الجمعة 23 إبريل 2021
كتاب الرأي

سعيد عسال: الجائحة كفرصة لإصلاح الحماية الاجتماعية

سعيد عسال: الجائحة كفرصة لإصلاح الحماية الاجتماعية سعيد عسال

كانت ولازالت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى فرصة لتحول المجتمعات، وفي كثير من الأحيان جعلها أكثر وحدة وتضامنا . فهي تجربة تدفع كل مواطن إلى مراجعة تمثلاته و تقييمه للمخاطر. وكمثال على ذلك دور الحرب العالمية الثانية في ظهور دولة الرعاية.

هذه الجائحة(كوفيد19 ) هددت الجميع، بشكل مباشر وغير مباشر. فخطر الإصابة بالعدوى ألغى التراصف الاجتماعي. وهدد الفقراء والعمال في أسفل السلم الاجتماعي، كما الأغنياء وأصحاب رأس المال. ليذكرنا أن الصحة ليست فقط حقًا أساسيًا، بل إن صحة الفرد تعتمد على صحة الجميع. وأن المخاطر المجتمعية تحتاج إلى التضامن و التكافل. وهذا أصل الحماية الاجتماعية.

لكن إذا  كانت للجائحة آثار صحية، فإن ندوبها الاجتماعية أشد، وستستمر إلى عام 2022على أقل تقدير. وفي هذا الصدد، وجب استثمار روح التضامن السائدة. فهذا هو الوقت المناسب لفتح النقاش حول الحماية الاجتماعية في مغرب ما بعد الجائحةليس فقط لمواجهة تداعيتها، بل لأنها ليست الأخيرة. فالمجتمعات الحديثة هي مجتمعات مخاطر بامتياز. نمط الاستهلاك و منظومة الإنتاج السائدين يوفران الشروط الأساسية لأزمات لا مفر منها  (الأوبئة، الخطر البيئئ،...).

لابد أن نسجل أنه لمواجهة الجائحة، لم تول الحكومات أي اعتبار لمستوى العجز أو لحجم الدين. بل إن المرفق العمومي، و المستشفى العمومي خصوصا، هو من قاد المعركة. ليعاد الاعتبار لقيم الخدمة والمرفق العموميين.

في هذا السياق، هناك شبه إجماع على عودة دولة الرعاية. مفهوم دولة الرعاية يقصد به، بشكل عام، جميع التدخلات الاقتصادية والاجتماعية للدولة؛ و تعريفها الأضيق الذي يهم موضوعنا، يحيل على تدخل الدولة  في المجال الاجتماعي فقط، ولا سيما من خلال نظام الحماية الاجتماعية. و الحقيقة أن دولة الرعاية في البلدان النامية، كالمغرب، لم تغب يوما. كانت فقط تصارع وتتأقلم مع مشاريع الإصلاحات المتتالية التي استهدفتها. فالنقاش لم يكن يوما عن ضرورتها بقدر ما كان عن حجمها وبالتالي كلفتها.

المسألة الاجتماعية كانت دوما شأنا للدولة في المغرب. اليد اليسرى للدولة كما يقول بورديو. غير أنها دائمًا ما تعامل كمتغير ثانوي للنمو الاقتصادي. وعندما تكون هناك حاجة إلى الإصلاح، يحتكر السياسيون المبادرة، ويتم تقليصه إلى بعده التقني، بدلاً من أن يكون موضوعًا للنقاش العام. و في انتظار أن تلائم هذه المسألة الأجندة السياسية للفاعلين، و لأن زمن الإصلاح الاجتماعي أطول من الزمن السياسي وله كلفة، تُرك المجال لإصلاحات جزئية. فقُبيل الجائحة كانت هناك عودة لخطاب رسمي حول المسألة الاجتماعية، من قبيل الفقر، الهشاشة، التقاعد والاستهداف. في مجملها دعوات لا تهدف إلى إطلاق شرارة تحول اجتماعي بقدر ما تجيب على مشاكل آنية ملحة.

للإشارة، فإن دراسة لمنظمة العمـل الدولية تذكرنا أن المغـرب يسـجل اليـوم مسـتويات أعلـى للناتـج الداخلـي الخـام للفـرد الواحـد مقارنـة مـع فرنسـا فـي سـنة 1905 ،عندمـا أحدثـت هذه الأخيرة معاشـات الشـيخوخة ومعاشـات العجـز، وإعانـات المـرض وإعانـات النفقـة والتعويضـات عـن البطالـة؛ ومسـتويات أعلـى أيضـا مـن الدنمـارك فـي سـنة 1892،عندمـا اعتمـدت هذه الدولة معاشـات شـاملة خاصـة بالشـيخوخة والعجـز، وحـوادث الشــغل، وإعانــات المــرض والأمومــة.

و اليوم تعطي الجائحة فرصة حقيقية لإصلاح شمولي لمنظومة الحماية الاجتماعية كجزء لا يتجزأ من النموذج التنموي الجديد. و الفرصة تكمن في حالة التضامن السائدة و نضج الوعي بالمخاطر لدى المواطنين، ولو بدرجات متفاوتة.

