الخميس 24 سبتمبر 2020
كتاب الرأي

عبد الله جبار: الجالية المغربية.. واقع مؤلم ومستقبل مظلم

عبد الله جبار: الجالية المغربية.. واقع مؤلم ومستقبل مظلم عبد الله جبار

يتضح من خلال الوضعية الحالية التي تمر بها الجالية أن قضاياها المركزية أصبحت تؤجل، وأن الوقت لم يعد في صالحها بسبب استمرار الأسلوب والمنطق القديم الجديد الذي ما زال يأخذ بزمام المبادرة ويتحكم فيها، بل ويختار قواعد اللعب لوحده مما يعطي قراراته طابع الفجائية والعجائبية، وهو ما عايشته الجالية خلال هذه الجائحة التي ضربت مختلف بقاع العالم.

ولن نضطر هنا أن نسوق كل الوقائع والأحداث التي عايشها المغاربة أولا بأول، بل سنحاول أن نطرح بعض التفاعلات أو حتى التناقضات التي نعيشها، لكن بالنسبة لنا هده التناقضات الهدف منها هو محاولة دحرجة قطعة الثلج الجامدة داخل الجالية التي رغم ما حل بها ظلت عاجزة عن حلحلة الوضع وعن التخلص من العديد من الألغام المتواجدة داخل هذا الحقل الغني والمعقد.

وإذا كانت القاعدة تقول إن الأمم والمجتمعات التي تمر بتجارب قاسية وصعبة تكون أمام اختبار لما أنجزه المجتمع في أوقات العافية من تقدم ورفاهية وإصلاح على كل المستويات، فإن هذه القاعدة تدفعنا اليوم كجالية إلى طرح تساؤلات جوهرية تسائل واقعنا بالنظر إلى ما راكمناه لإثبات وجودنا وللوقوف على دورنا في رسم معالم السياسة بالبلاد والمساهمة في مسار التنمية والتحول المطلوب، وهل تمتلك منظومة مغاربة العالم ما يكفي من الإمكانات والمؤهلات لتكون في الموعد وفي قلب الاحداث؟ ولماذا ظلت هذه الكتلة خارج إطار الفعل المؤسساتي الحقيقي؟

في الحقيقة المتتبع لهذا الملف سيلاحظ ازدياد كثرة الاحتجاجات والاعتراضات والنقد لأسباب مختلفة كل حسب وضعه، وهذا المؤشر يعود الى عاملين: انفتاح الحقل الجمعوي على مشاركة فاعلين من مدارس مختلفة، وهو عنصر لم يوجه المسار بشكل يجعل حاسة المحاسبة والرغبة في المساءلة تتقوى داخل مغاربة الخارج، ومن جهة أخرى فإن الذين يديرون القرارات الحكومية أصبح منسوب الثقة مفقودا فيهم لعدم القدرة على القيام بما يلزم، وهذا راجع بالأساس إلى طبيعة السلطة التي هي في العمق دولة لم تنفض عنها بعد غبار وحمولة الدولة المتحكمة فقط، بل برعت في استثمار البنيات الحديثة المؤدية إلى الدولة الديمقراطية لتمارس شكلا جديدا من السلطوية.. فنحن أمام دولة تظهر نوع من الحداثة وتبقي على نوع من الدولة التقليدية القديمة، رغم إقرارها رسميا بثقل وعبء هدا التاريخ القديم.

ويمكن ملاحظة هذا المعطى واقعيا داخل أوساط الجالية المغربية التي طالما حلمت بتشكيل مجتمع مدني بالمعنى التاريخي والعلمي خارج المؤسسات الرسمية. فبالرغم من وجود إطارات تحمل هذا الاسم، وبالرغم من الانفتاح والإصلاحات التي أعلن عنها المغرب بغية تجاوز معيقات الماضي والنظر إلى الامام وفق رؤية تأخذ بأخطائه وتستشرف مستقبلا متقلبا وغير واضح المعالم، فلينت الدولة نهجها الاحتكاري وأعطت الفرصة لمختلف شرائح المجتمع لأن تشارك وتساهم بطرق محددة في تسيير وتشييد البلاد لتحسين أوضاع وظروف المواطنين.

