاسترتيجة بشرق المغرب وبقي الاتصال مستمرا بانتظام مع القيادة الوطنية المتواجدة بالدار البيضاء بمنطقة بوشنتوف بليوط، وكان مكلفا بالاتصالات اللاسلكية والراديو بعض الجنود الصحراويين المغاربة الذين كانوا بالجيش الاسباني، حيث ترفع تقارير عن الأوضاع والتحولات والمستجدات، وربط الاتصالات أيضا بجيش التحرير بالجنوب المغربي بكلميم وقياديين منهم الشهيد إبراهيم التزنيتي ، وادريس بنبوبكر...إضافة لوجود بنسعيد أيت ايدر، وباهي بمنطقة بيزاكارن ...

لقد شنت حملات إعلامية ممنهجة ضد المقاومين والوطنيين وأعضاء من جيش التحرير في علاقة بسياسة حكومة بلافريج وتوجه قياديون من حزب الاستقلال.. وكانت جريدة "الأيام" التي يسيرها أحمد زياد تقوم بالدور الأساسي في التهجم والإساءة، وتطورت الأمور إلى اعتقال بعض الوطنيين والمقاومين بجيش التحرير بالشرق ليقدم الجيش المغربي على تطويق كل مراكز جيش التحرير بالمنطقة.

بعد لقاءات بين المقاوم الوطني سي محمد بوراس والملك محمد الخامس تم تطويق المشكل والنزاع وتم الإفراج عن جميع المعتقلين وتزامن هذا مع تبعات ملف عباس المسعدي الذي سينقل رفاته إلى أجدير، واستغل البعض ذلك وشرع في إتلاف مقرات حزب الاستقلال وكان ما سيعرف بأحداث الريف، وفي ظل هذه الاضطرابات سقطت حكومة بلافريج .

 لتجاوز الأزمة عين الملك محمد الخامس أواخر 1958، عبد الله إبراهيم رئيسا  للحكومة وكان عبد الرحيم بوعبيد وزيرا  للاقتصاد،  ومن تداعيات الصراع داخل حزب الاستقلال  قرر بوراس وآخرين الإنسحاب من اللجنة السياسية والقيام بعقد لقاءات تواصلية بمختلف ربوع الوطن لشرح موقفهم وقراراتهم.... وكان بوراس مكلفا بالشرق..