في هذا الإطار وجب قراءة خطاب صاحب الجلالة بمناسبة عيد العرش المجيد، يوم 29 يوليوز 2020. فقط أشار جلالته إلى أنه " ينبغي أن نجعل من هذه المرحلة فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وبناء مقومات اقتصاد قوي وتنافسي، ونموذج اجتماعي أكثر إدماجا." و اعتبر "أن الوقت قد حان، لإطلاق عملية حازمة، لتعميم التغطية الاجتماعية لجميع المغاربة، خلال الخمس سنوات المقبلة." و ذلك " وفق برنامج عمل مضبوط،بدءا بتعميم التغطية الصحية الإجبارية، والتعويضات العائلية، قبل توسيعه، ليشمل التقاعد والتعويض عن فقدان العمل."

و لم يغب عن جلالته أن يدعو الحكومة إلى التشاور مع الشركاء الاجتماعيين و "اعتماد حكامة جيدة، تقوم على الحوار الاجتماعي البناء، ومبادئ النزاهة والشفافية، والحق والإنصاف، وعلى محاربة أي انحراف أو استغلال سياسوي لهذا المشروع الاجتماعي النبيل". و هذا شرط أساس لإتاحة إمكانية فتح نقاش جدي حول المعايير المجتمعية التي تبنى عليها المنظومة، خصوصا في ما يخص العدالة الاجتماعية و دور باقي المؤسسات وهذا أول وأهم مدخل للإصلاح.

على المستوى المؤسساتي فالحماية الاجتماعية ليست حكرا على الدولة. فهي تنتظم في ثلاث مجالات متكاملة: مجال السوق كمؤسسة،  مجال التدخل العمومي، و المجال الخاص أي العائلة. وهذا ما تثبته التجربة المغربية.

فإذا كان السوق من خلال الشغل، و الضمان الاجتماعي المواكب له، أهم مكون في منظومة الحماية بالمغرب. فإن شريحة كبيرة ممن هم خارج هذا السوق تجد نفسها بدون هذه التغطية. يتعلق الأمر بالعاطلين، أصحاب المهن الحرة والقطاع غير المهيكل. حتى عند فقدان الشغل لا وجود لإعانات البطالـة. و إن كان نظام المساعدة الطبيـة (راميـد) قد خفف من وطأة هذا الاستبعاد.

بالنسبة للعائلة، ينضاف إليها الآليات التقليدية للتضامن، فلاشك أنها لعبت وتلعب دورا محوريا في الحماية الاجتماعية لأولئك الذين لم يجدوها في المنظومة العمومية أو من خلال سوق الشغل. لعل أوضح مثال هم الأطفال و المتقدمون في السن دون تقاعد. و اليوم العاطلون أو الشباب الذين طالت مدة دراستهم. و كأن العائلة » صندوق ضمان اجتماعي« مستقل. في حين أن جل الإصلاحات لا تعترف لها بهذا الدور. و خير مثال هو عدم اعتماد دخل الأسر، عوض الأفراد، فيما يخص الضريبة على الدخل.

أما فيما يخص معايير العدالة الاجتماعية، فهذا مما يستوجب نقاشا مجتمعيا حقيقيا، تكون الحماية الاجتماعية جزءا منه. فكثير من الحالات التي اعتبرت في الفلسفة السياسية نظرية، جعلتها الجائحة واقعا. المثال الأول سؤال لمن الأولوية في الاستفادة من أجهزة التنفس الاصطناعي، هل الأكثر تألما أم مَن حُظوظ شفاءه أكبر؟ نظرا للعدد المحدود من الأجهزة في مقابل الحالات المصابة. المثال الثاني هو سؤال الاختيار الذي وضعتنا الجائحة أمامه، بين الكلفة الاقتصادية والكلفة الاجتماعية. علما أن الأولى تقاس نقدا و الثانية بعدد الوفيات. و الحقيقة أنه، بعيدا عن العواطف، هو سؤال موضوعي لابد من طرحه. للإشارة ففي بعض الدراسات، القيمة المتوسطة لحياة إنسان هي ما بين 24.000 و 60.000  يورو. وهذا في الدول الغنية.

الأمثلة متعددة لكن ليس لها أجوبة وحيدة، بقدر ما تتعلق بالمعيار المجتمعي المتفق عليه، المقبول اجتماعيا والذي سيحدد الخيار الأمثل. فإذا كانت القيادة الحكيمة والاستباقية لصاحب الجلالة جنبت المغرب مواجهة الاختيار الأول و حسمت في الاختيار الثاني، فالحكمة تقتضي أخذ  العبر و الاستعداد لأزمات و مخاطر قادمة لا محالة. و الحماية الاجتماعية في كنهها تصور للعدالة الاجتماعية. فالاستهداف الاجتماعي مثلا، هو آلية فعالة في المطلق، مبني على معيار التمييز الإيجابي. لكن النقاش حول مدى عدالته لم يحظ بالاهتمام الكافي بقدر شقه التقني المتعلق بالسجل.

في المجمل فإن الجائحة تذكرنا أن الحماية الاجتماعية، و أساسا التغطية الصحية، لا يمكن إلا أن تكون شمولية. و أنها شأن أساسي للدولة، تصاحبها فيه مؤسسات اجتماعية أخرى، في إطار سياسة متكاملة، على الدولة مسؤولية ضبطها .كما وجب التأكيد على أن الإصلاح الذي دعا له صاحب الجلالة، ينطلق من اختيار مجتمعي تترجمه مؤسسات و ينفذه التقني/التكنوقراطي ، وليس العكسوهذا أيضا من دروس الجائحة  .