وبالرغم من أن هده التوجهات السياسية قد أدت الى حدوث انفجار فريد من نوعه في تاريخ الظاهرة الجمعوية بالخارج، بحيث برز إلى الوجود عدد هائل من الإطارات التي انكبت مجالات تدخلها واهتماماتها نحو قطاعات جديدة مثل حقوق الإنسان، حقوق المرأة، الدفاع عن البيئة، وغيرها... لكن معنى ومغزى هذا التكاثر الهائل للجمعيات لم يساره رسم منحى مستقل ومعايير للعمل ولم تكلف هذه الجمعيات نفسها عناء التفكير لإيجاد حد معقول من التفاعل الإيجابي والبناء يصب في مصلحة البلاد والعباد. ومرد هدا استمرار الدولة في القبض على مفاتيح هده الجمعيات، فتحولت الإطارات الجمعوية في كثير من الحالات إلى "إطارات شخصية" تبقى الدعم وفي حالات أخرى إلى شكل معين من "الإطار الشامل"، وهو نموذج يبدو في واقع الحالة الإيطالية أكثر تشكلًا في هيكله وأكثر فوضى في تنظيمه وقد تزامن هدا المعطى مع بداية هده الألفية، فاغرق مركب الجالية في الفردانية وبرزت إلى الوجود ظاهرة جديدة تغري بفساد الأخلاق فأضحى الكل يتطاول على الكل، ودخلنا عالم الانحلال الخلقي، كل هذا بهدف المرور على أكتاف الغير، ولو باحتراف الغش والخداع واستغلال العيوب البنيوية التي ترزأ تحتها منظومة مغاربة العالم.

لقد تدهورت الأخلاق، السياسة بل مفهوم الإنسانية نفسها فأصبحت الغاية تبرر الوسيلة، فظهرت ما يمكن تسميته مافيا العمل الجمعوي، وصار كل شيء ممكنا ومباحا ووصلت الخصومات حدا يفقد معه الإنسان أعصابه واحترامه لنفسه، فكثر التخوين، وأصبحت أعراض الناس مستباحة.. لكن ما يثير الانتباه أن أبطال هذا الصراع يجدون من يدعمهم، بل يعول على بعضهم.. وهكذا تصح مقولة، عندما تتصارع الفيلة يدفع العشب الثمن. كل هذا على حساب تاريخ مغربي نحتته أطر عرفتها الجالية المغربية في ستينات وثمانينيات القرن الماضي حيث عرفت الجالية عهد انسجام وتآلف. لم تكن تلك الجالية واسعة العدد وربما كانت تقتصر على النخب الأكاديمية، أو تلك العاملة في قطاعات معينة وبسيطة داخل الجالية المغربية.

ففي فرنسا عاشت الجالية عصرا ذهبيا شاعت فيه الاتحادات الخاصة بكل جالية، وراجت بعض من التشكيلات.. ويروي المخضرمون من المغاربة الذين عايشوا تجربة مجلس جمعيات الهجرة في باريس أحاديث عن أنشطة ناجحة وحيوية مزدهرة اندرجت داخلها وجوه عربية وغير عربية مهاجرة تنتمي إلى بلدان مختلفة. ويتحدث أصحاب هذه التجربة عن تناغم بين كل الاجناس وعن مكاسب تاريخية تم تحقيقها ولازالت إلى اليوم فخرا يردده كل من واكبها وعايشها عن قرب؛ فقد كانت كل القضايا في صلب اهتماماتها لدرجة أنه كان يقال حينما تمطر في إحدى العواصم العربية فإن المظلات ترفع بباريس وحتى حين كبر حجم الجاليات في تلك الفترة بقيت الحالة العامة تتّسم بالإيجابية وعدم التسيّس والانقسام بالمعنى الذي تشهده هذه الأيام، مع أنها كانت تتأثر بالتطوّرات التي كانت تطرأ على الأنظمة السياسية سواء في حالات الانقلابات العسكرية أوفي حالة القلاقل الداخلية.

فلماذا إذن هذا التراجع؟ وماذا عن هده التحولات؟

سيكون من الجيد أن نفهم بعضنا البعض على الفور حول مسالة أساسية: الاختلاف عنصر هام في عملية البناء والديمقراطية ليست ممكنة بدون تنظيمات هيأت مدنية نقابات، أحزاب سياسية "لأن التعددية يتم التعبير عنها داخل هذه الإطارات كمنظمات مستقرة ودائمة وواسعة. هذه الأخيرة تؤدي وظائف لا يمكن أن تقوم بها أي منظمة أخرى، ليس فقط من وجهة نظر الترويج للقناعات، والأفكار، ولكن أيضًا المهام التي يتم تجاهلها إلى حد كبير، وهي مهام التثقيف والتكامل الاجتماعي الشامل والحقيقي. لكن السؤال المؤرق اليوم هو: هل هذه الأدوار مازالت تحظى بالأولوية؟ ومن المخول له القيام بهذا الفعل؟

للإجابة بفعالية لا بد من إعادة بناء الإطار العام الدي نتواجد داخله، فمن ناحية لابد من إيجاد تجمع تعبر من خلاله الجالية عن ذاتها بشكل يقوي من وجودها عملا بمقولة غرامشي "التنظيم أحسن وسيلة للتعبير عن الذات". الدرس الثاني هو أن وجود النخبة شرط ضروري -وإن لم يكن كافيا- لعمل سياسي، إداري ومدني معقول. وأن النخبة ليست مجموعة عشوائية من الأشخاص المؤهلين أكثر أو أقل مختارين، ولكنها مخلوق تاريخي ودقيق، والذي يتطلب أن يولد ويتطور يحتاج إلى الوقت والموارد والقواعد والثقة والقيم وهي المخول لها قيادة عملية التغيير والانتقال بأوضاع الناس من مستوى معين الى آخر أحسن وأفضل تقدما؛ ولكي تطلع النخبة بهذا الدور الجوهري لابد أن تمتلك شرط الوعي، الوعي بدورها أولا وبحركة التاريخ ثانيا. ومن دون شك أن واقعنا يعيش أزمة نخبة بما تحمل الكلمة من معنى، لقد ابتلعت الأنانية كل شيء في الإنسان واقتصر دور النخبة على النقد ورسمت لنفسها حدود استفاد منه الحكم خاصة في العقود الأخيرة وعمل على نهج سياسة خاصة تجاه النخب والفاعلين.. فعمل على تدمير كل شيء له علاقة بإنتاج القادة الحقيقين فلم يعد يعتمد النهج القمعي، بل ألقى الطفل في مياه متسخة كما يقال، حيث لن يستطيع الخروج منها، فدمر بذلك كل شيء النخب والأماكن التي يمكن أن يتشكلوا فيها. لدرجة أننا اليوم نبحث عن هؤلاء فلا نجد لهم أثرا يذكر. وهكذا يحرم الفعل المدني والسياسي من الأدوات التي تغديه وتمنحه الاستمرارية.

إن مسح هذه الأخطاء يعتبر الخطوة الأولى لتجاوز حالة التمزق؛ ونعتقد أنه من الضروري إيجاد أرضية متينة تضمن حدا أدنى من الاتفاق حول مبادئ يساهم الجميع في بلورتها تكون محددة بدقة، ومبنية على تقييم موضوعي لواقعنا، بالإضافة إلى الاتفاق على برنامج عمل واضح..

طبعا كل هذا لن يتم دفعة واحدة، لأن الأمر يتطلب جهدا لتنقية الأجواء، وفي العفو لذة لا نجدها في الانتقام.

 

- عبد الله جبار، باحث في قضايا الهجرة